كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قصة قصيرة :::: أم خميس والراديو :::

قصة قصيرة :::: أم خميس والراديو :::

تاريخ النشر: 2016-07-03 | 23:50

بجانب خاصرة ذاك الزقاق يضجع بيت أبا خميس في تلك الحارة الفقيرة إلا من اكتظاظ السكان فيها والتي تمتلئ شوارعها الضيقة جداً والتي لا تتسع لمرور أكثر من شخص واحد يمتلئ بالحركة فترات مختلفة من النهار ويتكرر سيناريو هذه الشوارع كل يوم أثناء ذهاب وعودة الأطفال والطلاب إلى مدارسهم وتقل الحركة فيه بعد ذلك فيبقى مريحاً لمرور النساء إلى الأسواق وإلى المخابز والعودة دونما إزعاج أو مضايقة إلا من من عقد العزم على التربص بإحداهن والتي تكن قد واعدته فيمر ليلق تحية خجولة ويعبر لها عن عمق حبه بأشياء كغمزة عين أو عضة على شفته أو بالآه الخارجة من أعماقه، فتبتسم له وتبادله التحية بخجل وتنطلق مسرعة بعد أن تكن قد التقطت عن على الأرض ورقة مطواه ألقاها بجانب الحائط وهي رسالة حبٌ يعبر فيها عن حبه لها بكلام مكتوب لم يحالفه وقته وخجله من البوح لها في الزقاق لأنه يريد أن يغادر المكان بسرعة خوفاً من أن يشاهده أحد من السكان ويظن فيها ظن السوء ومن ثم يواجه مشاكل غير محسوب حسابها.

كانت الشمس قد بدأت تميل بخطى مسرعة نحو البحر فيسدل الليل عتمته على تلك الشوارع فتضفى عليها جواً من الرومانسية الحزينة والهدوء الذي يلفه الخوف والحذر كان أبا خميس عائداً من رحلته اليومية عبر الزقاق متجهاً إلى بيته وكان يصطحب غنمه وماعزه بعد أن كان يرعاها في الأحراش المجانبة للحارة التي يسكنها أبا خميس وقطيعه الصغير مغيراً ومحدثاً ضجيجاً حقيقاً، انتبه إليه محمود ومريم وحاولا التصنع والظهور بأنهما يمران في الزقاق بشكل عادى، إلا أن أبا خميس كان يعلم جيداً عن علاقتهما السرية ولقاءاتهم في هذا الزقاق وهو يكتم سرها ويمر بهما ويبتسم لهما وكأنه يخبرهما بأنه الأمين على سرهما.

عرض محمود ومريم المساعدة على أبو خميس في توجيه الماعز إلى وجهة بيته فتشكر لهما وهو يتمتم بأن هذا الشارع أكل من أرجلنا طبقة والغنمات صارن يعرفن الطريق للبيت وللحظيرة بشكل ممتاز.

لم يكن منزل أبو خميس غير حوش كبير نسبياً تتوسطه شجرة جميز كبيرة جداً ظللت الحوش بالكامل وكانت في ذاك الجانب منها تتسلق فروعها أغصان شجرة عنب تتدلها قطوفها من على أغصان شجرة الجميز ومن بين أوراقها.

أدخل أبو خميس ماعزه إلى الحظيرة المجتزئة من الحوش بصفائح من بقايا ألواح الزينكو القديم الذي صنعه كجدار يعزل الحظيرة عن باقي الحوش إلا من باب كبير، لدخول وخروج القطيع. تستقبله أم خميس بعباراتها المعهودة واليومية والخارجة من حنجرتها التي لم تهدأ لحظة طوال اليوم وهي تلاحق عمل البيت وتصرخ في تلك الدجاجة المغادرة للبيض الذي ترقد عليه وتتخوف أم خميس من أن يتسبب ذلك في عدم تفقيس البيض وموت الصيصان بداخله قبل أن يأتي موعد تفقيسه، تلاحق أم خميس الديك الذي اشمأز من تلك الدجاجة فيرفض أن يلتقيها وتطارد في ذات الحوش مجموعة البط والشهرمان وهي تلق له الطعام وبعض بقايا الأكل الذي يكون الأبناء الصغار قد جمعوه من الحاويات ولا يتعد عن كونه قشر البطيخ الذي تقوم أم خميس بتقطيعه قطعاً صغيرة وتخلطه من الخبز الناشف الذي أيضاً يكون قد جمعه أبنائها من على أرصفة الشوارع أثناء ذهابهم وعودتهم من وإلى المدارس وتقوم بخلطهم جميعاً وتقديمها وجبة يومية للبط والدجاج. ومع نهاية اليوم تبدأ في جمع الطيور ( الدجاج والبط) لإدخالها إلى الجزء الخاص بها من الحوش وهي عبارة عن حظيرة صغيرة محاطة ببعض الأسلاك والصفائح وبعد أن تدخلها تطمئن عليها وقبل أن تخرج تكون قد ألقت نظرة اطمئنان على الحمام العائد لتوه من رحلة البحث عن غذائه وتتفقد كافة البنان وتنظفها وتطمئن على بيض الحمام وتستشعر تفقيسه، ثم تخرج لتتفقد جالونات الترمس المنقوع بالماء والتي ترتص بالقرب من جذع شجرة الجميز فتقوم بتجديد المياه لتتخلص من طعمه المر ومن ثم تقوم بسلقه وتجهيزه ليوم الغد حيث ينطلق بعض الأبناء إلى شاطئ البحر لبيعه إلى المصطافين.

تجمع أم خميس كل صباح ما توفر من بيض وزغاليل وبعضاً من البط والديوك البلدية وتضعها في قفص كبير، وما صنعته من لبن وجبنة مما توفر لها من حليب الماعز، ثم تتجه إلى السوق لبيعه وبعد ذلك تعود إلى البيت ويكون هذا تكراراً لروتين حياتها اليومي.

يلتقى كل من أبو خميس وأم خميس بعد انتهاء رحلة عمل كل منهما وذلك في مساء كل يوم حيث يكون قد عاد إلى البيت جميع الأبناء ويجلسون جميعاً لتناول طعام العشاء وقبل الذهاب إلى النوم كل واحد يقوم بتسليم (الغلة) النقود التي حصلها من عمله إلى يد والدهم ثم ينصرفوا إلى مضاجعهم انتظاراً ليوم جديد.

يقوم أبو خميس بعد النقود ويصنفها ومن ثم يحمد الله على هذه النعمة وبعد ذلك يقوم بتسليم النقود إلى أم خميس وهو يصدر تعليمات لها بالحفاظ عليها لأنه ينوى شراء بعض الماعز بعد أن باع جزأ منها وربح مبلغاً طيباً.

هذا المشهد اليومي لحياة أبو خميس وعائلته يتكرر دونما أيّ تجديد رغم أن حركة الحياة من حولهما قد تغير فيها الكثير فأصبحت تبنى بعض البيوت الكبيرة وتنظم الشوارع التي أصبحت أكثر نظافة وفتحت بعض المحال لبيع المواد التموينية وبعض الورش لتصليح بعض الأدوات والأجهزة المنزلية وورش أخرى لإصلاح أعطال أجهزة الراديو التي بدأت تستهوي الناس.

وأصبح الزقاق يمتلئ فضائه بالأغاني ونشرات الأخبار الآتية من صوت المذياع الذي كانت بعض العائلات ترفعه إلى مستوى عال ليستمع الجيران إليه كنوع من التباهي.

لم يخترق جدار صمت حوش أبو خميس إلا أصوات بعض تلك الأغاني التي تتسلل إلى مسامع أم خميس المنهكة في عملها اليومي فتقف تسند جسمها على جذع شجرة الجميز وهي تتأوه وتطلق العنان لسمعها ليتلقف بعضاً من تلك الأغاني والألحان القادمة إليها عبر أثير الزقاق ولم تدرك مفهوم الكثير منها إلا أنها شعرت بأنها تتحدث عن شيء محرم ( الحب)، عاد أبو خميس كعادته في لحظة سرحان أم خميس ودخل وماعزه إلى الحوش ولم تشعر أم خميس بوجوده، أدخل أبو خميس غنمه وماعزه إلى داخل الحظيرة والتفت إلى أم خميس التي لم تنتبه إليه ولم تعره اهتماماً، فناداها شو مالك يا أم خميس، انتبهت إليه وبادرته بعباراتها المعهودة بالترحاب والاطمئنان على يومه وتبادلا الحديث، في شو سرحانة، والله باسمع صوت أغاني مش عارفة راديو مين من الجيران، والله يا أبو خميس صار بدنا راديو، شو بدنا فيه بيشغلك عن شغل البيت، لا ما بيشغلني، احتد النقاش كأن أمراً في نفس أبو خميس فأظهر ليناً في موقفه، فبادرته أم خميس نحن لا بنطلع ولا بننزل من البيت مثل الناس أقلته من راديو يا أبو خميس.

وافق أبو خميس على شراء الراديو بهدف سماع ومتابعة الأخبار وخاصة الحالة السياسية والأمنية متوترة والحرب على الأبواب واشترط أن يأخذ معه الراديو أثناء رحلة الرعي ليتابع الأخبار، وفي الحقيقة لم يكن هذا هو الهدف من اصطحاب أبو خميس للراديو معه بل كان يتجمع وبعض الأصدقاء في الأحراش ويتسمعون الأغاني التراثية ويمارسون الدبكة والغناء والموواويل والعتابا والميجانا. كانت أم خميس بعد عودة أبو خميس تتسلم منه الراديو وتقوم هي وأبنائها بالاستماع لكل ما لذ وطاب من أغاني فلكلورية وشعبية وكان ذلك لا يتم إلا في بداية ليل كل يوم ولكن لا يتجاوز وقت ذلك الساعة كون الجميع يكون منهكاً من عمله طوال اليوم فيذهبوا للنوم.

ذات يوم غادر أبو خميس منزله كالعادة وكان قد نسي اصطحاب الراديو معه، إلا أن انشغال أم خميس في أعمال المنزل لم تدرك وجود الراديو في البيت إلا عندما بدأت بترتيب مكان جلوسهما لتناول العشاء فوجدت جهاز الراديو فأدارت مفاتيحه وانطلق صوته يرعد وهي تقلب المؤشر مرة بسرعة كبيرة ومرة أخرى ببطء فاستقر على صوت أغنية (يما القمر ع الباب نور أناديلو، يما أرد الباب يما ولا أناديلو)، وكانت هذه الأغنية للمطربة فايزة أحمد والتي لمع صيتها ذات الوقت.

أدركت أم خميس جمال تلك الكلمات وشعرت بأنها تذوب عشقاً في أحاسيس أبو خميس ونسيت كل التعب والروائح المنبعثة من كل شيء وكم تمنت أن يكون أبو خميس حاضراً ليستمع إلى هذه الأغنية الجميلة لأنه هو قمرها الذي تنتظره فداهمتها فكرة دفعت بها إلى إقفال جهاز الراديو قبل انتهاء الأغنية.

كان الوقت قد شارف على حضور أبو خميس وما أن انتهت أم خميس من تمشيط شعرها ولتسهيل ذلك كانت قد مررت يديها عليه ببعض من الكاز ثم انتهت من وضع بعضاً من كحل الحجر في عيناها، وبعضاً من أحمر الشفاه الذي صنعته من بعض خيوط الحرير الأحمر الذي تستخدمه في التطريز الفلاحي فبعد أن لاكته بأسنانها وبللته بلعابها وضعته على شفتيها وبعضاً منه على خدودها وانتظرت قدوم أبا خميس الذي شارف على الوصول، طرق أبا خميس الباب فدق قلب أم خميس ولم يفتح الباب زاد أبا خميس من الطرق وهذه المرة بقوة أكبر ولم يفتح الباب واستمر ذلك حوالي عشرة دقائق وقلب أم خميس لم يهدأ بل كاد ينفلت من عقاله في صدرها فاتجهت إلى الباب مسرعة مضطربة تتخبط عراقيبها في بعضها ... فتحت الباب.

مالك يا أم خميس نايمة ولا شو جرالك

وبعدين كنك انجنيتي شو اللي عملاه في حالك

شو ه الأحمر والأسمر اللي مليطى وجهك بيهم وليش اتأخرتي لتفتحي الباب

والله يا أبو خميس أنا كنت بأسمع أغنية حلوة يما القمر ع الباب وبعدها سمعت شوية منها حبيت أخبيها وأحتفظ بيها لحين عودتك حتى نسمعها سوا فأقفلت الراديو وعند عودتك وطرقت الباب أسرعت أفتح الراديو حتى تسمع الأغنية وأنت بتدخل البيت وعشرة دقائق وأنا بأنتظر الأغنية وما أجت

نظر إليها أبو خميس نظرة دهشة واندهاش ولم يعلم ماذا يقول وهو ينظر لأم خميس نظرة ملأتها الشفقة امتزجت بابتسامة أزاحت شاربه المتدلي على شفتيه فباتت أسنانه لتكشف عن إبتسامته وقال لها وما إجت.

وضحكا سوية.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط