كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قصص من وراء القضبان (المتوكل طه)

قصص من وراء القضبان (المتوكل طه)

تاريخ النشر: 2017-04-30 | 10:41

حلم أسير..

مَنْ هؤلاء الذين يصّاعدون بعباءاتهم البيضاء، ويخترقون سقف الزنزانة، كأنهم ضوء أو هيولا؟

ومَنْ الذين يلفّون سماء الزنزانة بغلالات شفيفة كأنها الغيم الخفيف، ويرحلون مع الهواء؟

ومَنْ ذاك الذي يقف في الفراغ، ويمدّ ذراعيه، فتتدلى أكمامه الواسعة، لتلامس الأرض، كأنه ينتظر مَنْ يعانقه؟

ومَنْ تلك التي تلبس على رأسها تاج النور، فتضيء الزنزانةَ بهالتها الحليبية، وتفرّ منها الفراشات المضيئة كأزرار الثلج، وتسّاقط منها أزهار الياسمين؟

ومَنْ هذه التي تتهادى على فرس الغيم في طريق الغابة المطيرة، ويغطيها النوّار الأحمر؟

ومَنْ هذا الذي يمسك ذراع العروس، ويخطو معها على ماء النغم الهدهاد الرتيب، فتثور النوافير الملوّنة حولهما؟

ولمَنْ هذه الزفّة الصاخبة التي تضوّع الشرفات بزغاريدها وصهيلها ورقصات مزاميرها؟

.........

أيقظوه، إنه يحلم، كعادته!

****

الجدران

استيقظوا كعادتهم، وبلغت الشمس رمحين في السماء، ولم يخرج عمّال المطبخ لإعداد الفطور، ولم يأت السجّانون للعدد، بل أين هم؟ لا أحد في ممرات السجن، وثمة صمت ثقيل في الأنحاء!

كاد النهار ينتصف، والصمت يزحف من كل اتجاه، حتى أن صوت المركبات البعيد قد اختفى، واختفت الطيور، وصار لون الشمس ليموناً رمادياً كئيباً

حاول المعتقلون أن يهزّوا أبواب الحديد، لكنها مكهربة، فصعدوا على أكتاف بعضهم إلى الشبابيك، فكانت مكهربة هي الأخرى. وأطلّوا بعيداً، فلم يلحظوا حركة، أو يسمعوا هسفة أو صدى!

ها هم في اليوم الثالث، ويبدو أن التموين في الكنتين سينفد، وحنفية المغسلة تنبئ بخيط رفيع، يبشّر بانقطاع الماء من الصنبور!

في اليوم الخامس، بدأ الفزع يأخذ المعتقلين إلى حواف الانهيار واليأس، وسيطر الهلع على الوجوه!

اجتمع ممثلو الفصائل واللجنة الوطنية وقيادة الظلّ، لكن العجز كان يفتك بكل اقتراح.

وذبلت الأجساد، وشارف كثير منهم على الهلاك، واستسلم القوم، أو كادوا.

قال أصغرهم: اضربوا بقبضاتكم ورؤوسكم الجدران، وظلّوا اضربوا واضربوا واضربوا..

سخروا من قوله، وكانوا منهكين! ولكن، ليس أمامهم سوى أن يفعلوا ما يخلّصهم من هذا الموت المحتوم.

دبّت الحياة في أوصالهم، وراحوا يضربون الجدران، فتشققت وتكسّرت رؤوس كثيرة، لكن الجدران شارفت على الانهيار

***

المُغنّي

كأنه يهبط بالغيوم، فتتناسخ قطعاً بيضاء في سماوات الزنازين، ويأتي بالغابات فتغطي الجدران الضيقة، وتتّسع، ويبثّ الفَراش المائي على باب الصدأ!

يأخذنا على بساط الريح المسحور، فنلامس بأيدينا الموج وأطراف الشجر العالي، وينزل بنا، فنكون مُحاطين بأسراب القناديل والأرجوان.

نرتوي على عطش، ونمتلئ حتى تتشظّى الزنزانة، وتتناثر حجارتها، فنجد أنفسنا فوق نجمة عاشقة.

يجرّ عرباته الذهبية فوق صدورنا، فيترك شريطاً من العشب الطري.

ويمدّ النداء، فينهمر المطر الناعم على وجوهنا.

ويجرحنا بحرف العسل، فتنبض العصافير في الضلوع.

ينُهي أغنيته، فنكون قد أكملنا الرحلة. وتظهر نتوءات الجدار الداكن الفظّ.

نتمنّى أن يعيدنا حيث كُنّا، لكنه يأخذنا إلى سيول أُخرى، لنغرق بفرح غامرٍ في غبش الشجن وشهد الأحزان.

كانت أغنيته عن تلك المرأة التي دهموا بيتها، وأمر الجنود جميع مَنْ في الدار بخلع ملابسهم حتى صاروا عراةً كما ولدتهم السماء أمام أبنائهم.

هي أغنية عن تلك الصبية التي أدخلوها إلى غرفة صغيرة في زنزانة المعتقل المليئة بالكاميرات، والجندي يأمرها بأن تخلع كل ملابسها!

هي أُغنية عن تلك التي عبثت المُجنّدات في محرابها المقدس، ومرّرن الجمر والعصي والبصاق عليها حتى كاد الجنين يفلت يديه ويخرج بدمه المنهمر.

هي أغنية هادرة، أصابتنا بالقشعريرة، فَدَهَمْنا الأسلاك الشائكة بأقدامنا، وخلعناها بأيدينا المجرّدة، وهدمنا الجدران الغليظة.. ورحنا إلى أجراس الصباح.

هي أغنية، كنّا نرددها فتتفلّع جدران الزنازين وتنهار، وتتقشّر حولنا القضبان، فنصير في برِّ مفتوح .. فتأتي الشمس بجدائلها وتغمرنا بتبرها الذي لا يُحدّ.

هي أغنية: من سجن عكا طلعت جنازه .. التي اجترحها نوح إبراهيم، الذي جاءنا بقمبازه وبندقيته وسلحلك الرصاص على صدره وكوفيته السمراء المعصوبة على رأسه، كأنه يطلّ من العتمة، وتنجلي ملامحه كلما اقترب.. فنراه بكامل قامته، في حمأة الإيقاع العالي للعاشقين الخالدين..كأرضهم ووجعهم وأغانيهم المستحيلة.

هي أغنية الحياة على أرض الحياة.

هي أغنية لا نهاية لها حتى يتذكر أهل الأرض تلك الأبواب المنسيّة

***

ساحر

أهلاً بالساحر!

فُكّوا قيوده،

اجلس

وظلَّ مدير السجن خلف مكتبه، يتأمل باستخفافٍ وجهََ السجين الجالس على مقعدٍ آخرَ الغرفة، وجنديان يصوّبان على رأسه.

ها.. هل تستطيع أن تجترح لنا معجزةً؟ والسجين لا يرّد!

هيّا، أخرِجْ لنا حمامة من جيبك ها ها ..

والسجين ساهمٌ لا يتحرك !

إذاً، تضحك على السجّانين، وتخيفهم بألعابك المكشوفة؟ إنني أحذّرك، وسأبعثك إلى الزنزانة الانفرادية حتى تبكي دماً، مفْهوم؟ خذوه!

وَخزَه جنديٌّ بماسورة بندقيته، وأشار إليه أنْ يسيرَ أمامه ويداه على رأسه

خرج السجين واضعاً كفّيه على شَعره، واتّجه نحو الباب، دالفاً إلى الساحة، وما إن وصلها، حتى رفع يديه، وأتى بحركات سريعة، فطارت حمامتان، فارتبك الجنود. ثم استدار، ومدّ يده في جيبه، فأخرج وردةً حمراء، وتقدم إلى جندي، وقدّمها له، فتناولها خائفاً، وما إن مسكها الجندي، حتى تخيّلها أفعى، فتركها، وولّى هارباً، ووقعت جَلَبة، خرج معها مدير السجن من غرفته، فرأى الجنود مذعورين متحفّزين، يتراجعون إلى الخلف، فيما يضع السجين يديه على رأسه، ويمضي نحو الزنزانة!

***

زيارة

رمَوْه على أرض الزنزانة، كان الدم ينزّ من أنفه وفمه، وقد أُغمي عليه من شدّة الضرب على رأسه وكل أنحاء جسده؟ حتى لم يستطع أن يتكئ على ساعده لينهض، ويتخلّص من رائحة البطانيات العفنة ولزوجةِ البول التي تشرّبَتْها، في عتمةٍ ثقيلةٍ لم يتبيّن فيها مواضع الجروح والكدمات والكسور.

كان حلقه جافاً، لم يستطع أن يبصق الدم المتجمّد في خشب فمه، وأنفه مرضوض، يكاد الهواء لا ينسرب إليه بفعل الدم المتجلّط فيه.

تخثّر الدم، وانتفخ وجهه، وازْرَقّ ظهره، وتحطمت أضلاعه، ولم يقوَ على تحريك ذراعيه.

كأنه بين النوم والصحو، والألم يستبدّ بالرأس الثقيل الدائخ الزائغ.

وفجأة، تراءت له القامات، ولم يتبيّن الوجوه ! كان النبيّ والوليّ والشهيد والذبيح بملابسهم الطويلة المُسدلة يقفون عند رأسه، وما إن أيقنوا أنه شقّ رمشيْه ليراهم، حتى اختفوا!

التبس عليه الأمر، هل يتخيّل؟ أم أنَّ ملمس أذيال ثيابهم التي غطت وجهه كان حُلماً؟

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط