مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

قُصف الخبز في غزة، فماتت الإنسانية في العالم

قُصف الخبز في غزة، فماتت الإنسانية في العالم

تاريخ النشر: 2025-06-07 | 09:51

في أروقة التاريخ الحديث، حيث تُسجَّل الفظائع بأحرف من دم ودموع؛ تقف غزّة اليوم شاهدة على فصل جديد من فصول العار الإنساني.

إنّ العدوان الإسرائيلي على قطاع غزّة ليس حرب تقليدية، كتلك القائمة بين روسيا وأكرانيا ولا نزاعٌ سياسيٌ عادي، إنّما احتلال بداية، وهو الأطول في التاريخ الحديث وإبادةٌ ممنهجةٌ تُنفَّذ بتُؤدَة ودموية، تحت سمع العالم وبصره، بينما الضمير العالمي يغضّ الطرف ويُشيح بوجهه.

الجوع كسلاح والمجازر كأداة إبادة مزدوجة

لم يعد القصفُ وحده هو القاتل الأكبر في غزّة، بل صار الجوعُ والمجازرُ المتعمّدة أدوات متكاملة للقتل البطيء والسريع، فمنذ أكتوبر 2023، تحوَّل الحصار إلى آلة للطحن البطيء، بينما حوّلت مجازرُ مثل مجزرة رفح قبل أيام مراكزَ المساعدات إلى «مصائد موت» تُدار بأيدي قوات الاحتلال وشركائها.

إحصائيات صادمة صدرت خلال الأشهر الماضية من 2025 تؤكّد أن أكثر من 66 ألف طفل فلسطيني يعانون من سوء تغذية حاد، وفق بيانات وزارة الصحة في غزّة ومنظمة الصحة العالمية. وفي ذات الفترة، أفادت تقارير طبية بأن أكثر من 50 طفلاً فلسطينيًا توفوا نتيجة الجوع أو مضاعفاته في المستشفيات الحكومية خلال أقل من 4 أشهر.

كما أن نسبة الأسر التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي تجاوزت 96% من سكان غزّة، مع وجود قرابة 495،000 شخص في حالة انعدام أمن غذائي كارثي، حسب دراسة حديثة نشرتها اليونيسف في مارس/آذار 2025 وتقارير أممية ودولية مشتركة.

تتزامن هذه الأرقام مع تدمير ما لا يقل عن 94% من المرافق الصحية الحيوية في القطاع، وفقا لتقارير منظمة الصحة العالمية حتى أواخر مايو/أيّار 2025. وقد وثّقت المنظمة 516 هجوما على المرافق الصحية ووسائل النقل الطبي، مما أسفر عن ارتقاء 765 شخصاً وإصابة ما يقرب من 1000 آخرين.

هذا التصعيد المُمنهج في استهداف البنية التحتية الصحية يعكس الوحشية الإسرائيلية وتفاقم الأزمة الإنسانية، ويحول دون تلقي المرضى والمصابين الرعاية اللازمة، مما يزيد من عدد الوفيات بين المدنيين، وخاصّة الأطفال والنساء.

وآخر المجازر البشعة، التي تجاوزت الوصف في مايو/أيّار ويونيو/حزيران 2025، حين ارتكب الجيش الإسرائيلي سلسلة مجازرَ في رفح، حيث استُهدف المدنيون الجوعى وهم ينتظرون المساعدات الإغاثية: 31 مايو/أيّار 2025: 37 شهيدًا و170 جريحًا برصاصٍ أُطلق على طوابير الخبز.

3 يونيو/حزيران 2025: 27 شهيداً ونحو 500 جريح في المشهد ذاته، بينما العالم يصفها بـ «الحوادث المأساوية» ولا يتجاوز الوصف ذلك.

هنا، يُختزل التاريخ في حلقة مفرغة: ففي 1956، ذبح الجيش الإسرائيلي 111 فلسطينيًا في رفح بعد استدراجهم إلى مدرسة تحت ذريعة «التفتيش»، والأمثلة أكثر من حصرها في مقالة. اليوم، يعيد التاريخ نفسه، لكن بأساليب أكثر إجراما: مساعدات أمريكية مغموسة بالدماء، حيث يُستدرج المجوّعين إلى نقاط محددة ليتم إعدامهم جماعيًا.

المفارقة التاريخية... عندما يصبح الصمت أداة للقتل

في رواندا والبوسنة، انقسم العالم بين مُندِّدٍ ومتواطئ، أمّا في غزّة، فالجميعُ يُشارك في جريمة واحدة: الصمت. المفارقة الأكثر إيلامًا أن إسرائيل، بعد 70 عامًا من استخدام ذريعة «عداء السامية» و «الدفاع عن النفس» المُصنّعة غربيا، تُنفِّذ إبادةً جماعية، بينما تُستخدم الذخائر الأمريكية نفسها التي قُتِل بها أجداد الإسرائيليين لحرق أطفال فلسطين.

الأمم المتحدة تصف الوضع بأنه «أسوأ أزمة إنسانية»، لكن قراراتها تتحوَّل إلى حبر على ورق. حتى محكمة العدل الدولية، التي أمرت بوقف الهجوم على رفح وأصدرت مذكّرات اعتقال بحقّ «نتنياهو» و «غالانت»، تُنتهك أوامرها علنًا. والنتيجة؟ غزّة 2025 تُكرر مأساة 1948: تهجيرٌ جماعي، مجاعةٌ مخطَّط لها، ومجازرُ تُرتكب بذات الأسلوب ولكن بأدوات «حديثة».

دليل آخر على ذلك هو القصف الإسرائيلي الذي تعمّد استهداف الفلسطينيين وهم يحاولون الحصول على المساعدات الإنسانية، حيث راح ضحيته قرابة 40 شخصًا إضافة إلى إصابة حوالي 200 آخرين في غارات استهدفت نقاط تجمع للمساعدات خلال الأسابيع القليلة الماضية، ما يؤكّد أن هذا الهجوم لا يقتصر فقط على السلاح التقليدي، بل يشمل استدراج المجوعين إلى مراكز إغاثية تم إعدادها بشكل ممنهج لتكون كميناً دموياً للعزّل.

إبادة لا تشبه سابقاتها

التاريخُ يعرف الإبادات الجماعية، لكن غزّة كسرت القوالب: إبادةٌ مصوَّرةٌ بالبثّ المباشر، بينما تُختزل الضحايا في «أرقام مؤقّتة».

وفي سياق التعتيم المُتعمّد، ارتقى حتى يونيو/حزيران 2025 ما لا يقل عن 212 صحفياً، حسب تقرير قناة الجزيرة، في ما يمكن تسميته بـ «الإبادة الإعلامية» التي تهدف إلى إسكات العدسة والكلمة، ومنع توثيق الجريمة في زمن البثّ المباشر.

تكتيك مُزدوج: تجويعٌ بطيءٌ يسبق المجازر السريعة، كما في رفح حيث يُجبر المجوعون على التجمُّع ثم يُقتلون. تواطؤٌ مُركّب: الذخائر الأمريكية تُستخدم لتنفيذ المجازر، بينما الإعلام الأمريكي يصفها بـ «الأخطاء المأساوية».

كما كشفت تقارير أممية أن جيش الاحتلال استخدم الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف البشرية والمنازل والمركبات في وقت لا يتجاز الثواني، ما يجعل من الخطأ احتمالا محسوباً ضمن هامش الإبادة، ويحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة تطوير إلى أداة فتك.

حتى القانون الدولي، الذي وقف عاجزًا أمام مجازر «سربرنيتشا»، يُظهر عجزه الأكبر اليوم: ففي 2025، تُنتهك اتفاقية منع الإبادة الجماعية (1948) علنًا، بينما واشنطن تُزوِّد الجلّاد بالأسلحة الفتّاكة.

ما يزيد الألم عمقًا هو أن إسرائيل تعتمد على شركات أمريكية لإدارة توزيع المساعدات الإغاثية في القطاع، مما يجعل هذه المؤسسات شركاء في الجريمة. فقد أصبحت المساعدات، التي كان يفترض أن تخفّف من معاناة الغزيين، أداة لاستدراج المجوعين، حيث يتم استغلال حاجتهم الماسّة إلى الغذاء والإغاثة، ثم تُقصف مراكز التجمّع، في أبشع أنواع القتل المنهجي.

غزّة، الشاهدة على إنسانية ميتة

إنّ رفح وقطاع غزّة عامّة اختبار للضمير العالمي: في 1956، ذُبح أهلها لأنهم «مقاومون»، وفي 2025، يُذبحون لأنهم أيضاً قاوموا، فحُوصروا وجُوّعوا وها هم الآن على مرأى من العالم يقتلون صبرا.

الضحايا نفسهم، والجلّاد نفسه، ولكن الذرائع تتجدَّد، والصمت يتعمَّق.

السؤالُ الذي يُطارد التاريخ الآن ليس «كيف نوقف هذه الجريمة؟»، بل «هل بقي للعالم ضميرٌ ليُدان؟».

غزةُ تكتب فصول إبادتها بدماء أطفالها، والعالم يُدوّن إفلاسه الأخلاقي والإنساني بحروف من ذهب وصمت من تآمر.

×
أخبار
عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو الأحمد يبحث مع الاتحاد الدولي للنقابات أوضاع العمال الفلسطينيين وكالة الطاقة الدولية: نقص الديزل ربما يستمر حتى عام 2027 رغم "اتفاق روسيا" الخارجية الفلسطينية تدين افتتاح كولومبيا سفارة لدى الاحتلال في القدس المحتلة الحرس الثوري: غرق سفينة حاويات جنوب مضيق هرمز بعد اصطدامها بلغم بحري إدانة عربية وإسلامية لافتتاح كولومبيا سفارةً في القدس وتحذير من مخالفتها للقانون الدولي دبلن: فندق يُلغي حجز 70 غرفة لمشاركين في مؤتمر لمكافحة "معاداة السامية" ترامب يطالب باستبعاد مدعية نيويورك من تحقيق بشأن واقعة جامعة كورنيل الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,392 شهيدا وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط