كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قطاع غزة: اليوم التالي الذي لا يمكن الدخول إليه

يعاني قطاع غزة من ظروف إنسانية قاسية، وفي خضم الحرب الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران، وُضع موضوع غزة جانباً، ومع ذلك، لم تتوقف إسرائيل عن سلوكها القائم على القتل اليومي وتشديد الحصار، وكأن هذا القطاع المنكوب يمكن تأجيله أو تعليقه حتى إشعار آخر. لكن مع وقف إطلاق النار في إيران، عاد غزة فجأة إلى الواجهة، لا كأولوية إنسانية، بل كملف أمني معقّد ومؤجل.

اليوم، يعيش القطاع حالة من الارتباك والخوف وعدم اليقين. السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط ماذا حدث، بل ماذا تخطط له إسرائيل في المرحلة القادمة. وفي هذا السياق، يظل الإدراك الأكثر قسوة حاضراً؛ والأخطر أن الحديث عن الإبادة الجماعية قد يتحول، في بعض الخطابات، إلى أمر حتمي أو حتى مبرر. هذا الإدراك لا يتلاشى، بل يثقل الوعي يومياً، دون طلب شفقة أو انتظارها.

في المقابل، تسوّق إسرائيل رواية جديدة، ذات أهداف واضحة، تُبنى على سرديات دراماتيكية يجري تمريرها لإثارة الخوف وإعادة تهيئة الأجواء لعودة الحرب. ومع وقف إطلاق النار وتحوّل الاهتمام مباشرة إلى غزة، يصبح من الضروري تفكيك هذه السردية. فعند النظر إلى جوهر ما تطرحه إسرائيل، يتضح أنه يتناقض مع الاتفاقات القائمة وقرار مجلس الأمن، التي تنص على البدء بالمرحلة الثانية، الانسحاب الإسرائيلي، ثم إعادة الإعمار، وفي سياق ذلك مناقشة مسألة نزع السلاح. إلا أن ما حدث فعلياً هو العكس تماماً.

حركة حماس، بحسب ما تؤكد، أوفت بالتزاماتها في المرحلة الأولى، بينما قفزت إسرائيل، بقيادة بنيامين نتنياهو، إلى فرض شرط نزع السلاح أولاً قبل الانسحاب أو إعادة الإعمار، رغم أن المرحلة الأولى نفسها لم تُستكمل فعلياً نتيجة عدم التزام إسرائيل ببنودها.
في هذا الإطار، عقدت الفصائل الفلسطينية اجتماعاً مع نيكولاي ميلادينوف الأسبوع الماضي، وطالبته بضرورة إلزام إسرائيل بتنفيذ بنود المرحلة الأولى. وانتقل ميلادينوف إلى تل أبيب لبحث ذلك، ثم إلى رام الله، بينما تنتظر الفصائل ردّه، في وقت يُتوقع فيه استمرار النقاشات في القاهرة بمشاركة الوسطاء من مصر وتركيا وقطر.

الموقف الفلسطيني، كما يظهر، ليس رفضاً مطلقاً ولا قبولاً مطلقاً، خاصة في مسألة السلاح، بل هو مشروط بضمانات حقيقية. فالفصائل تدرك أن إسرائيل تتبنى سياسة واضحة تقوم على استمرار السيطرة الأمنية، وعدم الانسحاب من شرق غزة، وهو ما يفتح الباب أمام خطر تقسيم القطاع فعلياً إلى غزة شرقية وغربية، وهو هدف استراتيجي لا يبدو خفياً.

وفي الاجتماعات التي عُقدت في القاهرة بحضور الوسطاء، شددت الفصائل على ضرورة تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق، بما يشمل إدخال المساعدات الإنسانية وفق ما تم الاتفاق عليه (600 شاحنة يومياً)، ووقف التمدد في “الخط الأصفر” الذي توسّع بنحو 20 كيلومتراً، وحل الميليشيات المتعاونة مع الاحتلال، وإدخال المولدات وترميم المستشفيات والبدء بإعادة الإعمار، تمهيداً للانتقال لاحقاً إلى المرحلة الثانية.

وبحسب المعطيات المتداولة، فإن حماس لا ترفض من حيث المبدأ مناقشة مسألة نزع السلاح، لكنها ترفض الشروط الإسرائيلية المطروحة، وتؤكد أن ردها لن يكون بالرفض الكامل ولا بالقبول، بل مرتبط بتنفيذ إسرائيل لالتزاماتها أولاً. فهي ترى أنها التزمت بالاتفاق، بينما إسرائيل لم تفعل، ولا تزال تعرقل تطبيق بنود الاتفاق وقرار مجلس الأمن 2803، الذي ينص في مرحلته الثانية على الانسحاب وإعادة الإعمار ونزع السلاح.

في الوقت نفسه، لم يكتمل حتى الآن هيكل “مجلس السلام”، ولم تُشكّل القوة التي يُفترض أن تحل محل القوات الإسرائيلية وتحفظ الأمن، ما يجعل الحديث عن ترتيبات اليوم التالي أقرب إلى التصور النظري منه إلى خطة قابلة للتنفيذ.

ضمن هذا المشهد، لا ترفض حماس مناقشة مستقبل إدارة غزة، لكنها تطرح شرطاً واضحاً: انسحاب إسرائيلي كامل أولاً، ثم بحث مسألة نزع السلاح. في المقابل، ترفض إسرائيل أي انسحاب دون نزع السلاح الكامل. وبين هذين الموقفين، تبقى الضمانات الدولية مجرد تصريحات، دون آلية تنفيذ حقيقية.

وهكذا تتشكل حالة من الجمود: إسرائيل ترفض وجود كيان مسلح على حدودها، وحماس ترفض التخلي عن سلاحها دون ضمانات. أما الآلية الدولية، المفترض أن تكون جسراً، فلا تزال غير موثوقة بما يكفي. لذلك، يبدو احتمال الخروج من هذا المأزق ضمن الإطار الحالي ضعيفاً، وقد يحدث أي اختراق فقط عبر ضغط خارجي كبير، خصوصاً من الولايات المتحدة، أو عبر إضعاف حماس إلى درجة يصبح معها نزع السلاح أمراً واقعاً. أما خيار الضمانات الحقيقية، فلا يزال أقرب إلى النظرية.

في هذا السياق، تتشكل مفارقة واضحة: هناك تصور لـ”اليوم التالي”، لكن الطريق إليه مغلق. الجميع يعرف الوجهة، لكن لا أحد مستعد لاتخاذ الخطوة الأولى. وتبدو العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، في هذا الإطار، ليست مجرد استمرار للحرب، بل أداة لإدارة هذا الجمود، في ظل غياب حل لمسألة السلاح وعدم وجود نظام ضمانات فعّال.

وقد أبلغت حماس الوسطاء بأنها لن تناقش نزع سلاحها دون ضمانات بانسحاب إسرائيلي كامل، وطلبت تعديلات تشمل وقف الجرائم وتنفيذ جميع البنود، كما أثارت مسألة التوسع المستمر في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. وتشير التقديرات إلى أن هذه المواقف تعني أن التقدم في المحادثات لن يكون سريعاً، مع استمرار اللقاءات مع الوسطاء.

في المقابل، تبرز مخاوف من أن تمضي الولايات المتحدة في إعادة الإعمار، لكن فقط في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، وهو ما يعمّق واقع التقسيم. كما أن تعهدات التمويل، خاصة من دول الخليج، تعطلت خلال الحرب مع إيران.
في هذا السياق، يكتسب ما يطرحه بعض المحللين الإسرائيليين أهمية خاصة، إذ يعكس التقدير الإسرائيلي الداخلي. ويُطرح هنا السؤال الأكثر إحراجاً داخل إسرائيل: هل ما زالت أهداف الحرب الأولى قائمة؟

النتيجة كانت واضحة: إسرائيل حققت إنجازات عسكرية كبيرة، وأضعفت حماس بشكل ملحوظ، وفككت معظم بنيتها العسكرية المنظمة. لكن في المقابل، لا تزال حماس تسيطر على القطاع، ولو جزئياً، ولا تزال تمتلك قيادة ميدانية وبنية عسكرية جديدة، بعد تحولها من جيش منظم إلى نمط حرب عصابات، قادرة على تنفيذ كمائن وإطلاق صواريخ بشكل متقطع.
وهنا تتضح سياسة إسرائيلية غير معلنة تقوم على إدارة الصراع بدل حسمه: إبقاء حماس ضعيفة، دون إنهائها، وتثبيت وقائع ميدانية تدريجياً، مع منع إعادة الإعمار ودفع السكان نحو الهجرة.

انطلاقاً من ذلك، يصبح من الضروري قلب السؤال: لماذا تم جعل نزع السلاح شرطاً لكل شيء؟ وما الضمانة لتنفيذ باقي الالتزامات إذا تم ذلك؟ ولماذا جرى الخروج عن الاتفاق الأصلي لصالح صيغة تخدم إسرائيل بالكامل؟

ليس دقيقاً القول إن حماس هي العائق الرئيسي أمام إعادة الإعمار. المشكلة أعمق، وتتعلق بغياب الالتزام، وانعدام الثقة، وتحويل الشروط السياسية إلى أدوات ضغط.
المشكلة لم تعد في غياب الحل، بل في فرض شروط تجعل الحل مستحيلاً.

في النهاية، قبل الفلسطينيون في قطاع غزة اتفاق ترامب لوقف حرب الإبادة، رغم إدراكهم أنه اتفاق مجحف ويجردهم من حقوقهم السياسية. ومع ذلك، يفرض الواقع نفسه بقسوته. الحديث عن المصلحة الوطنية، وما يُطلق عليه “الواقعية”، ضروري، لكن يجب أن يكون واقعياً فعلاً: إذا أرادت إسرائيل العودة للحرب، فلن يمنعها شيء. وفي المقابل، يبقى الهدف الأساسي هو عودة الحياة إلى غزة، دون الوقوع في فخ التنازل دون مقابل.

التخوفات مشروعة، والضمانات غائبة، والموقف الفلسطيني ليس موحداً بما يكفي. لذلك، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة تشخيص الوضع داخلياً، وبلورة موقف يقلل الخسائر قدر الإمكان، لأن تفادي نتائج الحرب بالكامل لم يعد ممكناً.
وهكذا، يبقى اليوم التالي حاضراً كفكرة، غائباً كواقع،،نقطة يراها الجميع، لكن لا أحد يستطيع الوصول إليها.

×
أخبار
مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط