كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قطاع غزة ومذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية

بالرغم من أن قطاع غزة لا يظهر في أيٍّ من نصوص مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية التي وقعها الجانبان الخميس (18 حزيران/ يونيو 2026)، فإن غزة (وقضية فلسطين بشكل عام) ظلَّت حاضرة في خلفيات المشهد وأولوياته ومساراته المستقبلية، بخلاف الأهداف الأمريكية والإسرائيلية المعلنة في إسقاط النظام الإيراني، وإنشاء نظام حليف على أنقاضه، وفي القضاء على الملف النووي الإيراني، وفي إخضاع إيران وتطويعها، وفي التقدم باتجاه تشكيل شرق أوسط جديد، وإدخال المنطقة في "العصر الإسرائيلي".. فإن كل ذلك لم يتحقق.. وأصبحت أمريكا و"إسرائيل" أكثر بعداً وأكثر إحباطاً من إمكانية تحقيق أهدافهما.

صحيح أن إيران عانت من استهداف كبير لقياداتها السياسية والعسكرية وعلمائها، وتم ضرب الكثير من قدراتها النووية والصاروخية والبحرية وبُناها التحتية، غير أن النظام السياسي الإيراني حافظ على تماسكه وفعاليته، وتمكن من تجديد وتعويض الكثير من قدراته العسكرية، كما شهد التفافاً شعبياً أكبر في مواجهة العدوان الخارجي، وتمكن من "تنظيف" جبهته الداخلية من أعداد كبيرة من "العملاء" وأنصار الثورة المضادة.

وفي الوقت نفسه، فرضت إيران على الطرف الأمريكي إنهاء الحرب، وفك الحصار عن الموانئ الإيرانية، وإتاحة المجال لأوضاع إيرانية اقتصادية أفضل بكثير (عما قبل الحرب) من خلال حرية تصدير النفط، والتعهد الأمريكي بتوفير ما لا يقل عن 300 مليار دولار أمريكي لإعادة إعمار إيران بالتعاون مع شركاء إقليميين، ورفع العقوبات والإفراج عن أموال وأصول إيرانية مجمدة كجزء من الاتفاق النهائي. كما نجحت إيران في ربط وقف الحرب معها بوقفها في لبنان أيضاً؛ ووفر الاتفاق اعترافاً عملياً أمريكياً بدور إقليمي لإيران. أما التزامات إيران بشأن فتح مضيق هرمز وملفها النووي فليست هناك التزامات حقيقية جديدة، بينما تُركت الترتيبات والاتفاقات للمفاوضات المستقبلية.

ولعل هذا هو سبب حالة الإحباط الكبير لدى التحالف الحاكم والمعارضة في الكيان الإسرائيلي؛ حيث رأى كثيرون أن ما حصل هو فشل استراتيجي كبير لـ"إسرائيل"؛ وأن "مغامرة" نتنياهو في العدوان على إيران لم تؤدِّ ثمارها، مع مطالبات واسعة باستقالته.

الانعكاسات على قطاع غزة:

ثمة سيناريوهان أو رأيان متعارضان فيما يتعلق بالانعكاسات المحتملة على قطاع غزة:

السيناريو الأول يرى أن الانعكاسات ستكون سلبية، إذ إنه يفترض أن انتقال الوضع الإيراني من حالة المواجهة إلى حالة التسوية والاستيعاب الإقليمي والدولي، سيدفع إيران باتجاه حالة تموضع متناسبة مع مشاريع التنمية والإعمار في إيران، بما سيُخفف انخراطها في مواجهة المشروع الصهيوني، ويُضعف انشغالها بالنفوذ الإقليمي؛ وبالتالي ستتراجع قضية فلسطين في سلّم الأولويات الإيرانية؛ خصوصاً بعد الأثمان الكبيرة التي دفعتها إيران، وبوجود دول إقليمية مطبِّعة مع "إسرائيل" ومتحالفة مع أمريكا.

ويفترض هذا السيناريو أنه حتى لو استمر الموقف الإيراني المبدئي تجاه الاحتلال وتجاه غزة والقدس وفلسطين وشعبها، فإنه سينحصر أكثر في الإطار السياسي والإعلامي، وسيبتعد أكثر من الدعم العسكري والمالي للمقاومة.

كما يفترض هذا السيناريو فرصاً أقوى لاستفراد إسرائيلي أمريكي بغزة وبالملف الفلسطيني وبمحاولة شطبه، وباندفاعة أكبر تجاه التطبيع العربي- الإسلامي مع الكيان الإسرائيلي. وهو ما يعني الاتجاه أكثر نحو التعامل مع غزة كقضية إغاثية إنسانية، وليس كقضية سياسية ولا كقضية تحرُّر من الاحتلال.

السيناريو الثاني يقول إنه:

• ما دامت إيران فرضت نفسها لاعباً إقليمياً لا يمكن تجاهله،

• وما دامت فرضية إسقاط النظام التي كان يُعوّل عليها الكثيرون قد سقطت،

• وما دامت أحلام "إسرائيل" بتشكيل شرق أوسط جديد قد "تبخّرت"،

• وما دامت قيمة "إسرائيل" كحليف استراتيجي محتمل قد تراجعت كثيراً في أعين دول الخليج والمنطقة،

• وما دامت أمريكا "بعظمتها" فشلت في فتح مضيق هرمز وفي الحماية الكاملة لحلفائها،

• وما دامت إيران قد خرجت من حربها بقيادة أكثر تشدداً وحزماً، وبرغبة أكبر في الانتقام لكرامتها ومرشدها وقيادتها، وبدور أقوى للحرس الثوري،

• وما دامت قد تمكنت من تعويض الكثير من أسلحتها وقدراتها العسكرية،

• كما تمكنت من فرض وقف الحرب في لبنان على مذكرة التفاهم، مع الاستعداد للعودة للحرب وقصف "إسرائيل" إذا لم يتوقف العدوان الإسرائيلي في لبنان،

• وما دامت قيمة المقاومة اللبنانية والفلسطينية قد زادت في اعتبارات الأمن القومي الإيراني،

فإن كل ذلك، يعطي إشارات واضحة أن الإيرانيين ما زالوا يضعون لحلفائهم وللاعتبارات الإقليمية وزنها، وأن حالة "الانكفاء" الإيراني الداخلي تظل أمراً مستبعداً.

ووفق هذا الاتجاه، فإن الإيرانيين أدركوا بوضوح، بعد العدوان الشرس الذي استهدف قلب نظامهم السياسي وقتل قياداتهم، مدى الخطر الإسرائيلي عليهم، وأن التعامل معهم كـ"عدو" والدخول معهم في "صراع مباشر" أخذ بعده الفعلي؛ ولذلك فإن مواجهة المشروع الصهيوني ليست أمراً تكتيكياً، ولا أمراً يمكن تأجيله؛ وبالتالي تتزايد أهمية المقاومة الفلسطينية ودعمها كخط دفاع أول ضدّ المشروع الصهيوني وامتداداته في المنطقة. كما أن فك الحصار عن إيران وتدفق الاستثمارات وتحسُّن الوضع الاقتصادي، سيُحرر إيران من الضغوط الاقتصادية الخارجية؛ ويزيد من الفائض المالي لديها مما يجعلها في وضع أفضل لحماية أمنها القومي، ولإعادة بناء ودعم شبكة حلفائها.
ولذلك، فلعل فهم السياسيين والخبراء والعسكريين الإسرائيليين لدلالات السيناريو الثاني جعلهم يعبرون عن غضبهم وإحباطهم؛ ودفع الاحتلال الإسرائيلي لتصعيد عدوانه على لبنان في محاولة لإفشال "مذكرة التفاهم"، كما دفعهم لمزيد من التصعيد في قطاع غزة.

وبينما سيحاول نتنياهو سباق الزمن لتحقيق إنجاز ما قُبيل الانتخابات الإسرائيلية القادمة، فإن استطلاعات الرأي نفسها تشير إلى أن نتنياهو سيتجاوزه الزمن، مع سجل هائل بالدمار والإبادة الجماعية ومع فشل استراتيجي في تحقيق الأهداف المعلنة. وهذا لا يعني أن المعارضة التي قد تفوز هي أفضل منه، ولكنها قد تكون أكثر واقعية في التعامل مع الحقائق على الأرض؛ مع تجنب الصدام مع ترامب الذي يحاول إنجاح مذكرة التفاهم، كما يحاول إنجاح "مجلس السلام" في غزة. ولذلك ضغطت أمريكا لمنع هجوم إسرائيلي وشيك لمحاولة اجتياح ما تبقى من قطاع غزة؛ وهو ما جعل الاحتلال الإسرائيلي يلغي الهجوم ولو مؤقتاً. كما أن محاولة "إسرائيل" تحسين صورتها (في بيئة من العزلة الدولية وحالة العداء الشعبي العالمي) قد تضطرها إلى تخفيف الضغوط على القطاع وخصوصاً في الجوانب الإنسانية والمعيشية.

* * *

وأخيراً، ربما يميل مسار الأحداث على المدى القصير إلى تغليب إيران حالة التهدئة فيما يتعلق بغزة وفلسطين، على أمل تمرير مذكرة التفاهم والاستفادة من مخرجاتها وخصوصاً الأيام الستين القادمة، غير أن السيناريو الثاني قد يصبح أكثر ترجيحاً على المديين الوسيط والبعيد.

كما ستتواصل حالة اللا استقرار في المنطقة، وحالة التَّشكل وإعادة التشكل، مما يفتح المجال لعدد من الفرص، ومن أبرزها أن تراجع ثقة البلاد العربية بفوائد العلاقة مع "إسرائيل" وبروز الخطر في التوسع والهيمنة، سيوجد قواعد مشتركة أفضل في العلاقة مع قوى المقاومة الفلسطينية ودعم غزة وقضية فلسطين بشكل عام، وحتى مع إيران. هذا مع إدراكنا العميق أن مخاطر كثيرة تبقى قائمة، وأن ثمة أنظمة لا تتعلم من دروس التاريخ!!

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط