كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قطاع غزة ونظرية حنيبعل

قطاع غزة ونظرية حنيبعل

تاريخ النشر: 2017-04-17 | 20:49

جاءت خطوة حكومة رامي الحمد الله بخصوص الخصومات التي طالت رواتب موظفي قطاع غزة ‏مفاجئة وكاشفة؛ مفاجئة من حيث التوقيت، وكاشفة لما ورائها. ومع توارد التصريحات حول تطورات الأزمة ‏الراهنة، بدت القضية أكبر بكثير من كونها مجرد خصومات مؤقتة سببها أزمة مالية تعيشها السلطة الوطنية ‏الفلسطينية، وأن أزمة الرواتب الأخيرة ما هي إلا بداية لسلسلة من الإجراءات "العقابية" التي تستهدف – حسب ‏ما هو مُعلن- حكم حماس في غزة، وكأنها الخطوة الأخيرة في مسلسل فك الارتباط الإداري والقانوني والسياسي، ‏بين السلطة الوطنية الفلسطينية وقطاع غزة، وقد تتدحرج في قابل الأيام ليُعلن بعدها عن قطاع غزة "إقليم ‏متمرد". ‏

وغني عن القول، إن الخصومات التي تم اقتطاعها من رواتب الموظفين سوف تزيد الطين بلة، وستؤثر ‏بشكل جذري على الحياة الاقتصادية والاجتماعية لأهل غزة، ومع مرور الوقت ستتضح الآثار السلبية بشكل ‏جلي، ليس على موظفي السلطة فحسب، بل على مُجمل قطاعات المجتمع في قطاع غزة. فالأوضاع ‏الاقتصادية – الاجتماعية المتردية والمتهالكة أصلاً في القطاع، لم تكن لتتحمل تبعات هذه الخطوة، وبالكاد ‏كانت رواتب الموظفين تفي بالاحتياجات الضرورية للأسر الغزية. ففي تقرير أعدته غرفة تجارة وصناعة قطاع ‏غزة، تناول الحصاد الاقتصادي للقطاع خلال عام 2015، جاء فيه أن قطاع غزة ليس على حافة الانهيار بل ‏يدخل مرحلة ما بعد "الموت السريري"، وأشار التقرير إلى ارتفاع معدلات الفقر والفقر المُدقع لتتجاوز 65%، ‏بينما وصلت نسبة الأشخاص الذين يتلقون مساعدات إغاثية من "الأونروا" وغيرها من المؤسسات الدولية إلى ‏‏60% من سكان قطاع غزة، علاوة على ارتفاع نسبة انعدام الأمن الغذائي، التي تجاوزت 72% لدى الأسر. ‏وبحسب البنك الدولي، فإن دخل الفرد في قطاع غزة كان قد انخفض سابقاً لنسبة 31%، عما كان عليه قبل ‏‏20 عاماً‏‎.‎‏ هذا فضلاً عن استمرار ارتفاع كلفة العيش بطريقة كريمة، نتيجة لارتفاع الأسعار بسبب كثرة ‏الضرائب وتآكل الرواتب. ‏

وعليه، فإن الخصومات المستقطعة من رواتب الموظفين، وما قد يتلوها من إجراءات كتطبيق قانون ‏التقاعد المبكر وغيرها، من شأنها أن تدفع آلاف الأسر إلى مربع الفقر والفقر المُدقع، وسوف تتسبب ‏باضطرابات اجتماعية ونفسية، نتيجة لعدم القدرة على الإيفاء بالالتزامات الأساسية، مما سيؤدي لحرمان فئات ‏عريضة من تلقى الخدمات الأساسية كالتعليمية والصحية، علاوة على التراجع الكبير في تلقى التعليم العالي ‏نتيجة لعدم القدرة على دفع الأقساط الجامعية، وغيرها من مناحي الحياة الأخرى. ناهيك عن الشعور باليأس ‏والإحباط وانعدام الأمل في المستقبل، وتعزيز الشعور بالغربة. وباختصار يمكن القول، إن هذه الخطوات من ‏شأنها أن تُعيد قطاع غزة لنمط الحياة في العصور الوسطى. ‏

وثمة قلق آخر يساور موظفي السلطة من أبناء قطاع غزة، وهي أن تكون خطوة التقاعد الإجباري ‏المبكر التي تم تداولها مؤخراً، مخططاً من السلطة في رام الله لتسريحهم، وإفساح المجال لدمج موظفي حماس ‏ضمن الهيكل الوظيفي للسلطة الوطنية الفلسطينية، بناءً على توافقات سريّة بين الطرفين، يكون ضحيتها شريحة ‏واسعة من الموظفين الأكفاء ذوي الخبرة الطويلة، ممن ساهموا في بناء مؤسسات السلطة الوطنية منذ نشأتها. ‏الأمر الذي سيحول جيل كامل من الشباب من مناضلين من أجل الحرية وبناء الدولة، إلى مجرد عاطلين عن ‏العمل يبحثون عن وسيلة لتحسين ظروفهم المعيشية. ‏

وعلى الصعيد السياسي، تبدو الخطوات التصعيدية المُرتقبة أكثر صعوبة، وتدفع بالأوضاع في قطاع ‏غزة نحو الانفجار المحتوم. ففي حين تُلوّح السلطة الوطنية الفلسطينية بإتباع سياسة أكثر خشونة تجاه قطاع ‏غزة؛ لا تتوقف عند تقليص رواتب الموظفين وعدم دفع فاتورة الكهرباء، بل وتهدد بقطع كل أنواع المعونات عن ‏القطاع، ولذلك قررت إرسال وفداً من اللجنة المركزية لحركة فتح للضغط على حركة حماس للإذعان لمنطق ‏المصالحة، تُفاجئنا حركة حماس – كعادتها- بمجموعة من التصريحات المستفزة، وسلسلة من الخطوات ‏الاستباقية على الأرض، من شأنها إفشال جولة الحوار المرتقبة مع وفد مركزية فتح، هذا في حال تمت زيارة ‏الوفد من الأصل. والواضح إذن، أن الحكومة الفلسطينية في رام الله تسعى لتطبيق نظرية "حنيبعل" تجاه قطاع ‏غزة.‏

ونظرية "حنيبعل" هي نظام سري خاص بالجيش الإسرائيلي، تم اعتماده عام 1986 في أعقاب عملية ‏تبادل للأسرى بين المقاومة الفلسطينية في لبنان والجيش الإسرائيلي، وهو أسلوب يتم تفعيله في حالة خطف ‏جنود إسرائيليين. ويقضي هذا النظام بتفعيل كامل القدرات العسكرية للجيش وشتى أنواع الأسلحة، في محاولة ‏لقتل الجندي مع خاطفيه، بالإضافة للانتقام من البيئة الحاضنة لهكذا عمليات، وذلك لأن عملية الخطف تجر ‏إسرائيل إلى مربع المساومة؛ حيث تضطر لدفع أثمان باهظة لقاء الإفراج عنه، وقد استخدم الجيش الإسرائيلي ‏هذا النظام أكثر من مرة خلال العدوان الأخير على قطاع غزة ( صيف 2014). وتعود تسمية "حنيبعل" أو ‏‏"هنيبعل" لقائد جيش قرطاج في حرب الرومان حنيبعل بركا (247 ق. م - 184 ق. م)، الذي حارب الرومان ‏لسنوات طويلة وانتصر عليهم، وفي نهاية مشواره القتالي طارده الرومان في كل مكان لجأ إليه، ثم حاصروه، ‏مما اضطره لقتل نفسه بالسم بدلاً من تسليم نفسه للعدو. ولكن ما يميز حنيبعل القرطاجي عن الإسرائيلي هو ‏إيثاره للموت طواعية بدل الاستسلام للعدو.‏

وأما عن حالتنا في قطاع غزة، فإن تفعيل نظرية "حنيبعل" لا تضمن سحب كل الأوراق التفاوضية ‏التي يمتلكها "الخاطفين"، أو تقليل فرص المساومة التي قد يلجأون إليها، ومن ناحية أخرى تشي هذه ‏الإجراءات بأن المخطوفين (أهل غزة) لا يُمثلون أي قيمة مادية أو معنوية كآدميين، سواءً لدى الخاطفين أو ‏لدى من ينادون بتحريرهم. إن التعامل مع قطاع غزة باعتباره "مسجد ضرار" يجب مقاطعته وحرقه لا يؤدي ‏إلى مصالحة حقيقية، بل على العكس تماماً فإنه يوتر الأجواء السياسية بين حركتي فتح وحماس أكثر مما هي ‏متوترة، ما يجعل المصالحة وفقاً للمبادرة القطرية المطروحة بعيدة المنال. فغزة التي عضت على أصابعها ‏ودفعت الكثير من لحمها الحي، خلال سنوات الانقلاب العجاف، وحافظت على الشرعية السياسية، وحمت ‏المشروع الوطني الذي تقوده حركة فتح ومنظمة التحرير، لا يجوز ولا يليق التعامل مع أهلها كـ"دروع بشرية".‏

لكن بالمقابل، إلى متى سيستمر حكم حماس لقطاع غزة بمفردها وبعيد عن سيادة وشرعية السلطة ‏الوطنية الفلسطيني؟ وإلى متى ستظل حكومة الأمر الواقع في غزة تتعامل مع القطاع وأهله باعتبارهما رهينة ‏وغنيمة لا ترغب في التنازل عنهما. إن صبر الناس وسكوتهم على استمرار حكم حماس لا يعني بالمطلق أنهم ‏راضين عن خيارات حماس السياسية، ولا يعني أن حماس قد نجحت في تدجينهم أو تطويعهم وإرهابهم، للدرجة ‏التي يفضلون فيها الجوع على الخروج عليها، بل إن متطلبات الصراع الوطني مع المحتل تجعلهم يُغَلِبون ‏إلزامات هذا الصراع على حقوقهم الأساسية في العيش والكرامة والعمل، وكأن حماس المُنهمكة باحتمال الصراع ‏مع الاحتلال تتمتع بفترة سماح مستمرة من شعبها، ويكفى هنا أن تقوم حماس – كلما ضاق بها الحال- بإلقاء ‏بعض الصواريخ على مستوطنات غلاف قطاع غزة والاشتباك مع العدو، لتؤدي بعدها الطائرات الإسرائيلية ‏وظيفتها المُعتادة في تعزيز الوحدة الوطنية! وبعبارة أخرى، إن حماس قد قفزت إلى الحُكم عبر صناديق ‏الاقتراع، وأن نزعها عن سدة الحُكم لا يكون إلا بذات الوسيلة.‏

وخلاصة القول: إن استمرار تمسك حركة حماس بحكها لقطاع غزة بعيد عن التوافق الوطني، ربما يدفع ‏السلطة لاتخاذ إجراءاتها صارمة تجاه قطاع غزة، ما ينذر بمستقبلٍ مظلم ليس فقط على صعيد القضايا ‏الإنسانية فحسب، بل وعلى مستقبل قطاع غزة السياسي والحركة الوطنية برمتها. إن غزة التي أعياها الفقر ‏والجوع والعوز، ستصبح بيئة خصبة وحاضنة للعنف والجريمة والإرهاب. غزة التي ترقد منذ زمن فوق برميل من ‏البارود، لا يعلم إلا الله متى؟ وفي وجه مَنْ سينفجر هذه المرة؟! لذلك، فقد أصبح لزاماً على كافة قيادات العمل ‏الوطني والإسلامي، وكافة القيادات والمبادرات الوطنية الوقوف عند مسؤولياتهم التاريخية تجاه قضايا قطاع غزة، ‏والضغط باتجاه لملمة الشمل الفلسطيني، وتشكيل حكومة وحدة وطنية فاعلة ونافذة، تعمل على توحيد ‏المؤسسات الإدارية والسياسية، تمهيداً لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية ومحلية.‏

إن غزة التي لم يبتلعها البحر – وأظنها عصيةً على ذلك- ستظل شامخةً منتصبة، وستلفظ كل المارين ‏عبر جلدها، وستطاردهم لعنتها. غزة التي وصلت فيها الأوضاع لمستوى الخطر الشديد ستظل رافعةً للحركة ‏الوطني، ذلك أن سرديّة الكفاح الوطني الفلسطيني في قطاع غزة، تعكس بوضوح أنه لا دولة في غزة، ولا دولة ‏بدون غزة.‏

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط