كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قطر

أكتب عن أزمة العلاقات الخليجية - الخليجية، أكتب عن الأوضاع السياسية غير المستقرة بين السعودية والبحرين والإمارات من جانب، وقطر من جانب آخر. أكتب عن كيفية مواجهة المنظومة الخليجية لأزمتها الداخلية. وعندما أكتب عن ذلك، فإنني أشير بخمس أصابع إلى خمس جهات.

أولاً، بصفتنا كتّاباً خليجيين، فإنما نحن كمن يضرب الودع ليخرج بتحليل مقبول. ففي العادة يجتمع الشيوخ والأمراء في غرف مغلقة، ويبحثون شؤون دولهم، ويشرّحون خلافاتهم، ويعيدون ترقيعها من جديد على أمل صناعة حلول لها. يختلفون ويتفقون ثم يعودون للاختلاف والاتفاق، وكل ذلك بعيد عن عيون شعوبهم والإعلام.

يظهر القادة والمسؤولون الخليجيون في التلفزيون في مستهل اللقاءات، ثم يهرعون بعد دقائق إلى الغرف المغلقة، تاركين للناس خلفهم مهمة صناعة التسريبات المختلفة.

القادة الخليجيون يرون، في أحسن الظن، أن من المصلحة العامة تجنيب شعوبهم خلافات عميقة ربما تؤدي إلى شروخ، لا يمكن معالجتها، في جسد البنيان الشعبي الخليجي الواحد. أما في أسوأ الظن، فهم يرون أن القادة «أبخص» دائماً بالمشكلات الداخلية والإقليمية والدولية التي تحدث لبلدانهم، وما على شعوبهم، التي تتنعم بالاقتصاد الريعي من غير مشاركة منها فيه، إلا التسليم والطاعة. لا مصادر معلومات، ولا تصريحات توضح وتشرح، ولا حرية محمية للوصول إلى حقيقة ما يجري، وبالتالي فما علينا سوى ضرب الودع وإلغاء هذا التسريب وتبنّي الآخر، للخروج بصيغة تحليلية ترضي تخيلنا، لا الواقع!

ثانياً، كما هي الحال مع المحللين السياسيين، فإن الشعوب الخليجية مستبعدة من المشاركة في صنع المشكلة أو صنع حلها! فالمشكلة الخليجية الأخيرة هذه لم تناقش في المجالس التشريعية والنيابية والشوروية لأي من الدول المتعرضة لها. الشعوب وممثلوها في بعض المجالس يتابعون فقط ويتكلمون ويرفعون أصواتهم حيناً بالدعاء لحل المشكلة، وحيناً بالغليظ من القول لأجل تعقيدها أكثر وأكثر انتصاراً للهوية الوطنية لا أقل ولا أكثر!

ثالثاً، من خلال نتائج الاجتماع الأخير لوزراء خارجية دول المجلس في جدة قبل يومين، يتبيّن لنا أن محادثات الإخوة لم تسفر عن شيء، وإنما رحلت خلافات الأزمة وحلولها إلى إطار زمني جديد، ما يزيد في التخرصات والتسريبات الموسمية، وهنا يتوجب علينا، بصفتنا قراء للوضع الخليجي في شكل عام، أو ضاربي ودع في شكل خاص، أن نعبر عن رأينا في الأزمة لعل الله يكتب من عنده فرجاً قريباً. سنلغي بعض التسريبات ونتبنى بعضها لنقول إن مجلس التعاون على رغم تواضع نتائجه خلال الـ30 عاماً الماضية، وعدم تحقيقه الصيغة الأدنى من طموحات شعوب الخليج، إلا أنه حقق مطلباً رئيساً ومهماً للدول الست وشعوبها لا يمكن التغافل عنه، وهو صنع سياج حديدي حصّن دول الخليج طوال هذه الأعوام من التدخلات الخارجية. شعوب المنطقة بفضل الصيغة الحالية للمجلس ظلت عصية على الاختراقات الإقليمية والعالمية على حد سواء، وبالتالي فإن التفكير - كما تشير بعض التسريبات التي أتمنى ألّا تتحقق! - في إقصاء قطر عن منظومة مجلس التعاون، هو في تقديري خطأ استراتيجي كبير لا ينبغي لحكماء وقادة الدول الخليجية الوقوع فيه، فعندما تتحلل قطر من التزاماتها السياسية والأمنية الاستراتيجية مع المنظومة الخليجية، ستذهب بعيداً في بناء تحالفات إقليمية ربما تضر بمصالح الخليجيين. ربما نرى غداً الإيرانيين أقرب إلى إخواننا في قطر منا، وربما نراهم يسهمون مع القطريين في بناء حلف معاد لدول المجلس على ضفة الخليج الغربية! سينكسر السياج الذي وحّد الخليجيين ضد المطامع الكبيرة، وسيصبحون في مرمى سهام تأتيهم من منطقة يلبس رجالها الثوب والشماغ، وتتزين نساؤها بالملابس الخليجية التقليدية. إيران ربما تكون هنا وتركيا الأردوغانية كذلك، وربما دول أخرى لا نتوقع الخطر منها، وتتوقع هي المغنم منا في حال تفرقنا واختلافنا!

أيضاً سيسهم هذا الإقصاء - الذي أتمنى أن لا يحدث مرة أخرى - في انفراط العقد الخليجي، فغداً وعند حدوث أزمة أخرى مع دولة أخرى من دول المجلس، سيصبح من السهل على هذه الدولة الخروج من المنظومة الخليجية، وبناء التحالفات الخاصة بها. التجربة الأولى صعبة دائماً، لكنها - كما جرت العادة - تعبّد الطريق لما يليها من التجارب المماثلة.

التسريبات المتعلقة بعقاب الأخ المشاكس كثيرة، تبدأ من الضغوط الاقتصادية وتنتهي بالنفي إلى ما وراء سياج المجلس، لكن ما يطمئننا، بوصفنا ضاربي ودع، أن أياً من المسؤولين الخليجيين صناع القرار لم يقل ذلك صراحة، وهذا يجعلنا في منأى عن اتخاذ موقف كهذا، يلتزم به الإخوة الغاضبون أمام الرأي العام الخليجي المشحون ضد قطر.

حل الأزمة في تقديري ينبغي أن يبقى داخل البيت الخليجي، حتى وإن طال أمدها وتشعبت طرق حلها. وأظن أن الزمن - مع استخدام صيغ مقننة للضغط ليس فيها إفراط أو تفريط - كفيل بعودة القطريين إلى سابق عهدهم والانضمام من جديد إلى إخوانهم الذين يشبهونهم في كل شيء بدءاً من صيغة النظام الملكي الوراثي، وانتهاء بوجبة الغداء اليومية.

رابعاً، تعلمنا المشكلات والأزمات دائماً أن الحلول الشاملة والكبيرة لا تأتي غالباً من مخرجات المشكلة نفسها، وإنما تتجاوزها لترتقي إلى ما هو أعلى منها، وهنا أظن أن على صناع القرار في السياسة الخليجية أن يبنوا قالباً سياسياً محكماً، يضمن أن يكون الصوت الخليجي موحداً في مواجهة المتغيرات السياسية إقليمياً وعربياً. ربما تنحل الأزمة القطرية قريباً، وربما لا تُحل في المدى المنظور، لكن ذلك لن يمنع أصواتاً خليجية أخرى في المستقبل من التغريد خارج المنظومة، بما قد يهدد الجيران، لذلك فمن المنطقي والواجب أن يفكر الخليجيون في العمل على زيادة ارتفاع سياجهم الحديدي، لا ليتجنبوا التهديدات الخارجية فحسب، ولكن ليمنعوا ظهور الصوت الواحدي الضار فيما بينهم، ما قد يهدد وحدتهم ككل. الحل الأكبر يمد حباله دائماً للمشكلات الصغرى في شكل أوتوماتيكي، ليشملها بنعيم اتساعه ووحدويته.

خامساً، على القطريين أن يفهموا أن أعداء دول الخليج الخمس حالياً، هم أعداؤهم في المستقبل القريب. نظرة خاطفة ومراجعة واسعة، ستجعلانهم يدركون ذلك، عليهم فقط أن يزيلوا عن عيونهم غشاوة الانتصار الموقت الصغير، ويبعدوا آذانهم عن الهتافات التي لا تريد لهم ولنا خيراً.

كاتب وصحافي سعودي

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط