كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قلب و حبات لولو

قلب و حبات لولو

تاريخ النشر: 2018-11-10 | 09:18

أطْفِئْتَ الأنوار وأمسك بيد عروسته , يراقصها ببطء , وكافة الأنظار في صالة فرحهما تقع عليهما, إلا أنا لا زلت أراقبها منذ أن وطئت قدماي عتبة الصالة, والتقت عيني بعينيها دون أن نحرك ساكناً أنا وهي.
بدت لي أنها في سنواتها التي تعدت الخمسين عاماً , فملابسها توحي بذلك, وإهمالها للجاكيت الذي ترتديه أخبرني أنها ما عادت تهتم بأناقتها , حيث كان عريضاً عليها .
كانت كل راتب شهري تتلقاه من المدرسة التي تعمل فيها , بعد وفاة والديها تقتطع منه نصيباً لشراء أجمل الثياب.
عاد وهج الأضواء, وضعت يدي على وجنتي , مذهولة لأني رأيتها تنهي آخر حبة مكسرات من الكيس الثاني في دقائق الفرح الأولى, وكانت تأكل بسرعة أسرع من الفتيات اللواتي يتراقصن وفق موسيقى سريعة.
ما بها ؟ , تذكرتها حينما هرولت في الشارع الطويل , كنت في الخامسة عشر من عمري, حينما قلت لأمي أسمع صراخاً يملأ شارعنا, فإذا هي تطرق باب بيتنا وتصرخ خبئوني , أخفوني في مكان لا يراني به أخي , فإنه يريد أن يهشم رأسي, بدون سبب.
لمع الذهب في يد العريس , وهو يحاول أن يضع الخاتم بإصبع عروسه , ولمعت عينيها في نفس اللحظة, دمعة ترقرقت, سرحت في ذاك العريس الذي جاء لطلب يديها , لكن الجيران اخبروه بأنها تصرخ من أخاها دوماً وتطلب نجدة البيوت.
أتذكر ذلك, تناقلت صبايا شارعنا الحديث يومها, و رغم أني كنت في مرحلة مراهقتي تساءلت بغضب: ما ذنبها إذا كان أخيها يستفرد بها ويعنفها؟
لماذا تحرم الزواج؟ 
هذه الأغنية للعروس فقط, الكل يصفق , وعيني تراقبها, كانت أسنانها تصفق على حبات المكسرات , وعينيها شاردة في حبات اللولو على فستان العروس الأبيض, تتخيل نفسها بذات الفستان, لكن بحبات لولو أقل.
مسحت بكف يدها على خدها الأيمن , وأسندت رأسها على الكرسي باسترخاء.
تخيلت أحمر الخدود على خدها الذي مسحته.
لا, لا , تذكرت حديثها لأمها التي نقلته لنا , وقتما جاءت تعبئ المياه الساخنة من بيتنا, فليس كل البيوت كانت تركب السخانات في ذلك الوقت , كانت تدمع مع كل حرف حدثته لأمي , حيث قام شقيقها بصفعها على خدها, وأحدث إعوجاجاً في فمها , ظلت تعالجه أكثر من شهر حتى تماثلت للشفاء.
تحركت من كرسيها, غابت عن نظري, أين ذهبت؟, تلك المرأة السمينة وقفت كالحاجز بيننا, هل ستعود؟ لم ينته الفرح بعد, ولم تأتي الأغنية الخاصة بأم العروس ,متزوقيني يا ماما!!
ماما ؟؟؟!! كيف ستكون ملامحها حين تسمع الأغنية؟ هل ستدمع ؟ هل ستبقى ملامحها ساكنة؟؟
أتذكر صوتها وهي تصرخ على أمها, لتحميها من صراخ أخيها الأكبر عليها, وحين تفشل في نجدتها نرى عينيها مُزرقتان في الصباح.
لمحت الجاكت الذي ترتديه من بعيد, إنها هي , ماذا تفعل؟ لماذا تقف عند تلك الطاولة؟؟
عادت إلى طاولتها, بكيس مكسرات فارغ, يبدو أنها أعطته لصبية تعرفها على تلك الطاولة, وحدقت بكيس آخر تهم بفتحه!! , ما بها ؟ هل جاءت بصندوق مكسرات كامل ؟؟
قطعت تساؤلاتي أم العروس وهي تلقي بالشوكلاتة على طاولات الحضور, وكان من نصيبها حبة ملفوفة بشريط أبيض.
ابتسمت طويلاً وسرحت .
تؤمن بأن الفتاة العزباء حين تلتقط حبة الشوكلاتة في الفرح سيأتي نصيبها قريباً كما كانت تقول جارتنا العجوز, لكنها أعطتها للطفل الذي يرافقها.
يئست من تقدم أحدهم لخطبتها , واعتبرت مقولة العجوز خرافات, وكرهت الرجال بسبب تعنيف أخيها لها.
جميلة جداً لكنها بائسة , لماذا جاءت إلى الفرح؟؟ 
أزعجتني أختي وهي تهمس لي, ما بكِ؟ لماذا لا تشاركيننا الرقص؟ ما بال نظرك مشدوداً على زاوية واحدة؟ تمتمت لها, لماذا جاءت سميرة إلى الفرح ؟ كان بإمكانها تناول مكسراتها في غرفتها كما تفعل دائماًّ.
أختي تساءلت بدهشة, من سميرة هذه؟, أشرت لها بعصبية بأن تصمت عن ثرثرتها فهي لم تكن قد جاءت إلى الدنيا بعد.
عاودت مراقبتها , رأيتها تخفض رأسها, تصلي ! , كيف في ظل الموسيقى الصاخبة وكل تلك الأضواء وعطور النساء التي تأخذ كل التركيز, لتتعرف على نوع العطر الذي يضعنه على ملابسهن؟؟
كانت مع نفسها ومكسراتها ولا تسمع صوت الموسيقى إذن.
ملت من طول وقت الفرح , خاصة أن التوقيت الشتوي تكون فيه الساعة بمعدل ساعتين إضافيتين من الملل والفتور.
انتظرت طويلا حتى أنهت صلاتها, وعيني لا زالت ترقبها, وطلوا الغوالي أخوة العروس يراقصونها , تارة انظر لها, وأخرى عليهم.
وأخيراً أنهت صلاتها, وحدقت بهم وهم يتراقصون ,معالم وجهها ساكنة, لا أرى ابتسامة ولا عبوساً.
وضعت نفسها مكان العروس , يراقصها أخيها .
يراقصها؟؟ كان يلاحقها, يضربها, يشتمها, يسخر منها, يأخذ من راتبها!!
اصطدمت بي وهي تسير نحو طاولتها , توقف قلبي, تشنجت معالم وجهي, أحسست ببرودة سرت في جسدي, خفت أن تقرأ في عيني قصة حياتها التي أعدتها من بداية الفرح .
قالت بفرح اسمي .
قلت: أتذكرينني؟
قالت: كنتِ تدفعين باب منزلنا وتهربين وألاحقك إلى أن أضربك حتى لا تعودي!
ضحكت وسألت:" هذه كل الذكريات عني في ذاكرتك؟
قهقهت وتساءلت: هل تزوجتِ؟ ابتسمت وأجبت:"نعم
قالت:" لكني لا ولن .
سميرة ا؟؟
لوحت بيديها مغادرة, وأنا أصرخ بالسؤال بداخلي بقوة, لماذا يا سميرة؟ كرهتِ الرجال؟ تحبين الوحدة؟ لا زالت صفعات أخوكِ تنبهك أن لا أمان في الزواج؟؟
مع السلامة مع السلامة كانت أغنية نهاية الفرح , وكل الحضور من النساء يلوحن لبعضهن والعروس غادرت مع عريسها , وركبنا الباص جميعا , وكان نصيبي أن تكون سميرة بجانب أختي في الكرسي.
بسرعة البرق أبعدت أختي وجلست مكانها, لكن بجانب جسد بلا روح.
غرقت في تفكيرها, بالجدران التي ستطبق على نفسها حين وصوله.
بأول سؤال سيسألها إياه أخيها حين تطرق الباب, بزوجته حين تقول لها عقبالك بطريقة ساخرة.
بالعروس وطرحتها وحبات اللولو على بدلتها , بمرض المجتمع الذي تعيش فيه ويمتهن أناسه الوشاية, التي لولاها لكانت أجمل عروس.
بحبات لولو خبئتها منذ زمن , تناثرت على أرضية غرفتها , حين همت بالخروج من المنزل , وتنتظر تجميعها.
تبتسم وتعود لسكون معالمها.
وصلت إلى مكان سكنها , وغادرتني فريسة للتفكير.

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط