كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قلقيلية ؛ عَرْش الليمون

قلقيلية ؛ عَرْش الليمون

تاريخ النشر: 2020-04-10 | 07:26

أنا وحدي وحدي في عبّ البرتقالة ! أزورك لكي لا أتوه في شيخوخة المدينة الملفّقة،لأنك الفطرة والبداهة والأصالة والليالي المقمرة والأهل والمصاطب والحكايا...وهنا لم يتغيّروا... هنا أجد نفسي تماماً وأسلّم على طفولتي المحتشدة ومراهقتي التي هجّروها مني، هنا آباري الجوفية التي تروي عروق كلامي.

قهوتي رائقة ويتراءى على سطحها لهاث البيارات الوسيعة وجداول الماء وفحولة الأرض المحروثة، وأعشاش ومواقد وبراءة ونرجس طازج، ولعثمات على بوابة المدرسة، وشفق منقوع بالكرز ما فتئ يترنّق أمامي على خدود الحرير، ووسائد حجرية وصباحات مبللة بالشهد الخفيف،وشهوات قرن الغزال، وخيالات ساذجة محمومة ، إلى أن تفيض الخزانة بثيابها البريئة.

***

كأنك هنا حولي تمسحين عن الليل الحليب الأسود الذي دلحه ملاك رضيع حينما دوّى القصف البعيد، أو أنني لم أتذوّق بعد خبز الملائكة المسافرين، وأكاد أشرب دم الرمّانة التي تفلّعت وانفرطت ولم يتبق غير دبغة الأرجوان على قميصي، ولم يجد مَن تمزّقه ، ذلك أنني لست نبيّاً وإنما رجل يجلس على مقعد المحطّة ولا ينتظر أحداً.

***

أحتاج إلى أن أستعيد توازني؛ بعد أن لفحتني حروفك وبعثت زلزالاً خفيفاً حولي أو أنك ألقيتِ عليَّ البحر مرةً واحدةً وكان مكوّراً محبوساً في يدك. أنا أكثر هشاشةً من ناي القصب أمام أي جَمال... رفقاً بي أرجوك.

***

أنا الآن في بَهْوِ الكشْف أتلمّس خطواتي على بساط النور، فتأخذني فضاءات السطوع الباهر، وأسلك أزقّة قلبي، فأجد بلدةً  كأنها طوبى تأخذني إلى تلافيفها، وأتماهى مع حفيفها فأشتعل بالمِسْك، وأصحو فإذا بطفلةٍ على فرسٍ تقدح المسافات وتنزُّ أعرافها بالعسل المالح، ونثار فضتها يتلألأ على الأعشاش، وتوقظني الزقزقة فأجدكِ كأنك العذراء لا تحمل طفلاً ، لكن يديك تصبان شموساً صغيرة أو قناديل من فجرٍ فتيّ.

***

أنا المهزوم الذي انتصر لأن حكمته تقول: أفضل وسيلة لمقاومة الجَمال هي الاستسلام له. بهذا ألقيت بعيداً عني كل ما يصدأ، وجعلت قلبي خوذتي؛ فانكشف نبضي وأصبح سرّي علنياً تأكل الطيرُ منه وتلقيه أينما شاءت؛ فتنبت الأدغال بأزرارها الثلجية وورودها القانية...وثمة ناي يتهادى فيحزُّ قلبي ليتساقط بين قدميّ، لكني لن أرفع الراية البيضاء لأن صاحبة الناي أشعرها تنفث صفيرها من فمي، ربما تقمّصتني ، وحتى لا تجرح قامتي ادّعت أنني احتللت أسوارها الكامنة خلف ذاك الغيم الصلد، الذي تحدّثت عنه الحكايات والجدّات.

***

افتحي مخدعك لشهريار الذي أتعبته الدماء والجثث الناغرة بدمها الحرام، وأعيدي الحكايات لتكون أقوى من السيف والنطع، ولا تفكّي قضبان العتمة للساحرات ، حتى لا ترشّ واحدة ماكرة عُرفَ الديك وبخورَ القهقهات..

 والحكايات أكثر من كلام وشخوص وعجاج وترقّب، إنها اليد الحانية التي تستلّ الحسرة من القيعان.

***

الآن أعرف لماذا بدت سماء الشمال وكأن فرساً مرصعةً بحليبها الأبلج تشقّ الغيوم فتحدث نهراً سماوياً يتنزّل من ضفافه لباء المشمش، ولماذا انسلّ من هنا قوسُ قزح كأنه طفل هرب إلى حضن أمّه التلال، وويلي على الجنوب... إنه يتيم مثلي.

***

مرّةً أخرى ؛

الدخان مُدجّج بالوَهْم، لكنه مفزوع كضمير القاتل .. ولن ينتصر، ستهزمه اليمامة الشمالية التي أخذت عن سليمان الملك مصاحبة الرياح وفهم منطق الطير، ولكن احذر! هناك لغة كامنة لم يفككها أحد وعادوا عن أسوارها مجروحين بالخيبة، لكن الحظّ تمتمة تلهج بأبجدية جديدة، الّلهم علّمنا إيّاها لندرك سيميا القصائد الطاغيات محبةً وظمأ.

***

إذا كان القلب قوي النبض موّاراً يضفضف بسيول النار، توّاقاً إلى الانفلات من السطح الثقيل البارد، فعندها ستنشقّ الأرض عن بستان النار الشهيّ الذي يندفع ويؤسس مملكةً جديدةً للحياة.

***

أحسّ بأنّ الغول الخرافي يجوح في صدري ويبكي بخشونة، ويصل نحيبُه الشرسُ إلى الغابة الطازجة؛ فتترمّد الغصون الطرية وتتهاطل من الجذوع دموع الكهرمان السوداء وينفر نبعٌ فوار؛ فتضحك الآفاق وينبت العشب وتزدهي الأشجار بالزَغب الحلال.

***

لك الراوي والرواية والحكاية، ولك الحروف من الهمزة وكل أخواتها، ولك الدروب والطرق والحنين والنوستالجيا واللهفة والشغف وقشعريرة الانتظار ورعشة العناق.

ولك الشِعر والمنبر والخيل والليل، ولك الأرض جميعاً...ولك القلب.

***

القلب موزّع في هبوب الرياح والزمان، كحصان وحشي أو غيمة خفيفة، وله أن يحطّ فوق الذُرا أو الوهاد، وله أن يزاوج النحل أو ينسرب في العنكبوت، وله أن يكون صقراً أو قُبّرة، وله أن يلبس الجبال أو يتزيّا بالغبش، وله أن يفترع الصوّان أو يسلك الصوت الوديع، وله أن يفتح شبابيكه للعواصف أو ينمو في داخلها... ولكن ليس له أن يصمت أو يدير ظهره للآتي.

***

نجم الساحل ولدٌ دَبَك في السامر ليلة أمس، ورمى منديله إليّ فذاب مع أنفاسي.

***

موقدة العَشاء الريفي.. جمرها الريّان باقة ياسمين حمراء.

***

في البلدة تكون الصورة ناقصة .. أين الغزال؟

***

نعناع الشاي فيه لذعة حروفك.

***

سامح الله الشِعر، شاب رأسه وقلبه طفل.

***

النّحلة تلْحفُ على البرعم : افتحْ فَمك!

***

الدخان أنفاس الشجر المقهور.

***

زهرةُ الليمون قرب السياج عروسٌ تترقّب النصلَ الحارق.

***

السّور الإسمنتي جدار المقصلة وظلاله نَطْعُ السيّاف.

***

أكاد أزوغ من طعم المعدن وغبار البساطير.

***

الليمون تقويمي ويوم زينتي ودائرة بروجي.

***

الملائكة تنشر غلالاتها في الظهيرة وتعدّ القهوة للشرفات.

***

أنظر للوحة المعلقة : يرجوني الغزال ويحذّرني الفهد.

***

الطالبة الراجعة من المدرسة.. دفّ مبذولٌ لرقصة الخنجر.

***

بَلغَتْ الأربعين...والموقدة ضارية.

***

المرْجل ينبض بالزّهر... والملح يتكلّس حولي!

 مَن يشتري ذاكرة النبع بتفاح النسيان؟

***

شمس الشمال مراهقةٌ حلّت شَعرها الأشقر وركضت نحوي، وتماهت في أضلعي.. ما هذه السخونة الفاتنة؟

***

الأرض تترنّح تحت قدميّ .. واقفاً، والنجوم تمرق قرب أذني فأسمع هفيفها، والغيوم تتقصّف تحت إبطي، والبرق يرسم أشجاره النارية فوق وجهي، والليل يهرب من أمامي مولياً صوب السماء.

***

البرتقال مزّ ودمويٌّ لأن الصغار لا يرضعونه ولا يخمشون سواحله. ويتقشّر ويتدحرج ، وموسمي، وعزاؤه أن آلهة حملته لزوجها.. فاحمرّ وجهه واكتشف الحقل.

***

الشِعر يعكّر دمي بالعسل.

***

تعاطَ مع الدنيا على سبيل المجاز.

***

رائحة الزنجبيل تخفق في رأسي، والحبق يصّاعد في أنفي، والقرنفل يرشّ نمَشَه على وجهي، والشقائق تهبّ إلى وجهتي، وتكون الحقول بخير... عندما أتلقّى نصّ البرتقال .

***

ما أطول انتظار ملكة الليمون !

***

أيها الليمون، يا أنثى البحر، ما المُسْكِرُ في هذا الماء المصبوب، يدُ النبيّ في قانا الجليل أم روح التعالي في النخيل؟ وكيف نميّز بين جدائلنا المفرودة تحت ذراعين اتّحدتا وتضافرتا كعرْبيدين يتزاوجان في عين الشمس؟ لا حدّ بينها وبينه أو بينه وبيْنها، هما لسانان وصوتٌ واحد، وقلبان وضحكة عميقة كالخنجر، وهما برقُ الرّعد وصوت تصادم أكتاف الجبلين. قال لها مرّة: انظري، كل الغيوم تمشي إلاّ تلك! سأمدّ يدي وأنزلها، لأجعلها ثوبك في الصيف الآتي.

قالت له مرّة : هذا الوادي بلا قمر في الليل، سألدُ لك نهراً ضوئياً، تغرف من دفقاته ما يطفئ صهد الكاسات.

***

 كلّ الكلام الذي أريد أن أقوله دون توقّف : لا شيء، وكل شيء.

***

كنت في تلك الحياة قبل مئات القرون آخذ صوت البحر وأناديك به، وكنت تجلس إلى الزيتونة تلك على ذلك الكف الصخري، وتهزّ رأسك وأنت تغمغم: مجنون!

واليوم تجاوزت الجنون إلى الصمت الذي لا يفكّكه سوى نداء الليمون.

***

الطفلُ يركل سلّةَ البرتقال فيتقافز متدحرجاً، وحبة لامعة تبتعد، وكنت أريدها أن تتكسّر في فمي.

***

الأريج بساط علوي يسبح ويفرد أجنحته ويتهادى بين الشواشي والشرفات، وعبقه يعلن فصلاً ذهبي القناديل، وسراجاً لا تنطفي حكايته، وبين الحقول أيّل كنعاني يشير بقرنيْه لأيدي الغصون المتشابكة.

***

يا غصن الكلام الصاعد من خاصرتي، ويطرح فاكهة محرمة وظلالاً من بلّور!!

***

أجرّب الحروف الضائعة وأبحث عمّا يلزمني لأوصل رسالتي،لأن ساعي البريد لم يعد، وتركني أحمل أوراقي المطوية وأمشي وحيداً في الطرقات. مَن يأخذ مكاتيبي للمنادي حتى لا ينتظر الطير؟ مَن يحلق رأسه لأوشم على صفحته حروف النمل؟ من أي الجهات يطلّ الحمام الزاجل؟ ليت لي هدهداً أطلقه في البراري ليعود لي بنبأ، ها أنذا أدور في الظلال وحدي مع أوراقي البيضاء، سأرسلها كما هي ، لأن ما لديّ لاتحتمله الأوراق.

***

هكذا هم الشعراء يتبعون قلوبهم فيصبحون مجانين.

***

يبدو أن الحنين سيطول!

***

لعلك لم تلحظي في حمأة الحوار العنيف أن ملائكة هبطوا من السماء وظلّلوا عليك، وفَرَدوا أجنحتهم الماسيّة فوقك، لقد خافوا على القصيدة.

***

أطلق ضحكتك ليثمر الشجر، أنا مصاب بك وبالليل.

***

سأضع يدي في ينابيعك وأجعله خمراً لأعراسك القادمة.

وسأسقيه للنجوم لترقص في مجرّاتها وتلوّح لي، وتشكرني لأني أيقظتها من النوم.

***

 الشجر يرسل برتقالة المساء إلى شمس الليل.

***

نار الموقد تطقطق بوسوسة الغابة التي تنتظر أعشابها، والنجوم تتوارى خلف الدخان الأبيض،

وثمة طائر يزور القمر، يبدو أن هناك عرساً للماء والنار.

***

أيها الوشق ذو الفراء الساخن ، اركض في سمائي الباردة ، واقطف زهرة الشمس من وراء المغيب.

***

لا أعرف الحنين لأني في البلدة التي أحملها معي في مشاويري، وحملتني إلى عرش الليمون، وما زلنا ضفيرة على أكتاف الحصان.

***

هواء البلدة عسل ذائب في الأثير.

وماؤها رضاب حور العين.

وحجارتها أقمار هربت إلى الأرض المضيئة في السماء.

وشمسها رغيف الفجر الناعس.

وناسها من معدن القرنفل.

وطيورها نيازك مجنّحة.

ونارها شهقات المندلينا.

وأحلامها مواعيد الملائكة العاشقين.

وأشجارها بخور المجامر في ليل شهرزاد.

وثمارها قناديل الأندلس.

وزفّاتها بلّور يتفجّر برقاً ورعداً.

وسهراتها تجربة للفردوس.

وأعشابها ثوب الخلود المُمكن.

وأطفالها ماس الرمّان الضاحك.

وصباياها نوافير الشتاء الساخن.

وأغانيها جناح دوريّ يحزّ القلب سريعاً، ويمضي.

وحكاياها وشم مناقير الحَمام.

وتولّي وجهها صوب الشمال،

وأنا أحتسي حليب القمر ؛

بصحتك أيها الليمون .

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط