كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قلق إسرائيل من نووي سعودي بلا تطبيع

قلق إسرائيل من نووي سعودي بلا تطبيع

تاريخ النشر: 2026-07-23 | 05:14

جمال زحالقة
جمال زحالقة

وافق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، هذا الأسبوع على إبرام اتفاق نووي تاريخي مع المملكة العربية السعودية، ينص على إنشاء مشروع نووي مدني لأغراض سلمية، ويفتح الباب أمام إمكانية تخصيب اليورانيوم على أراضي المملكة. ويسري مفعول الاتفاق لمدة 30 عاما وتقدر قيمته بعشرات الملايين من الدولارات. وينص على إجراء تقييم مشترك سعودي ـ أمريكي على مدى عامين، حول جدوى تخصيب اليورانيوم محليا، مقابل استيراده من الخارج مخصّبا، وإذا خلص التقييم المشترك إلى أفضلية الخيار الأوّل، فسوف تقوم شركات أمريكية بإقامة منشأة تخصيب في السعودية على طريقة «الصندوق الأسود»، أي بسرية تامة للتفاصيل والتقنيات، لضمان إبقاء المشروع بأيدي أمريكية «أمينة»، بلا مشاركة أو معرفة سعودية بخباياه. ويأتي هذا الشرط المجحف خشية من أن «تتعلم» السعودية الطريقة وتقوم، في مرحلة ما لاحقة، بتخصيب اليورانيوم في مواقع أخرى خارج الصندوق الأمريكي.

جاء الاتفاق بعد أن فك الرئيس ترامب الارتباط بين الانخراط الأمريكي في المشروع النووي السعودي والتطبيع مع إسرائيل. ففي عهد الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، اشترطت الولايات المتحدة البرنامج النووي بتطبيع السعودية لعلاقاتها مع إسرائيل. ويأتي فك الارتباط الرسمي إقرارا من واشنطن بفشل مساعي التطبيع بين السعودية وإسرائيل، بعد جرائم الإبادة الجماعية، والتدمير الشامل في غزّة والإصرار الإسرائيلي على محو الدولة الفلسطينية من قاموس الدولة العبرية.

وفق القانون الأمريكي الخاص بمشاريع الطاقة النووية، يُطرح الاتفاق على الكونغرس، الذي له صلاحية إلغائه بأغلبية ثلثي الأصوات، وهذا مستبعد جدا، لأن غالبية الجمهوريين سوف يدعمون قرار الرئيس. ويعارض الكثير من أعضاء من مجلسي الشيوخ والنوّاب تخصيب اليورانيوم على الأراضي السعودية، وهناك تحفّظات في الولايات المتحدة (وبالتأكيد في إسرائيل) على نظام الرقابة على المشروع، إذ رفضت السعودية ما يسمى «المعيار الذهبي»، الذي التزمت به الإمارات سابقا، وينص على التزام مفتوح بعدم تخصيب اليورانيوم على أراضيها «إلى الأبد». كما لم تقبل السعودية بفرض رقابة مشددة من خلال البروتوكول الإضافي لوكالة الطاقة النووية الدولية، الذي يمنح الوكالة حرية التفتيش والرقابة في أي مكان وزمان في الدولة التي توافق عليه.

العودة إلى النووي

هناك الآن أكثر من 70 مفاعلا نوويا قيد الإنشاء في 15 دولة، كما تقوم بعض الدول بتفعيل المنشآت النووية المعطّلة، ويشهد الإنتاج العالمي للطاقة النووية في السنوات الأخيرة طفرة كبرى، حيث تجاوز مرحلة الركود الطويلة التي أعقبت الكوارث، فبعد انفجار مفاعل «تشيرنوبل» عام 1986 وكارثة مفاعل «فوكوشيما» في اليابان عام 2011، اللذين تسببا في موجة إغلاق للمحطات وتراجع حاد في الاستثمارات، عاد العالم ليتجه بقوة نحو إنشاء المفاعلات الذرية مدفوعاً بأزمات الطاقة والالتزامات المناخية وزيادة استهلاك الكهرباء، التي تضاعفت تبعا للتطوّرات التكنولوجية، التي تعتمد الطاقة الكهربائية، مثل الذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية.

تصل نسبة إنتاج الطاقة الكهربائية من خلال المنشآت النووية إلى 10% عالميا وتصل في فرنسا إلى نسبة 69% من مجمل إنتاج الكهرباء وفي سلوفاكيا إلى 66% وأوكرانيا 56%. ما يعني أنه بالإمكان مبدئيا الاعتماد على الطاقة النووية كمصدر أساسي للطاقة الكهربائية. وحتى اليابان، بدأت تتجاوز مأساة «فوكوشيما» وزادت من استعمالها للطاقة النووية، لتحتل المكان السادس دوليا في عام 2025. وهناك عدة عوامل تسرّع الاتجاه نحو زيادة إنتاج الطاقة النووية، منها تطوير آليات الأمان في مفاعلات الجيل الرابع لتفادي حوادث الانفجار والتسرّب، وإنتاج المفاعلات النووية النمطية الصغيرة، الأكثر أمانا والأقل كلفة والأسهل إنشاءً، وزيادة الحاجة في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي الضخمة لإمدادات طاقة كهرباء مستقرة ومستمرة بلا انقطاع. علاوة على ذلك أصبحت الطاقة النووية تصنّف كركيزة أساسية لتوليد طاقة نظيفة خالية من الكربون. كما أعادت الدول الأوروبية حساباتها بعد أزمات الطاقة واعتبرت تقليص الاعتماد على النووي «خطأً استراتيجيا».

استراتيجية سعودية

يندرج التركيز السعودي على الطاقة النووية السلمية ضمن «إعادة الاعتبار» العالمية لهذا المصدر من الطاقة، ويتماشى مع تراجع الهلع من كوارث نووية محتملة. ما تريده السعودية هو أن يكون باستطاعتها إنتاج مقدار كبير من الطاقة النووية لسد الاحتياجات المتزايدة، ما يوفّر الاستهلاك المحلي للنفط ويزيد من صادراته. والسعودية مثل بقية دول العالم تسعى إلى تنويع مصادر الطاقة وإلى الإسهام في الجهد الكوني لتقليص الانبعاث الكربوني والحفاظ على المناخ. لقد رفضت السعودية على الدوام ربط مشروعها النووي بالتطبيع مع إسرائيل واعتبرته قضية سيادية بامتياز. وفي مفاوضات الاتفاق مع الولايات المتحدة، رفضت السعودية الالتزام بما قد يكون مسا بسيادتها، مثل التعهّد «الأبدي» بعدم التخصيب على أراضيها، ورفضت كذلك منح مراقبين دوليين حرية التفتيش خارج المواقع المحددة لمنشآتها النووية. ويمكن القول، إن الاتفاق لم يأت كما أرادته السعودية، لكنّه جاء مخالفا للكثير من الشروط الأمريكية السابقة.

مصالح أمريكية

المصلحة الأمريكية كانت الدافع الأوحد والوحيد في اتخاذ قرار الذهاب لاتفاق نووي مع السعودية. ولم يتأثّر هذا القرار بموقف إسرائيل، التي ترفض «السماح» للسعودية بتخصيب اليورانيوم على أراضيها، أو على الأقل ربط هذا السماح بالتطبيع معها. لقد تخطّى ترامب التعطيل الإسرائيلي، وصدّق على الاتفاق انطلاقا من مصالح أمريكية وازنة: أولا، إعطاء دفعة قوية للصناعة النووية الأمريكية عبر توكيل شركات أمريكية، بإقامة المنشآت اللازمة، وإبراز قدراتها لإقناع دول أخرى بشراء قدراتها وخدماتها؛ ثانيا، تحسين العلاقة بالمملكة العربية السعودية، التي شهدت توتّرا بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وازدياد قلق السعودية من أن الولايات المتحدة لا تأخذ بعين الاعتبار مصالحها ومصالح بقية دول الخليج؛ ثالثا، منع المزيد من التقارب بين السعودية وكل من روسيا والصين، وقطع الطريق على تحوّلهما إلى شريكين أساسين في البرنامج النووي السعودي، كما في «التجربة المصرية» حيث تقيم مصر مشروعا نوويا سلميا ضخما يعتمد على مواد نووية ومشاركة روسية وبتكلفة 30 مليار دولار.

قلق إسرائيلي

وصف موقع صحيفة «يديعوت أحرونوت» الاتفاق بأنّه «صفعة في وجه إسرائيل تدل على أن البيت الأبيض لم يعد يأخذ بعين الاعتبار مصالحها وما يقلقها». وقالت مصادر إسرائيلية بأن الاتفاق مقلق لأنه يندرج ضمن توجه امريكي عام بإضعاف تأثير إسرائيل على القرار في البيت الأبيض، كما حدث بشأن صفقة طائرات إف 35 مع تركيا، وتجاهل مطالب إسرائيل بشأن موضوعي تقييد القدرات الصاروخية وإضعاف حلفاء إيران في المنطقة. تعارض إسرائيل تخصيب اليورانيوم على الأراضي السعودية، حتى لو كان سلميا وبرقابة أمريكية، خوفا من ان يؤدي ذلك إلى إنشاء مفاعلات نووية في مواقع أخرى بعيدا عن الأعين الأمريكية، وخشية أن يحدث تغيير سياسي في المملكة قد يؤدي إلى وقوع مرافق نووية بأيدي غير مضمونة. كما تخشى إسرائيل أن تسعى مصر والإمارات وتركيا إلى إقامة منشآت نووية «كما في السعودية».

شنّت المعارضة الإسرائيلية هجوما شديد اللهجة ضد نتنياهو واتهمته بالفشل المزدوج تجاه السعودية: فشل في تحقيق التطبيع وإخفاق في منع التخصيب. وقال أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب «إسرائيل بيتنا»: «علينا أن نعي أن البرنامج النووي السعودي سينتهي بسلاح نووي، وبسباق تسلّح جنوني في جميع أنحاء الشرق الأوسط. على إسرائيل أن توضح بحزم انها تعارض وعلى الحكومة ان تعمل بقوة في الكونغرس لإفشال هذا المسار». ولحق به الجنرال احتياط يائير غولان، رئيس حزب «الديمقراطيين»: «لقد استطاع نتنياهو أن يفعل ما لا يصدّق، أن يخسر التطبيع مع السعودية وأن يمكّنها من التحول إلى دولة نووية.. لقد خسرنا أحد محفّزات التطبيع، وإسرائيل لم تكن شريكة في هذه الخطوة.. حكومة نتنياهو أضعفت إسرائيل عسكريا وسياسيا وخسّرتها تأثيرها على المسارات والتطورات الإقليمية». لقد ساد إجماع في تل أبيب أن الاتفاق «سيّئ لإسرائيل»، وطرحت مقترحات لتعطيل الاتفاق عبر تفعيل اللوبي الصهيوني وأصدقاء إسرائيل في الكونغرس. في المقابل سارع البعض إلى عرض مشروع حماية المنشآت النووية السعودية المزمع إقامتها بالدفاعات الجوية الإسرائيلية.

في ظروف أخرى كان من المفروض الجزم بأن المشروع النووي السعودي سيبقى سلميا، لكن تمسّك إسرائيل بحيازة أسلحة نووية، وإمكانية أن يكون عند إيران أسلحة من هذا النوع، يُبقي الباب مفتوحا أمام دول أخرى في المنطقة، مثل مصر وتركيا والسعودية، لديها القدرة على أن تصبح نووية وقد تضطر إلى تطوير هذا السلاح، أن تفاقم سباق التسلح النووي في المنطقة. وكل من يخشى مثل هذا السباق الخطير عليه أن يسعى لشرق أوسط خال من الأسلحة النووية، بدءا بإسرائيل.

عن القدس العربي

×
أخبار
السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط