كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قمة الدوحة بين التضامن الخطابي وفشل التحويل إلى ردع فعّال: فرصة ضائعة لردع السياسة الإسرائيلية

قمة الدوحة بين التضامن الخطابي وفشل التحويل إلى ردع فعّال: فرصة ضائعة لردع السياسة الإسرائيلية

تاريخ النشر: 2025-09-16 | 07:28

شهدت الساحة الإقليمية تصعيدًا لافتًا عقب الضربة الجوية الإسرائيلية التي استهدفت قيادات من حركة حماس في العاصمة القطرية الدوحة، وهو حدث شكّل صدمة سياسية وأمنية لما يمثّله استهداف دولة وسيطة في جهود التفاوض. انعقدت على خلفية هذا الحدث قمة طارئة ضمّت قادة ودولاً من العالمين العربي والإسلامي، وصدرت عنها بيانات إدانة وتضامن قوية بحقّ قطر ورفض واسع للاستهداف، لكنّها أخفقت في إقرار إجراءات تنفيذية محدّدة وذات كلفة فعلية على إسرائيل. إن هذه القمة — ورغم أهميتها الرمزية — تبرز دراسة حالة لفرصة ضائعة: فرصة يمكن أن تُحوّل «الصدمة» الناتجة عن استهداف وسيط دبلوماسي إلى رادع يرفع كلفة السلوك الإسرائيلي ويعيد توازن القوى الدبلوماسي في المنطقة. تقف هذه الورقة عند تحليل هذه الفجوة بين النبرة والنتيجة، وتبيّن لماذا لم تكن الإدانة وحدها كافية لردع نمط العنف والاستيطان الإسرائيلي، وما هي الخيارات العملية التي كانت متاحة وكان يجب استغلالها فورًا.

سياق الحدث وأبعاده الاستراتيجية

الضربة الإسرائيلية في الدوحة لم تكن حادثًا محليًا منعزلًا بقدر ما كانت مؤشرًا على تغيير في قواعد الاشتباك الإقليمي: استهداف مقرّ وسيط تفاوضي عالميًا يختزل عبئًا دبلوماسيًا وعسكريًا وسياسيًا على المنطقة. هذا الفعل اعتُبر من قبل الدوحة وعدد من الدول المجتمعة «خرقًا لسيادة دولة» واعتداءً على آليات الوساطة، كما سخّرت وسائل الإعلام الدولية التحليل السياسي لهذا السلوك كدليل على اتساع دائرة العنف الإسرائيلية لتشمل عواصم إقليمية ليست بالضرورة مسرحًا مباشرًا للصراع مع إسرائيل. مثل هذه التصرفات لا تُقاس فقط بتكلفة الخسائر المادية أو البشرية، بل بتأثيرها على منظومة التعاملات الدولية: على قدرة الوسطاء على الاستمرار، على علاقات تطبيع كانت هشة أساسًا، وعلى صورة إسرائيل كممثل فاعل في النظام الإقليمي.

القمة: تضامن رسمي أم دفن لفرصة الردع؟

المخرجات الرسمية لقمة الدوحة اتّسمت بلغة إدانة حادّة وتضامن علني مع قطر، مع دعوات متفرّقة لإعادة النظر في العلاقات مع إسرائيل ولفت الأنظار إلى خطر التطبيع المستمر في ظلّ انتهاكات متزايدة. مع ذلك، سرعان ما بدا أن هذه اللغة لم تُترجَم إلى خطوات تنفيذية ملموسة؛ لم يعلن المجتمعون عن حزمة عقوبات اقتصادية منسقة، ولا عن خطوات دبلوماسية ملزمة (مثل سحب سفراء جماعي أو تعليق اتفاقيات تطبيع بصورة فورية) ، كما لم تتبلور بعد مسارات قانونية موحّدة لتجريم الاستهداف وملاحقته دوليًا.

النتيجة العملية كانت تكريساً لتقليد بيانات الإدانة التي لا تضيف إلى معادلات القوة الحقيقية شيئًا يُذكر. هذا الخلل بين الخطاب والآلية هو ما يجعل القمة مثالاً صارخًا على تضييع فرصة ردع حقيقية.

لماذا كانت الضربة على قطر فرصة استراتيجية لردع إسرائيل؟

أولًا، استهداف وسيط تفاوضي يضع إسرائيل أمام معضلة استراتيجية: إما أن تحافظ على مسارين متوازيين — ممارسة الضغوط العسكرية وسياسة العقاب ضد خصومها، مع الحفاظ على علاقات سياسية واقتصادية مع الدول العربية — أو أنها تدفع إلى حساب دبلوماسي أعلى ثمناً إذا بقيت سياسة الاستهداف بلا تبعات. في اللحظة التي ضربت فيها إسرائيل الدوحة، توفّر للمجتمعين في القمة «قيمة تفاوضية» نادرة: تماهي المصاب بين دولة ذات ثقل إقليمي (قطر) ومجموعة دولية من الدول العربية والإسلامية يمكن أن يجبر على إعادة رسم خطوط الموقف تجاه إسرائيل بسرعة، عبر خطوات رمزية ومادية ذات أثر اقتصادي ودبلوماسي.
لقد كانت فرصة لتحويل الغضب إلى رادع من خلال خطوات متسقة ومتصاعدة تجعل الاستهداف المتكرر أكثر كلفة من المكسب المفترض.

ثانيًا، السياسة الإسرائيلية تقوم على حسابات لتكلفة الفعل وما إذا كانت الكلفة ستُردعها. حينما يرى صانع القرار الإسرائيلي أن ردود الفعل سيقتصر معظمها على بيانات استنكار، فإن الرسالة العملية تكون: «الاستهدافات واردة ومقبولة سياسياً»، وبالتالي تستمر في اعتماد أساليب الضغط والهجوم كأدوات لبلوغ أهدافها الاستراتيجية. أما لو تبنّت دول القمة إجراءات اقتصادية ودبلوماسية منظمة — حتى لو كانت محدودة وقابلة للتصعيد المرحلي — فإن هذا من شأنه أن يغيّر طريقة الحساب لدى تل أبيب ويجعلها تعيد تقييم خياراتها.

لماذا فشلت القمة في تحويل الفرصة إلى رادع عملي؟

السبب الأول يعود إلى تباين المصالح والتحفظات بين الدول المشاركة. دولٌ كثيرة تربطها بإسرائيل علاقات أمنية أو اقتصادية أو سياسية حسّاسة، وبعضها معني بالحفاظ على دعم دول عظمى أو مصالح داخلية لا تسمح بردود فعل تصعيدية قد تقود إلى خسائر مباشرة.

هذا التباين يؤدي إلى أخذ الموقف إلى أدنى مشتركات ممكنة: بيانات إدانة وتصريحات تضامن لا تتجاوز المستوى الرمزي.

السبب الثاني يتعلق بموضعية الدور الأمريكي والدولي: دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، وعدم وضوح موقف فاعل عالمي يفرض كلفة فعلية على إسرائيل، يقلّص قدرة الدول الإقليمية على ممارسة ضغوط منسَّقة بخلاف التصريحات. كما أن مخاوف من ردود فعل أمنية أو اقتصادية من حلفاء لإسرائيل تجعل ثمّة حسابات موازٍ تحول دون تبنّي إجراءات حسّاسة كالقيود على التجارة أو تفعيل آليات قانونية دولية.

ثالثًا، ضعف الآليات المؤسسية المشتركة لدى الأقطاب العربية والإسلامية في تنفيذ قرارات موحّدة سريعة يُبرز قصورًا تنظيمياً: حتى في حال الاتفاق السياسي، لا تتوافر لدى كثير من الدول آليات فورية لتجميد اتفاقيات أو فرض عقوبات مشتركة، وهو ما يحوّل «النية السياسية» إلى قرارات بلا أثر فوري.
ذلك يعني أن القمة لم تُعدّ قائمة مراحل واضحة للتصعيد التدريجي الذي يمكن أن يضغط على إسرائيل فعليًا.

الآثار المتوقعة لإصرار القمة على الإدانة دون أدوات رادعة

المحصلة العملية هي تعزيز منطق الإفلات من العقاب. عندما لا تتبع الإدانة بآليات واقع، تتولد حوافز للاستمرار في السلوك العدواني: إسرائيل قد تعتبر أن ثمن الهجمات على خصومها أو حتى على وسطاء تفاوضيّين أقل من قيمة القيود التي قد تواجهها، وبذلك يستمر التمدد العسكري والاستيطاني دون رادع حقيقي.
كما أن ثقة الشعوب العربية والإسلامية في فاعلية قادتهم ودبلوماسيتهم تتضرر عندما تُترجم القمم إلى بيانات فقط، ما قد يؤدي إلى تصاعد ضغوط شعبية تُحتم اتخاذ خطوات أكثر جذرية في المستقبل، أو خلاف ذلك تزيد من حالة الإحباط السياسي.

انتقاد استراتيجي للخيارات المفقودة: ماذا كان ينبغي أن تفعل القمة فورًا؟

من منظور عملي واستراتيجي، كان بوسع القمة اعتماد آلية تصاعدية واضحة: الإعلان الفوري عن سلسلة إجراءات مرحلية وموثّقة تُطبّق إذا تكرّرت الاستهدافات؛ بدءًا من إجراءات دبلوماسية (استدعاء سفراء، تجميد علاقات رسمية جزئية)، مرورًا بإجراءات اقتصادية محدودة (حظر إجراءات تجارية مع شركات تعمل في المستوطنات أو تجميد مشاريع اقتصادية محددة أو منع الشركات التي تتعامل مع إسرائيل من القيام بأي عمل تجاري في الوقت الحالي )، وانتهاء بتحرّك قانوني مشترك يدعم إحالة العدوان على قطر الى المحكمة الجنائية الدولية الذي يدخل في اختصاصها وفقا لنظام روما الأساسي التحقيق في هذه الجريمة وادانة مرتكبيها بدءًا من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومرورا برئيس اركان جيش الاحتلال الإسرائيلي ووصولا إلى كافة القادة العسكريين والأمنيين الذي اتخذوا قرار العدوان.

مثل هذه المسارات لا تعني البدء بحرب، لكنها تعني زيادة التكلفة السياسية والاقتصادية على إسرائيل بما يدفع صانعي القرار لإعادة تقييم جدوى استمرار السياسة الحالية. فشل القمة في وضع جدول زمني ومراتب واضحة للردع هو ما حوّل الفرصة إلى مجرد بيان إدانة.

خاتمة: من التضامن الخطابي إلى الفعل الرادع

قمة الدوحة برهنت على قدرة الزخم الرمزي في لحظات الأزمات؛ إذ نجحت في إظهار تضامن عربي-إسلامي غير مسبوق ضدّ استهداف وسيط تفاوضي. لكنّ هذا التضامن ظلّ خطابًا بلا أذرع تنفيذية. وفي عالم تُحسَم فيه صراعات القوة بالموازين الملموسة، لا يكفي للردع أن يقتصر على النبرة الأخلاقية والسياسية وحدها. لمعالجة انهيار ميكانيزمات الردع، يلزم تحويل العتاب السياسي إلى حزمة أدوات متفق عليها ذات مراحل زمنية واضحة، قادرة على زيادة تكلفة الاعتداءات الإسرائيلية بدرجات متصاعدة ومعلنة.
إن إبقاء الخيار على مستوى الإدانة فقط لا يخدم الأمن الإقليمي ولا يردع نمطًا من العنف الذي بات يتجاوز حدود الصراع التقليدي. إن السؤال الاستراتيجي الذي تفرضه التجربة الأخيرة هو ما إذا كانت الدوحة والفاعلون الإقليميون مستعدّون لتحويل هذا الغضب إلى سياسات عملية قابلة للتنفيذ، أم سيبقى التضامن الرمزي مليئًا بالبلاغة بلا أثر.

×
أخبار
أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط