كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قمة العرب على بوابات القدس

قمة العرب على بوابات القدس

تاريخ النشر: 2017-03-30 | 12:39

يكاد يسمع الزعماء العرب والمجتمعون معهم في القمة العربية، ومرافقوهم وضيوفهم في منطقة البحر الميت بالأردن، أصوات الأذان من مكبرات الصوت في المسجد الأقصى، وأجراس كنيسة القيامة بالقدس، ولعلهم يرون تلال مدينة القدس ورباها، ومآذن الأقصى وقبابه، ويقفون بالقرب من مجموعةٍ من أقدم الأماكن المسيحية المقدسة في العالم، فهم يجتمعون على بعد أميالٍ قليلةٍ من مدينة القدس المحتلة، التي لا يبعدون عنها سوى بضعة وعشرين كيلو متراً، ولكنهم لا يستطيعون الوصول إليها.

إنهم على شواطئ البحر الميت الساحرة الأخاذة، في أرضٍ هي الأكثر انخفاضاً في العالم، والتي تطل على بحرٍ عجيبٍ غريبٍ، مالحةٌ مياهه وزاخرةٌ خيراته، وكثيرةٌ أسراره التي ما زال يحتفظ بها، وبذكريات المقاومين وقصص العابرين، ومحاولات نقل السلاح خوض المعارك، وتقع شواطئه الغربية في فلسطين المحتلة، وقد أصبح بشاطئيه واحداً من أكثر الأماكن السياحية في العالم، وهو البحر الذي يفصل بين بلدين ويقسم شعبين، محرومين من خيراته، وممنوعين من الاستمتاع بجماله، بينما يحلم محتل شطره الغربي أن يستوطن في الشرق والغرب معاً، وأن تكون أرض كيانه الكبير هي أرض ممالكه القديمة وأحلامه الجديدة.

فهل أن وجود القادة العرب بالقرب من فلسطين وقدسها، سيجعل منها قمةً هامةً جادةً، وسيدفعها للبحث المسؤول في قضية العرب الأولى ومصيبتهم الكبرى، وسيجعلهم أكثر جديةً وإخلاصاً في حواراتهم ومناقشاتهم، أم أنهم اقتربوا ليقولوا كلاماً آخر، ويسفروا عن سياساتٍ جديدةٍ، ويهمسوا للعدو في أذنه ما يحب ويتمنى أن يسمعه منهم مجتمعين، إذ يبدو أنهم قد ملوا وتعبوا، وأنهم سئموا المقاومة وتعبوا من المواجهة، وقد شعر العدو بحالهم البئيس، ورغبتهم المسكونة في قلوبهم والحبيسة في صدورهم، أنهم يريدون مصالحته، والجلوس معه على طاولة المفاوضات، والتسليم له بما يريد، والتطبيع معه بما يحب.

هل سيغير الزعماء العرب من واقع الأمة البئيس، وينزعون فتيل الانفجار اللعين، ويوقفون نزيف الدم من الشرايين، ويضعون أيديهم على جراح الأمة البليغة، ويؤمنون الأمة على حاضرها ومستقبلها، ويحفظونها وأجيالها، أم أنهم يجتمعون في أكثر بقعةٍ انخفاضاً في العالم، فلا نتوقع منها علواً في القرارات، وسمواً في السياسات، ووعياً في التوجهات، وإنما المزيد من الانخفاض والانحطاط، والارتكاس والانحدار، والتيه والتردد والضياع، ذلك أنهم يلتقون في رحاب بحرٍ ميتٍ، لا حياة للمخلوقات فيه، فلا حيوان يسكنه ولا نبات يعمره، فهل سيحيون فيه ضمائرهم الميتة، ويبعثون الحياة في هممهم المتبلدة، ويحركون أوصالهم المتكلسة، وتنطلق ألسنتهم البكماء، وتتفتح عيونهم العمياء، ويصغون بآذانهم الصماء، أم أن الموت سيكون مصيرهم، والفناء قدرهم، ولن يتمكنوا من تغيير شئٍ حولهم أو بينهم، إذ لا يستطيعون ذلك، أو غير مسموحٍ لهم بذلك.

الشعوب العربية لا تريد من القمة في اجتماعها حل القضية الفلسطينية التي عجزت عن حلها لعقودٍ طويلةٍ خلت، وقد كنا أحسن حالاً وأفضل وضعاً وأكثر تحرراً وأكثر استقراراً وأمناً، ولكنها لم تقدم شيئاً، بل كانت السبب أحياناً في تيه الشعب وتمزق القضية، ولأننا في واقعٍ بئيسٍ مزري، فنحن لا نطالب القمة بحلولٍ تعجز عنها ولا تستطيع القيام بها، ولا تطالبها الشعوب العربية بدعم المقاومة والوقوف إلى جانبها ومساندتها، فهي أضعف من أن تقوم بهذا الدور، وأجبن من أن تساهم في صفوف المقاومة وفي الإعداد لها، ولكن لا أقل من أن تسكت عن المقاومة، وأن تتوقف عن وضع العقبات في طريقها، وفرض الأحكام عليها، وإطلاق أوصافٍ باطلةٍ عليها هي منها براء، تمهيداً لتسليمها للذبح، أو تقديمها قرباناً للنجاة.

لكن القمة العربية قادرة إذا أرادت وكانت صادقةً على اتخاذ قراراتٍ برفع الحصار عن الشعب الفلسطيني، والتخفيف من معاناته اليومية التي يتجرعها من العدو تارةً ومن الأخوة والأشقاء تاراتٍ أخرى كثيرة، ولعلها تستطيع أن تلعب دوراً في الحفاظ على هوية القدس ودعم المقدسيين العرب، وتمكينهم في أرضهم وتثبيتهم في بيوتهم، وتحصين ممتلكاتهم وحقوقهم المعرضة للضياع والمصادرة، أو للتهويد والمصادرة، وقادرة على الضغط على العدو الصهيوني والمجتمع الدولي للإفراج عن الأسرى والمعتقلين، أو التخفيف عنهم في سجونهم، وعدم استخدامهم رهائن في يديه، يعذبهم ويهينهم، ويستخدمهم بحقارةٍ ودونيةٍ ورقةً للضغط على المقاومة.

ولعل القادة العرب يستطيعون جلب أطراف الانقسام الفلسطيني وفرض المصالحة عليهم، وإلزامهم بالوحدة واللقاء، والتفاهم والتنسيق، رحمةً بشعبهم، ورأفةً بأهلهم، وحرصاً على وطنهم، وغيرةً على تضحياتهم، وصوناً لقيمهم ومقدساتهم، وأن تكون القمة حاسمةً في وساطتها، وجادةً في مسعاها، وأن تتجرد من الانحياز والحسابات الفئوية والخاصة الضيقة، التي تضر بالقضية الفلسطينية ولا تنفع شعبها، وألا تكون بعضها طرفاً في الخصومة وسبباً في الانقسام.

ولعلهم يستطيعون إنهاء حالة الخوف والحرب، ووقف مسلسل الدمار والخراب الذي يجتاح بلادنا العربية، فيعملون على إيقاف شلال الدم المتدفق من ليبيا غرباً حتى العراق شرقاً، ومن سوريا شمالاً حتى اليمن والسودان جنوباً، وعلهم يستطيعون الحفاظ على الإنسان العربي، الذي هو الثروة القومية العربية الأصيلة، فيحولون دون فراره، ويعملون على عدم لجوئه، ويشجعونه على البقاء في الأرض والإقامة في الوطن بالحفاظ على كرامته، وتحقيق رغبته، وتأمين حقوقه وضمان مستقبله وأولاده.

الإسرائيليون فرحون بهذا اللقاء، ومستبشرون به، وغير خافين منه، ولا يتوقعون منه شراً يستهدفهم، أو عدواناً يشن عليهم، أو تغييراً في موازين القوى أو في السياسات يقلقهم، بل إنهم مطمئنون إليه وإلى المجتمعين فيه، فهم قريبون منه قلبياً، ويتفقون معه حول مصالحهم، ويتوددون إليه سراً وعلانيةً، ويستشيرونه في السراء والضراء، ويصغون إليه السمع في المصائب والملمات، ويعتقدون أنه يسديهم النصح، ويصدقهم القول، وهو قريبٌ منهم جغرافياً، وتحت سمعهم وبصرهم، يرقبونه ويراقبونه، ويستمعون إليه ويتابعونه، فهو ينعقد بالقرب من مكتبي رئيس الكيان ورئيس حكومته، وغير بعيدٍ من وزارة حرب العدو ومقرات مخابراته وقيادة أركانه وأجهزته المركزية وغيرها من مراكز القرار التي تنتظر القرارات، وتتهيأ للتوافق معها.

ليس أسوأ على الأمة العربية في تاريخها الحديث من هذه السنوات العجاف، العشر الثانية من القرن الحادي والعشرين، قرن وحدة أوروبا واستقرار الدول وتطور الشعوب، وانتهاء الحروب الباردة وشيوع ثقافة السلام بين الدول المتحضرة، إلا أنه بالنسبة لنا نحن العرب فإنه عقد القلاقل والاضطرابات، والحروب والمعارك والويلات، والفتن والمحن والابتلاءات، والدماء والمجازر والأشلاء، والضياع والخراب والهروب واللجوء، والموت السريع والقتل بالجملة والذبح بطرقٍ همجيةٍ، ولعل هذا العقد الموغل في الدم، والغارق في الهم، والعاجز عن الحل، هو الأسوأ في تاريخ الأمة العربية، ولم يسبق لها أن عاشت مثله في ظل سني الاستعمار القاسية، وسنوات القهر المذلة، حيث كانت شعوبنا في حينها صوتاً واحداً وإرادةً حرة، تتطلع نحو الاستقلال والحرية، ولكنها تحنو على بعضها، وتشفق على أبنائها، وتتعاون فيما بينها، وتحرم على نفسها دماءها وأموالها على بعضها.

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط