كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قوانين الفيزياء السياسية ما بين فرساي وصفقة القرن

قوانين الفيزياء السياسية ما بين فرساي وصفقة القرن

تاريخ النشر: 2018-03-13 | 08:39

يروى التاريخ كيف زرع الحلفاء بذور التطرف فى ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، وذلك بفرضهم لمعاهدة فرساى عليها؛ والتى كانت بمثابة معاهدة إذلال واستسلام للإمبراطورية الألمانية فى حينه وللشعب الألمانى؛ بما فرضته من إملاءات على ألمانيا تتعدى حدود نزع مساحات شاسعة من أرضها؛ إلى التدخل السافر فى نظام حكمها السياسى والاقتصادى؛ وذلك نحو إبقاء ألمانيا دولة ضعيفة مثقلة بالديون لدول الحلفاء وبلا سيادة فعلية؛ كل هذه الإجراءات وفرت البيئة الصحية والملائمة لنمو الحركة النازية وترعرعها؛ لتثمر بعد عشرين عام من تلك الاتفاقية حمم تطرفها على أوروبا والعالم، وهنا نحن أمام نموذج مثالى على كيف ينمو التطرف تلقائيا متى توفرت له البيئة بغض النظر عن الزمان والمكان؛ والبيئة هى الظلم والقمع والاضطهاد بأبسط المصطلحات البشرية؛ أما فى السياسة فهى الإهانة الوطنية أو القومية أو العقائدية لأمة ما.

ولقد مَثَل فرض معاهدة فرساى على ألمانيا إهانة وطنية وقومية للأمة الألمانية؛ دفع الحلفاء وأوروبا والعالم بأسره أثمانا باهظة لها؛ لأن قادة الحلفاء المنتصرين فى الحرب العالمية الأولى لم يستوعبوا قوانين الفيزياء السياسية للأمم؛ والتى يُولد بموجبها وبشكل تلقائى لكل فعل مهين ردة فعل مضادة له فى الاتجاه؛ وعادةً أكثر قوة وتطرفا منه فى المقدار .
واليوم الإدارة الأمريكية تريد فرض معاهدة فرساى جديدة على العرب؛ والفلسطينيين بشكل خاص تحت عنوان صفقة القرن؛ وهى فى الحقيقة تعيد خطأً تاريخياً قاتلاً؛ ارتكب قبل قرن من الزمن، ولن تجدى أى تحالفات ضد الإرهاب والتطرف فى منع تكرار المشهد الأوروبى بصورة أكثر كارثية فى الشرق الأوسط، فالتحالف الاسلامى لمحاربة الإرهاب والتطرف المتوقع كردة فعل على فرض الصفقة، والذى استبق به الرئيس ترامب إرهاصات صفقته قبل عام؛ لن يكون بمقدوره كبح جماح التطرف الذى سوف يحدثه فرض صفقته على العرب والفلسطينيين خاصة؛ لأن القضية الفلسطينية ليس قضية وطنية للفلسطينيين فحسب؛ بقدر ما هى بالأساس قضية تمس العصب الحساس للشعور القومى والعقائدى لأمتين يزيد تعدادهما عن المليار ونصف؛ حتى وإن ادعى البعض زوراً أنها قضية الفلسطينيين وحدهم.

وبذلك فإن إدارة الرئيس ترامب تُسمد الأرض بصفقتها؛ لتنمو بذور التطرف والإرهاب؛ ليس فى الشرق الأوسط فحسب؛ بل فى كل العالم ضمن نفس قوانين الفيزياء السياسية التى أنتجت الحركة النازية؛ وستنتج حركات متطرفة دينية وقومية ووطنية؛ وستجد تلك الحركات الدعم والتأييد من الشعوب المهانة فى وطنيتها وقوميتها وعقيدتها بصفقة القرن؛ وستعرف طريقها إلى السلطة بالانتخابات أو الثورات أو حتى الانقلابات؛ وسيتكرر المشهد الدموى بمزيد من أنهار الدماء وبأبشع مما كان .
وإذا لم يتدارك العالم وأوروبا بشكل خاص حجم العواقب الكارثية التى ستترتب على فرض صفقة القرن على الفلسطينيين بإرهاصاتها المعلنة؛ والتى بدأت باعتراف الولايات المتحدة بالقدس مدينة التعدد الدينى والثقافى عبر التاريخ كعاصمة لدولة إسرائيل؛ والتى هى فى الحقيقة تمثل دولة قومية دينية موغلة فى الثيوقراطية السياسية والثقافية؛ وهو ما يعنى تجريف لتاريخ المدينة والمنطقة برمتها؛ ونسف لحقائق ثقافية وعقائدية راسخة فى وجدان أمة بأسرها؛ لصالح رواية تاريخية يهودية مزعومة لا سند لها فى الواقع، وباعتراف كبار خبراء الآثار الإسرائيليين اليهود أنفسهم.

وتقع على أوروبا اليوم مسؤولية تاريخية فى هذا الصدد، نظرا لتجربتها الماثلة؛ ولروابطها التاريخية والجغرافية مع المنطقة، والتى لن تجعلها فى منأى عن الكارثة؛ ولمسؤوليتها التاريخية عن هذا الصراع؛ بحكم أنها كانت مهد الصهيونية الدافئ؛ والمشكل اليهودى التاريخى بدأ من داخلها؛ وصدر إلينا منها وعد بلفور ودعم أوروبى سياسى وعسكرى واقتصادى متواصل وسخى للدولة الإسرائيلية منذ نشأتها وحتى يومنا هذا، وهو ما يفرض على أوروبا مسؤولية أخلاقية تجاه الفلسطينيين؛ كونهم ضحايا السياسة الأوروبية الاستعمارية خلال القرن الماضى.

إن صفقة القرن هى معاهدة فرساى جديدة بعد قرن من الزمن؛ لكنها تتفوق عليها بأبعاد الإهانة المتشعبة لكل ما هو وطنى وقومى وعقائدى ليس للفلسطينيين فحسب بل لأمة بأسرها؛ وعلى العالم أن يستعيد قول السيناتور الأمريكى فيلاندرز نوكس للرئيس الأمريكى فى حينه توماس ويلسون الذى كان قد وقع على معاهدة فرساى لتوه ليعرضها على الكونجرس الذى رفض المصادقة عليها؛ حيث قال له السيناتور " إن هذه المعاهدة لن توفر السلام أو الأمن بل ستفتح الطريق لحرب أفظع من تلك التى انتهت للتو" ، وبعد عشرين عام تحققت نبوءة السيناتور باندلاع الحرب العالمية الثانية.

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين!

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط