كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قوة الشيكل الإسرائيلي رغم الحرب الدائرة: بين الحقيقة والوهم ...

قوة الشيكل الإسرائيلي رغم الحرب الدائرة: بين الحقيقة والوهم ...

تاريخ النشر: 2026-05-31 | 12:30

في المنطق الاقتصادي التقليدي، يفترض أن تؤدي الحروب الطويلة، وعدم الاستقرار الأمني والسياسي، وارتفاع الإنفاق العسكري، إلى إضعاف الاقتصاد الوطني وتراجع قيمة العملة المحلية. فالحرب تستنزف الموارد، وتضعف الإنتاج، وتزيد من العجز والدين، وتؤدي إلى هروب الاستثمارات ورؤوس الأموال.

لكن الحالة الإسرائيلية تبدو، ظاهريًا على الأقل، وكأنها تسير بعكس هذا المنطق، حيث يواصل الشيكل الإسرائيلي ارتفاعه أمام الدولار واليورو والدينار الأردني، رغم الحرب المفتوحة التي تخوضها إسرائيل منذ سنوات، وما رافقها من قتل ودمار واستنزاف اقتصادي وعسكري وسياسي غير مسبوق.

هذه المفارقة تثير تساؤلات مشروعة:

هل يعكس ارتفاع الشيكل قوة حقيقية في الاقتصاد الإسرائيلي؟

أم أن الأمر مجرد ظاهرة مالية مؤقتة، تخفي وراءها هشاشة اقتصادية عميقة قد تنفجر لاحقًا؟

الحقيقة أن قوة العملة لا تعني دائمًا قوة الاقتصاد الحقيقي. فالأسواق المالية المعاصرة لا تتحرك فقط وفق مؤشرات الإنتاج والتنمية والاستقرار، بل تتأثر بعوامل معقدة تشمل السياسات النقدية العالمية، وحركة رؤوس الأموال، وأسعار الفائدة، والمضاربات المالية، والدعم السياسي الدولي.

وفي الحالة الإسرائيلية، يمكن تفسير قوة الشيكل بعدة عوامل متداخلة.

أول هذه العوامل يتمثل في تراجع الدولار عالميًا خلال الفترات الأخيرة، نتيجة التوقعات بخفض أسعار الفائدة الأمريكية، ما أدى إلى تحسن نسبي في عدد من العملات، ومنها الشيكل الإسرائيلي. وبالتالي، فإن جزءًا من ارتفاع الشيكل لا يعود بالضرورة إلى قوة الاقتصاد الإسرائيلي، بل إلى ضعف نسبي في العملة الأمريكية نفسها.

العامل الثاني يتعلق باستمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية، خاصة في قطاع التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والصناعات العسكرية، وهي قطاعات ما تزال إسرائيل تمتلك فيها حضورًا عالميًا مؤثرًا. فهذه القطاعات تستقطب مليارات الدولارات من الاستثمارات الغربية، الأمر الذي يخلق طلبًا مستمرًا على الشيكل.

أما العامل الثالث، فيكمن في السياسات النقدية لبنك إسرائيل، الذي حافظ لفترة طويلة على أسعار فائدة مرتفعة نسبيًا لمواجهة التضخم، ما جذب المستثمرين الباحثين عن عوائد مالية مرتفعة، وساهم في تعزيز الطلب على العملة الإسرائيلية.

إلى جانب ذلك، لعبت عمليات التحوط المالي والمضاربات دورًا مهمًا في دعم الشيكل، حيث قامت مؤسسات مالية إسرائيلية ودولية بعمليات واسعة لحماية استثماراتها وأصولها، ما ضخ مليارات الدولارات في السوق المالية الإسرائيلية بصورة ساهمت في رفع قيمة العملة.

ولا يمكن تجاهل العامل السياسي والاستراتيجي، فإسرائيل ليست دولة عادية في الحسابات الغربية، بل تحظى بدعم أمريكي وغربي واسع سياسيًا وماليًا وعسكريًا. وهذا الدعم يمنح الأسواق المالية شعورًا بأن الاقتصاد الإسرائيلي لن يُترك للانهيار مهما بلغت كلفة الحرب، وهو ما يعزز ثقة المستثمرين مؤقتًا على الأقل.

غير أن هذه الصورة لا تعكس بالضرورة حقيقة الوضع الاقتصادي الإسرائيلي الداخلي.

فالاقتصاد الإسرائيلي يواجه بالفعل أزمات متراكمة وخطيرة، تتمثل في ارتفاع الدين العام، واتساع العجز المالي، وتراجع السياحة، وتضرر قطاعات الإنتاج، وهروب بعض الاستثمارات والشركات، إضافة إلى الارتفاع الهائل في النفقات العسكرية، واستنزاف سوق العمل نتيجة التعبئة العسكرية الطويلة.

بل إن العديد من الخبراء الاقتصاديين الإسرائيليين أنفسهم بدأوا يحذرون من أن قوة الشيكل الحالية قد تكون “قوة مصطنعة” لا تعكس الواقع الحقيقي للاقتصاد، بل تعكس حالة مالية مؤقتة مرتبطة بحركة الأسواق والتدخلات النقدية والدعم الخارجي.

والمفارقة الأهم أن ارتفاع الشيكل نفسه تحول إلى عبء على الاقتصاد الإسرائيلي، لأنه يضعف القدرة التنافسية للصادرات الإسرائيلية، ويقلل أرباح الشركات الصناعية والتكنولوجية، ويهدد آلاف الوظائف، وهو ما دفع بعض المؤسسات الصناعية الإسرائيلية إلى التحذير من تداعيات خطيرة مستقبلًا.

إن الاقتصاد، في نهاية المطاف، لا يستطيع الهروب طويلًا من الحقائق السياسية والعسكرية والاجتماعية. فالحروب قد تُؤجل الانفجار الاقتصادي أحيانًا، لكنها لا تلغيه. والأسواق المالية قد تمنح انطباعًا مؤقتًا بالقوة، لكنها لا تستطيع إخفاء التصدعات العميقة إلى الأبد.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا ارتفع الشيكل اليوم، بل إلى متى يستطيع الصمود إذا استمرت الحرب، واتسعت العزلة السياسية، وتصاعدت كلفة الاحتلال والعدوان والاستنزاف؟

إن ما يبدو اليوم قوة مالية، قد يتحول غدًا إلى أزمة بنيوية كبرى، لأن الاقتصاد الذي يقوم على الحرب الدائمة، والدعم الخارجي غير المحدود، والتفوق العسكري، يبقى اقتصادًا هشًا أمام التحولات الكبرى في السياسة والمجتمع والتاريخ.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأعمق أن قيمة العملات لا تُقاس فقط بأسعار الصرف في الأسواق، بل بقدرة الاقتصاد على تحقيق الاستقرار والتنمية والعدالة والسلام. وهذه عناصر ما تزال غائبة عن المشهد الإسرائيلي رغم كل مظاهر القوة الظاهرة.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط