كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قيامة الموتى في مستعمرة مَتْسليح

قيامة الموتى في مستعمرة مَتْسليح

تاريخ النشر: 2018-07-06 | 14:25

في ما يلي ترجمة عربية لهذه القصّة، التي رواها كمال بن يوسف بن حبيب صدقة الصباحي (تميم بن يوسف بن حبيب صدقة الصفري، ١٩٢٥- ، وُلد في نابلس، مات أبوه وهو ابن عشر سنوات، انتقل للعيش إلى يافا فحولون، زوجته ابنة حُسني (يفت) إبراهيم صدقة الصباحي، نسخ الكثير من المؤلفات كالتوراة والصلوات ويتابع ذلك ولداه نفتالي ودورون ويعمل نفتالي على نقل كتاب الطباخ إلى العبرية بالاشتراك مع قريبه صالح ممدوح صدقة النابلسي، تعلّم العبرية من خلال اختلاطه باليهود. أشكر صديقي الكاهن عزيز بن عزّي على موافاتي بهذه المعلومات عن كمال؛ رسالة إلكترونية في ١٠ حزيران ٢٠١٧) بالعبرية على مسامع الأمين (بنياميم) صدقة، الذي نقّحها، اعتنى بأسلوبها ونشرها في الدورية السامرية أ. ب.- أخبار السامرة، عدد ١٢٣٦-١٢٣٧، ١ أيّار ٢٠١٧، ص. ٧٠-٧٤. هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها ــ إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني. 

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، توزّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين في الدراسات السامرية، في شتّى أرجاء العالم. هذه الدورية ما زالت حيّة تُرزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة المحرّرين، الشقيقَين، الأمين وحسني (بنياميم ويفت، نجْلي المرحوم راضي (رتسون) صدقة (٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

”من هُمُ القرّاؤون؟

في كلّ مرّة يسمع شخص ما أنّني سامري يسألني ثلاثة أسئلة بهذا الترتيب: 
١) من همُ السامريون؟ 
٢) ما عددكم؟ 
٣) ما علاقتكم بالقرّائين؟ 

أنا أيضًا كنت سأطرح السؤالين الأولّين عند لقائي بشركسي أو يهودي أو درزي أو مسلم علوي أو مسلم سنّي أو شيعي. لكنّني لا عِلم لي البتّة لماذا يُقرنوننا بالقرّائين. ما صلتنا بهم؟ أعرف بعض القرّائين ومنهم من ضِمن أصدقائي المقرّبين، ولكن في الواقع لا صلةَ بيننا وبينهم سوى أنّهم شباب لطفاء مثلنا. 

ذات مرّة، سألت خبيرًا في هذا الموضوع لأعرف جيدًا، في آخر المطاف، الإجابة عن هذا السؤال المتكرّر بلا نهاية. قال إنّ كلّ موضوع القرّائين شأن يهودي داخلي. في منتصف القرن الثامن للميلاد، قبل قرابة ١٣٠٠ سنة حصل انشقاق في اليهودية في بابل. بعض اليهود هناك رفضوا فكرة إعطاء توراتين في جبل سيناء، الواحدة مكتوبة والثانية شفوية، وقالوا إنّ توراة واحدة مكتوبة فقط قد أُعطيت على جبل سيناء. 

أعليهم أن يقصّوا علينا ذلك؟ هذا هو الإيمان الإسرائيلي الأساسي الذي نؤمن به كلُّنا، نحن السامريين. في حين أنّ القرّائين يؤمنون بكلّ أسفار العهد القديم، ولكن لا بما دُوّن بعد ذلك [أي المشناه والتلمود]. وهم دعوا أنفسهم ”بنو المقرا/العهد القديم“ لنعلم أنّهم متمسّكون به فقط وهكذا أُطلق عليهم الاسم ”قرّاؤون“. اليهود الآخرون الذين تمسّكوا بالتوراة الشفوية أيضًا واعتمدوا على ما قرّر لهم حاخاماتهم سمّوا باختصار ”ربانيّون“، ومنذ ذلك العهد وفي اليهودية ربانيّون وقرّاؤون. كما وقصّ عليّ ذلك الخبير أيضًا أنّ الأشخاص الذين سمعوا شيئًا ما عن القرّائين يقومون عادة بربطهم بالسامريين لأنّ تمسّكهم بالتوراة المكتوبة يُملي عليهم بعض العادات الشبيهة بما لدى السامريين. لذلك، بخصوص السؤال الثالث الذي يُطرح عليّ دائما: ما العلاقة بينكم وبين القرّائين؟ أعلم الآن أنّه لا علاقة مباشرة بين الفريقين، ولكن هنالك بعض العادات المتشابهة الناتجة عن تقديس الفريقين للتوراة المكتوبة فقط. مع ذلك، يجب ألّا ننسى بأنّ القرّائين كباقي اليهود، يؤمنون بالقدس، وهذه الحقيقة وحدها كافية للتفريق بيننا. 

المقاوِ ل القرّائي اختفى

ماذا، أتظنّ أنّي جئتُ لأُلقي عليك محاضرة عن القرّائين؟ إذن، فأنت مخطىء! إنّ كلّ ما قلتُه حتّى الآن كان من أجل القصّة التي أنوي سردها عليك الآن. في الماضي السحيق، في تلك الأيّام العسيرة التي مرّت عليّ وعلى عائلتي، صادف أن اشتغلت عند قرّائي من سكّان مستعمرة متسليح المعروفة بأنها موطن القرّائين. عملت في صقل الفُسيفساء، وأفلحت جدًّا في عملي، وأدّى ذلك بدوره إلى إقامة علاقات جيّدة جدًّا مع المقاول القرّائي، صاحب العمل. 

ماذا أقول لك، كان شابًّا طيّبا. لم يهمّني، في ما إذا كان قرائيًا، إشكنازيًا، سفارديًا، وإذا سألتني قلت، الكلّ في نظري كانوا يهودا، الشيء الرئيسي كان تأمين رزقي بكرامة وشهامة. تلك الكرامة كانت آنذاك تساوي ثلاثمائة وخمسين ليرة، مبلغ غير كبير إلّا أنّه كان يكفي لشراء المأكل والملبس لكلّ أفراد الأسرة. أتعلم ماذا أيضًا؟ كان ذلك في تلك الأيّّام راتبًا جيّدًا جدًا. اجتهدت جدًا في العمل من أجل الحصول على كلّ ليرة. 

حدث ذات مرّة أنّ المقاول القرّائي قد تغيّب عن العمل مدّة أربعة أيّام. عرفتُ ما عليّ أن أفعل، وكان عملنا في بيت كبير والعمل كان متوفّرًا لبضعة أسابيع. حلّ آخر الشهر ولم يأت صاحب العمل فأخذت أسأل نفسي ماذا جرى لذلك الشاب اللطيف، وكيف سأتقاضى راتبي الشهري؟ بعد انتهاء العمل استقللت الحافلة متوجّهًا إلى مستعمرة متسليح الواقعة بجوار الرملة. عند وصولي بعد الظُهر كانت شوارع المدينة بخلاف العادة مُقفرة. طرقت باب منزل صاحب العمل، الهدوء كان مخيّمًا هناك. عرفت أنّ أحدًا في البيت لأنّني سمعت أصواتًا خافتة. شخص ما فتح الباب ودعاني للدخول. كلّ سكّان المستعمرة كانوا هناك. الكثير من الرجال والنساء جلسوا على طول الجدران يهزّون رؤوسهم حزنًا وينتحبون. كنت أعرف زوجته فسألتها ماذا حدث؟ ماذا، ألا تعرف، زوجي اختفى! أجابت وأجهشت بالبكاء. ما معنى اختفى، أين اختفى؟ صحتُ. نعم، لقد اختفى، لم يعد إلى البيت منذ أربعة أيّام. من المؤكّد أنّه قُتل، ربّما قتله المتسلّلون، أجابت زوجة المقاوِل.

أحاولتمُ استيضاح مكان وجوده؟ استفسرتُ. لا، لا داعي للاستيضاح، لم يحدُث قط أنّه لم يعُد إلى البيت، بالتأكيد قتلوه، وأخذت الزوجة وأقاربها بذرف الدموع مِدرارا. استصعبت تصديق ما رأت عيناي. القرّاؤون شباب لطفاء، ولكن إعلان الحداد أُسبوعًا بدون استيضاح ما جرى فعلًا للرجل، قد تجاوز في نظري كلّ حدّ. لا أظنّ أنّي صادفت في حياتي مثل هذا الأمر الأخرق. قمت وغادرت المكان. أسرعت نحو الشارع الرئيسي، استقللت الحافلة وسافرت.

وُجد المقاول المختفي
طلبت من شرطة الرملة فحص يوميّاتها في ما إذا سُجّل في الأيّام الأخيرة اسم مقاولي في حادث ما، وتبيّن وجود تقرير بشأنه، اتّضح أنّه تعرّض لسكتة قلبية خفيفة في طريقه إلى البيت، سقط، أُغمي عليه وشخص ما نقله إلى مستشفى بيلنسون في پيتَح تِكْڤا (ملبّس). لم أنتظر لحظة، أسرعت إلى المحطة المركزية في الرملة، واستقللت الحافلة إلى پيتَح تِكْڤا. فوجىء المقاول برؤيتي. لم تكن حالته خطرة. أخبرني الأطبّاء عمّا بذلوه من جَهد كبير في غُضون ساعات عديدة لإعادة تنفّسه وإنقاذ حياته. اليوم حالته جيّدة وهو يتعافى، قال الطبيب الرئيسي. سألني في ما إذا كنت من أقربائه، وهل هو عضو في عيادة المرضى؟

هدّأت الطبيب وأخبرته عن أُسرة المقاول المكروبة. اعتذر الطبيب قائلًا إنّهم لم يتعرّفوا على هُويّة المريض حتّى هذا الصباح، إذ أنّهم لم يجدوا على جسمه أية أوراق ثبوتية بل نقود فقط، وهي محفوظة في الخزنة، وسيتسلّمها حال تسريحه من المستشفى. كانت غِبطتي مضاغفة، صاحب عملي يتعافى وأنا سأتسلّم راتبي قريبا. 

الحزن انقلب إلى فرحة عارمة

عرفت أنّني المصدر الوحيد للعائلة عمّا جرى للزوج والأب. لم أتوانَ، ودّعت المقاول وبالطبع لم أُخبره في وضعه الذي كان فيه، عن حالة العائلة. استقللت ثانية حافلتين ووصلت مستعمرة متسليح. زوجة المقاول وأقاربه كانوا ما زالوا جالسين في البيت على طول الجدران وهم ينتحبون. جماعة من النسوة اجتمعت في ركن وأجهشن بالبكاء والنحيب والرثاء الذي يفطر القلب. 

”زوجك حيّ يُرزق وبخير، وجدته في مستشفى بيلنسون. تعرّض لسكتة قلبية والآن حالته لا بأس بها“، قلت لها. لاحظت أنّه عند حديثي معها أخذت أصوات البكاء تخفُت، وأصغى الجميع إليّ. انطلقت صيحات الفرح وانقلب الحزن والأسى إلى مسرّة وبهجة. أُعجوبة، أُعجوبة! صرخ بعض الرجال، أعجوبة قيامة الموتى!!! بعض النسوة قفزن عليّ وأخذن يقبّلن يدي، الله موجود! الله موجود! صاح كثيرون. ”كلّ الاحترام لهذا السامري الصالح الذي جلب لنا أعجوبة قيامة الموتى“، قالت صاحبة البيت بصوت عال. لم تُسعفني كلّ توسّلاتي بأن يتركوني لحالي فالساعة كانت متأخرة ليلًا، ولا شكّ أنّ أهلَ بيتي قلقون عليّ جدّا. 

عاد المريض بعد يومين إلى بيته فسافرت لزيارته. ما رآني حتّى أمر بإحضار بِنطاله، أخرج منه مبلغ ثلاثمائة وخمسين ليرة، راتبي الشهري وأضاف عليه خمسين ليرة وناولني وعيناه مفعمتان بالشكر والعرفان. رفضت هذه الإضافة بأدب إلّا أنّه ألحّ عليّ بقَبولها فوافقت لأنّي ما أردت إغاظته. إنّك تستحق ذلك قال، قلتُ دائمًا إنّ هناك أناسًا طيّبين مثل القرّائين. ابتسمت واحمرّت وجنتاي. سألته عمّا جرى له وردّ بهدوء : إنّي تحت ضغوط كثيرة، هناك مدينون كثيرون لي وعليّ دفع المال للمزوِّدين. إن لم أتسلِّم الديون في مواعيدها يتعذّر عليّ الدفع للمزودين والرواتب للعمّال. تحت وطأة الضغوط النفسية انهرت وأنا أقود السيّارة، ولحُسن حظّي، توقّفت السيارة، وسقطت منها على الشارع. استيقظت في المستشفى، لحظات قبل قدومك لزيارتي. لم أتصوّر أنّ أربعة أيّام قد مضت. 

هذه قصّة قيامة الموتى في مستعمرة مَتْسليح، وإذا مررت من هناك بالصدفة، من الشارع القديم المجاور للمستعمرة أُدخل إلى هناك. هناك ستُستقبل بالترحاب الحميمي، كما هي الحال عند السامريين. ها هنا، إن أردت أمر مشترك بيننا وبين القرّائين، لأنّ من يحرِص على القيام بفرائض التوراة المكتوبة، ينتمي لا محالة لهذه المجموعة من الناس اللطفاء، نعم اللطفاء جدّا“.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط