كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

"كابتن خبزة".. أيقونة الجوع التي هزت عروش الطغيان

"كابتن خبزة".. أيقونة الجوع التي هزت عروش الطغيان

تاريخ النشر: 2026-07-01 | 11:53

محمد المحسن
محمد المحسن

على هامش رحيل الناشط التونسي عبد الجليل حمدي الملقب بـ”كابتن خبزة” أحد أبرز وجوه الثورة التونسية.

في زوايا الذاكرة التونسية،حيث تتداخل صور البطولة مع جراحات الألم،يبقى مشهد واحد محفورا في وجدان التونسيين: رجل يقف في شارع الحبيب بورقيبة،يرفع خبزة كبندقية، بعينين تملؤهما عزيمة الجياع،وقلب يخفق بحلم الحرية.ذلك الرجل هو عبد الجليل حمدي،الذي عُرف بـ"كابتن خبزة"،ليس لأنه كان قائدا عسكريا، بل لأنه قاد معركة البطون الخاوية ضد جبروت نظام لم يفهم أن الخبز ليس مجرد قوت،بل هو كرامة الإنسان قبل أن يكون طعاما.

لم تكن صورته الشهيرة مجرد لقطة عدسة،بل كانت بيانا ثوريا بامتياز،ترجمة بصرية لحالة شعب كامل قال كلمته الفصل: "الجوع لا يركع،الجوع يثور".وحين رفع حمدي الخبزة في وجه قوات الأمن،كان يرفع معها ملايين المعدمين،وكان يكتب بأحرف من نار أن معادلة الخوف انقلبت،وأن السلاح الحقيقي ليس ما تصنعه المصانع العسكرية،بل ما يزرعه الفلاحون وما تخبزه الأمهات لأبنائهن.

رحل عبد الجليل حمدي،لكن صوته ما زال يتردد في أزقة تونس العتيقة،وفي قلوب كل من آمن بأن التغيير يبدأ من المعدة قبل العقل،وأن الكرامة الإنسانية ليست ترفا فكريا،بل حاجة بيولوجية كالأكسجين.

لقد كان أيقونة لا تُنسى،ليس لأنه كان خطيبا مفوها أو منظّرا سياسيا،بل لأنه جسّد بأبسط وسائل التعبير أعقد معاني المقاومة.إنها مفارقة التاريخ أن يكون الخبز،ذلك الرمز اليومي للحياة، هو نفسه أداة التحدي في وجه الموت.

ومع رحيله،يغادرنا ثاني أيقونات الثورة التونسية بعد أحمد الحفناوي،ذلك الذي قال "هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية"،وكأن القدر أراد أن يسجل أن ثورة 2011 لم تكن مجرد حدث سياسي،بل كانت محطة وجودية لشعب قرر أن يكتب تاريخه بدمائه وخبزه وشيخوخته.

 لقد حمل حمدي والحفناوي معا روح تونس الأبية، روح من لا يرضخون للظلم،حتى لو كلّفهم ذلك سنوات العمر وهدوء المقابر.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه برحيل "كابتن خبزة": هل رحلت معه أيقونة الجوع؟ أم أن الصورة التي خلّدته ستبقى شاهدا على أن الثورات لا تموت بموت رجالها،بل تتجدد في وجوه جديدة،وفي خبز جديد يرفعه جياع جدد؟! إن تونس التي أحبطت آمال ثوارها في تحقيق كل الأحلام،ما زالت تحتفظ في عمقها بذاكرة أولئك الذين صنعوا المستحيل،وما زال الخبز،في كل بيت تونسي،يحمل دلالة مزدوجة: نعمة تحتاج إلى شكر،وقضية تحتاج إلى نضال.

وفي لحظة الوداع الأخيرة لهذه الأيقونة الصامدة، تقف تونس اليوم أمام مرآة تاريخها،تتأمل صورتها بين ذاكرة الثورة وواقعها الراهن. 

عبد الجليل حمدي لم يكن مجرد رجل يرفع خبزة، بل كان نبض شعب اختار أن يحلم بالكرامة ولو على طريق الرصاص.ورحيله يذكّرنا بأن الأيقونات ليست خالدة بأجسادها،بل بأفكارها التي تزرعها في قلوب الأجيال.فكم من خبزة ستُرفع في المستقبل؟ وكم من-ثوار جياع-سيقودون معارك الجوع في عواصم لم تعرف معنى الحرية بعد؟!

إن الصورة التي التقطت له في شارع بورقيبة ستبقى،كالوميض،تضيء دروب كل من يؤمن بأن الإنسان حين يجوع لا يسكت،وحين يثور لا يتراجع.

 رحم الله عبد الجليل حمدي،وألهم تونس وشعوب الأرض أن تعيد اكتشاف قوة البساطة،وأن تتعلم من خبزة واحدة كيف يمكن للقوت أن يكون سيفا، وكيف للكرامة أن تكون سلاحا لا يُهزم.

 إن لم يبق من الثورات إلا صور أيقوناتها،فستظل صورته شاهدة على أن الخبز ليس للجوع فقط،بل للحرية أيضا،وأن الموت قد يغيّب الجسد،لكنه لا يغيّب المعنى،والمعنى هنا هو أن الإنسان،بأي ثمن، يبقى هو القيمة العليا في هذه الحياة.

وهكذا،يغادر "كابتن خبزة" درب الثوار،تاركا خلفه أكثر من صورة،تاركا سؤالا مفتوحا على جرح تونس: هل آن الأوان أن يتحول رمز الخبز من سلاح مواجهة إلى حقيقة تعيش على موائد الجياع؟!

 رحل عبد الجليل حمدي،لكن معنى الخبز لم يرحل،لأن الجوع لا يعرف التقاعد،والكرامة لا تموت بموت الأبطال.

ستبقى صورته شاهدة على أن الإنسان حين يحلم لا يموت كليا،وأن الثورات الحقيقية تبدأ حيث تنتهي البطون الفارغة،وتستمر حيث تبدأ العقول الممتلئة بالأمل.

 رحم الله أيقونة علمتنا أن الخبز ليس قوتا فحسب،بل قصة شعب كامل يكتبها كل يوم برغيفه ودموعه وصموده.

فهل آن الأوان أن نقرأ قصة الخبز كما يستحق؟!

 أم أن الأيقونات تولد دائما من رماد الأحلام المؤجلة؟!

ويظل السؤال..حافيا،عاريا ينخر شفيف الروح..

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط