كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

كابول لا تستهوي السائح ..!

كابول لا تستهوي السائح ..!

تاريخ النشر: 2021-08-18 | 09:29

د. عبد الرحيم جاموس
د. عبد الرحيم جاموس

في ابريل من عام1973م توقفت طائرة وزير الخارجية الأمريكية الأسبق هنري كيسنجر في كراتشي، وهو في طريقه إلى زيارة بيجين (بكين)، بعد جولة له آنذاك شملت كل من العواصم التالية، القاهرة ثم عمان والرياض والكويت وطهران فكراتشي، ... حيث عقد فيها مؤتمرا صحافيا .. وكان أهم سؤالين قد وجها له من قبل الصحفيين هما: الأول ما الجديد في موضوع ملف التسوية والسلام في الشرق الأوسط وما مصير الصراع العربي الإسرائيلي ...؟ كان الجواب على هذا السؤال عميقا تمثل في (لا يمكن فتح هذا الملف إلا في أجواء ساخنة).. والسؤال الثاني كان لماذا لم تتوقف طائرة وزير الخارجية الأمريكية في كابول عاصمة أفغانستان؟ وكان جوابه أيضا يَنمُ عن خبثٍ ديبلوماسي خطير قال: (العاصمة كابول لا تستهوي السائح)، وقائع هذا المؤتمر الصحفي قد نشرت حينها في مجلة النيوز ويك الأمريكية... وقد اشتملت على مواضيع أخرى وخاصة عن العلاقات الصينية الأمريكية، وكانت هذه التصريحات محلُ دراسة لي ولبعض الزملاء وقتذاك...

ما يهمنا هنا في هذا المقام هو ذلك السؤالين وتلك الإجابتين الديبلوماسيتين المشار إليهما أعلاه ..!

هل كان وزير الخارجية الأمريكية فعليا في رحلة سياحية حول العالم ولتلك العواصم ...؟ طبعا الجواب بالتأكيد لا ...

لقد كان في جولة سياسية ديبلوماسية هامة وكبيرة في خدمة المصالح الأمريكية شرق أوسطيا وآسيويا، والعمل على تطوير وترتيب العلاقات الأمريكية مع عواصم الدول التي قام بزيارتها والتي ينوي زيارتها، السؤال الأهم هو كيف فسرت وفهمت هذه التصريحات من قبل المعنيين بها والمراقبين السياسيين في حينه، خصوصا وأنه لم تمضي سوى شهور قليلة حتى تم الإطاحة بعدها بحكم الملك محمد داوود شاه، ملك أفغانستان في سبتمبر من عام 1973م، لتدخل بعدها دولة أفغانستان في دوامة من العنف وعدم الإستقرار السياسي والصراع على السلطة والحروب الداخلية والخارجية التي قد بدأت ولم تنتهي بعد، فقد باتت بعدها أفغانستان مسرحا وساحة خصبة لحروب أهلية، وساحة لصراعات القوى الإقليمية والدولية.

لقد فهم تصريح كيسنجر عن كابول انها (لا تستهوي السائح) بمثابة تخلي أمريكي عن دعم نظام الحكم فيها، واعتبارها منطقة أو دولة لا يهم الولايات المتحدة شأنها وأمرها ومصيرها، مما فتح شهية القوى الداخلية من الطامعين بالسلطة إلى الإطاحة بنظام الحكم الملكي فيها آنذاك، كما فتح شهية القوى الإقليمية والدولية ... خاصة الإتحاد السوفياتي للسعي للتدخل في شؤونها والهيمنة عليها وعلى قرارها واخضاعها لنفوذه، .. فتتالت فيها الإنقلابات العسكرية إلى أن جاء التدخل العسكري السوفياتي المباشر فيها لحماية نظام بابرك كرميل الشيوعي ومن بعده نجيب الرحمن ...، وكان ما كان من سقوط الروس في الفخ الأفغاني والمستنقع الذي شكل أحد أهم الأسباب في هزيمة السوفيات في الحرب الباردة مع الولايات المتحدة.

وهنا لم اغفل الإشارة إلى وقوع حرب أكتوبر 1973م بعد ستة أشهر على تصريح كيسنجر، التي فتحت بالفعل ملف السلام والتسويات (للصراع العربي الإسرائيلي) .. والذي وصل إلى ما وصل إليه من اتفاقات وانهيارات سياسية ديبلوماسية تمثلت مؤخرا بموجة التطبيع والتهافت العربي من قبل مجموعة مهمة من الدول العربية، على إقامة العلاقات الديبلوماسية مع الكيان الصهيوني دون حل لجوهر الصراع وهو القضية الفلسطينية.

عودة إلى الموضوع الأفغاني، الذي لم يبقَ لا يستهوى فقط السائح الأمريكي السياحة في كابول حسب تعبير كيسنجر، بل تورطت فيها العسكرية الأمريكية في احتلال عسكري دام عشرون عاما ونصف، بعد وإثرَ اتهام تنظيم القاعدة وحاضنتها نظام حركة طالبان في أفغانستان، في حادث تفجير برجي التجارة العالمية في نيويورك في 11/9/2001م، تحت شعار التحالف لمحاربة الإرهاب الإسلامي، لينتهي هذا التورط بتوقيع اتفاق سلام أمريكي مع الإمارة الإسلامية، تنسحب بموجبه القوات الأمريكية والحليفة لها من أفغانستان، ويجري التخلي الأمريكي عن الحكومة الأفغانية ومؤسساتها الأمنية والعسكرية، التي تمت صناعتها وصياغتها على يد القوات الأمريكية الغازية، مقابل أن تتعهد طالبان بعدم الإضرار بالمصالح الأمريكية، ولتعود أفغانستان ثانية إلى ما كانت عليه قبل الغزو تحت السيطرةِ الكاملة لحركة طالبان الإسلامية ...!

إذا هل تعود السياسة الأمريكية بموجب الإتفاق الموقع مع طالبان ثانية إلى اعتماد سياسة كيسنجر كون كابول (لا تستهوى السائح الأمريكي ...) والتعاطي مع الشأن الأفغاني عن بعد دون التورط والغرق في مستنقعه وتتركه لمن يشاء الغوص فيه ثانية، بعد أن جربت واكتوت أمريكا نفسها بناره وغرقت في مياهه، كما اكتوى من قبلها السوفيات وغيرهم، والعودة ثانية إلى التزام واعتماد سياسة الإستخدام للمقاتلين الأفغان في صراعاتها مع الخصوم المقبلين (الصين وروسيا وإيران) كما استخدموا سابقا في الفترة السوفياتية، لتحقيق أهداف وغايات استراتيجية أكثر جدوى وأهمية من مقاتلة الأفغان أنفسهم ؟! الأيام والشهور القادمة سوف تفصح عن ذلك.

السؤال الأهم الذي لم يعد يهُم أمريكا ولا الكثيرين غيرها، هو مستقبل ومصير أفغانستان وشعبها في ظل حكم حركة طالبان من جديد، وما يمكن أن يتمخض عنه من حروب وصرعات داخلية وأهلية، عرقية واثنية وصراع على السلطة من جهة، والتحديات الخارجية مع دول الجوار الست لأفغانستان من جهة أخرى ....؟!

هكذا تترك أفغانستان لوحدها لتقلعَ شوكها بعد أن اثخنتها الحروب ودوامة الصراع على السلطة، كأن الشعب الأفغاني ومنذ الإطاحة بنظام الحكم الملكي فيه في سبتمبر من عام 1973م، قد كتب عليه الشقاء وأن يدخل في دوامة الحروب، وعدم الإستقرار والتنازع على السلطة، وأن تبقى أفغانستان ساحةً وضحيةً للصراعات الإقليمية والدولية، يجب وضع حدٍ لهذه المأساة الأفغانية المستمرة منذ نصف قرن.

من حق الشعب الأفغاني أن يقرر مصيره بنفسه وبحرية، وأن يختار حكامه وممثليه، وأن يبني دولته التي يريد، دون ضغط أو تدخل من القوى الخارجية، وبما يحقق تطلعاته في الحرية والعيش الكريم والتقدم والإزدهار، بعيد عن كل أشكال التخلف والحروب الخارجية والداخلية، وعن الإرهاب بكل أنواعه وأشكاله.

الأيام والشهور القادمة ستكشف عما يخبأ لأفغانستان وشعبها العظيم من مستقبل.

وللحديث بقية...

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط