كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

كازينو "الإخوان المسلمين"

كازينو "الإخوان المسلمين"

تاريخ النشر: 2020-04-19 | 16:10

قد تكون هذه من المرات القليلة، التي تضطر فيها حكومة قطر لنفي صفقة مرتبطة باسم أحد رموزها السياسيين، وهي صفقة شراء فندق وصالة قمار "الريتز" في قلب العاصمة البريطانية لندن. الفندق العريق الذي بقي لأكثر من 100 عام علامة بريطانية، أصبح ملكاً للدوحة. وتضاربت المعلومات حول المالك الجديد، إما أنها زوجة أمير قطر السابق الشيخة موزا المسند، أو رئيس الوزراء ووزير خارجيتها الأسبق الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني. الأولى نفت الخبر عبر مكتبها رسمياً في تصريح نشرته صحيفة "بلومبيرغ"، والثاني لم يفعل.

لكن بلا شك الصفقة تمت، وأصبح "الكازينو" ملكاً لقطر بصفقة تجاوزت قيمتها الـ 800 مليون جنيه إسترليني تقريباً، وسبق لمكتب "ماكفارلاينز" البريطاني للمحاماة، الذي قدم المشورة للمستثمر القطري، أن أعلن عن بيع الفندق الفخم من الأخوين فردريك وديفيد باركلي الثريين.

ويبدو أن هذه الصفقة عمّقت الشرخ بين الأخوين اللذين يتنازعان عليها، إذ نقلت أخيراً صحيفة "فاينانشال تايمز" عن ممثل فردريك باركلي قوله "نحن مندهشون ومذهولون من الإعلان عن ادعاء ببيع فندق "الريتز". لم تتم استشارتنا ولا وافقنا على صفقة البيع هذه".

حتى هنا الخبر"عادي"، وهو من النوع الذي تتداوله المنصات الإعلامية المعنية بصفقات البيع والشراء، والصفحات الاقتصادية في الصحف، لولا... ورود اسم قطر في الصفقة. عندها يصبح للخبر معنى يستدعي التفسير ويكشف غموض التأويل.

من حق قطر ـ كصاحبة رأس مال ـ أن  تشتري صالة القمار الشهيرة في "الريتز" أو غيره، سواء عبر صندوقها السيادي أو بواسطة رموزها السياسيين بشكل فردي. على الأقل من ناحية الحق السيادي للدولة في التصرف بأموال شعبها. لكن ما يجعلنا نستقرئ معاني الصفقة، وما قبلها وما بعدها، هو مسارعة من ورد اسمه (أو اسمها) في المسألة، إلى النفي وكأنه يرد تهمة، أو يتبرأ من نقيصة.

كان يمكن للأمر أن يمر بهدوء، ومن دون "شوشرة"، لو أن قطر كدولة، اكتفت طيلة العقود الماضية بلعب دور المستثمر الذكي، الذي يوظف أمواله في المكان الذي يعرف أنه يعود عليه بأرباح صافية، بغضّ النظر عن أي حكم أخلاقي.

لكن "التوظيفات القطرية"، السابقة والحالية، لم تكن على هذا النحو أبداً. فالدوحة خلطت استثماراتها على نحو غير مسبوق سواء في عالم المال أو عالم السياسة. ومن يراجع الحقبتين الأخيرتين على الأقل، يستطيع أن يتبين كيف كانت الأيديولوجية غطاءً مناسباً للمال القطري، وكيف أصبح هذا المال عبارة عن قاطرة جامحة يحتشد على متنها الأيديولوجيون. هنا نفهم، لماذا يسارع المعنيون إلى نفي علاقتهم بقضية استثمارية، هي عملية عادية في سياق استثماراتهم الخارجية.

ولكني أستطيع أن أتفهم الحرج القطري، في هذا التوقيت بالذات. وأرجّح أن خبر الصفقة قد تم تسريبه على غير رغبة القطريين. فالاستثمار في صالة قمار يمنح المستثمر ملاءة مالية بحسب تعبير الاقتصاديين، ولكنه يسحب بالضرورة عنه ملاءة أيديولوجية شرعية هو في أمس الحاجة إليها. وهو ما تحاول الدوحة التستر به عبر استخدام "دمى الإخوان".

أشعر بحرج كل "داعية قطري" (أو مقيم في قطر)، وهو يحاول أن يبرر لأتباعه، مسألة الاستثمار في "المنكر"، فأي حجة فقهية سيقدمها لأعضاء جماعات "الإخوان المسلمين" ـ الكبار منهم والأنفار ـ عن "نظافة" مال "الكازينو"؟

منذ عام 1996 وثنائية المال والأيديولوجية، عند المسؤولين في الدوحة تظهر للعلن تدريجاً، والتي أسفرت عن نتائج كارثية في أكثر من دولة عربية. وكلاهما، المال والأيديولوجية، كانا وسيلتين فاعلتين حيث استخدما. بالمال استطاعت الدوحة أن تغري، وأن تحرّض، وأن تستدعي الولاءات، وأن تمهد الطريق لعبث جماعات الشعارات الدينية.

ومحاولات قطر لتوجيه الأذية لمصر والسعودية، كانت وما زالت مشهودة، وأدلتها قائمة، وفتاوى التحريض، وحملات التعبئة الدينية، التي تقودها جماعات "الإخوان المسلمين" برعاية قطرية، ترافقت دائماً مع ارتكابات خطيرة نفذتها الأجنحة السياسية والعسكرية لهذا التنظيم الدولي.

وفي دول أخرى، وصل عبث هؤلاء إلى حد تقويض الكيانات الوطنية، وتفكيك عرى الوحدات المجتمعية كما حصل في تونس وليبيا ومصر وسوريا، فشلت الدوحة وجماعة الإخوان في مصر مباشرة، ولا تزال تحتضر في تونس، أما في سوريا وليبيا فهي مندمجة مع جماعات متطرفة ومسلّحة تبحث عن مقعد في برلمان الخاسرين.

من الواضح أن الدوحة تريد مواصلة لعب هذا الدور في المنطقة. ومن الواضح أيضاً أن جماعات التطرف، قد ابتلعت ألسنتها، ولم تعلّق بكلمة على "صفقة الكازينو"، وهم الذين ملأوا الدنيا صراخاً على صفقات أخرى... وهاتان مقدمتان توصلان إلى نتيجة منطقية واحدة، هي: حاجة الطرفين إلى بعضهما بعضاً. وهي حاجة مادية نفعية بالدرجة الأولى، ولنترك الأيديولوجية حبيسة الكتب إلى حين.

فجماعات التطرف كانت وما زالت أداة تنفيذية لمشروع تخريبي يتمثل بـ "الزعامة الوهمية" للعامل العربي في مخيلة أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة. ثروة الغاز القطري عنصر أساسي في هذا المشروع. وهذا على الأقل ما ظهر خلال ما عرف بـ"الربيع العربي"، عندما أمعنت نصال قطر وأدواتها في خريطة العالم العربي. لكن من أين يأتي المال فيما النظام هناك يعاني من أزمة سيولة وفق النشرة الرسمية المالية له، ما دفعه للعام الثالث على التوالي إلى إصدار سندات دولية بقيمة 10 مليارات دولار، وكذلك إلى تأجيل ترسية عقود حكومية بما قيمته 8.2 مليار دولار.

تبدو "صفقة الكازينو" هنا وكأنها خشبة خلاص. صحيح أن الدوحة دفعت ثمنها 800 مليون جنيه إسترليني، لكن العوائد المتأتية من هذه الاستثمارات لا تنطبق عليها، كما هو معروف، قواعد الاستثمار الأخرى، التي تكون عادة اسمية أو طويلة الأجل، أو مؤجلة التحصيل. القاعدة في هذه الصفقة هي: ادفع وخذ (أو كاش أند كاري بحسب التعبير الإنجليزي)، بالتالي فإن الدوحة تكون قد حلت مسألة السيولة لتمويل جموحها وجماعاتها، لولا... جائحة كورونا، التي عطّلت الأرزاق حتى في الكازينوهات.

حلّت الجائحة في وقت تواجه قطر صعوبات بالغة التعقيد. فقد غرق حليفاها الأقربان في وحل "كورونا". إذ خرجت طهران مترنحة من غضبة الشارع متمثلة في تظاهرات عمت البلاد، وتلتها الضربة الأميركية التي أطاحت بجنرالها الأبرز قاسم سليماني، لتجد نفسها في محجر "كورونا" المهلك. وبالمثل، عاشت أنقرة على وقع صدمات وصدامات مع المعارضة الداخلية حيناً، ومع الشركاء الدوليين دائماً، وتحت وطأة أزمات اقتصادية لا ترحم، لكي تدخل فوراً في معترك "كورونا" المرهق.

كل ذلك تواجهه الدوحة، في وقت عليها أن تتحمل عدم الاستقرار في أسعار النفط، والركود المحتمل في الاقتصاد، وظهور لاعبين جدد في عالم الغاز، واستمرار العزلة السياسية في محيطها والعالم العربي... وهي كلها عوامل تدفعها دفعاً إلى الاستثمار في صالات القمار وغيرها، علّها تكون خزانتها المفتوحة الجديدة، لتمويل منصات وأدوات التحريض الديني ضد مصر والسعودية، وكل من يجعله التصنيف في غير الخانة القطرية.

وحتى نفهم الانفصام التام في سياسة قطر وأدواتها المتطرفة، قد يخرج أحد دعاة التحريض ويساوي بين صفقة "الكازينو" واستثمارات السعودية أو الإمارات أو أي دولة عربية أخرى، بل قد يظهر الإخوان بلا حياء ليهاجموا اقتراب الرياض من الاستحواذ على صفقة شراء 80 في المئة من أسهم نادي "نيوكاسل يونايتد" الإنجليزي ويغضوا النظر عن "صالة القمار".

ربما ستثير هذه الصفقة الرياضية الجوقة القطرية المعروفة، في سيناريو شبيه بسيناريوهات سابقة، تعتمد التحريض والتسخيف والتجريح. ستنبري منصات مملوكة أو مستأجرة، لرمي الاستثمار الرياضي بأسوأ ما يطبخ في أفرانهم، من دون أن ينتبهوا إلى أن النشاط الرياضي هو من أرقى الأنشطة الإنسانية، وأن كرة القدم الإنجليزية على وجه التحديد لها جمهور واسع في العالم العربي، والجمهور السعودي مهووس بأساليبها وبرموزها، وصفقة "نيوكاسل يونايتد"، بالتالي، تتواءم مع المزاج الرياضي العام على الرغم من انشغاله الآن بالأزمة التي استحدثها فيروس كورونا. ولعل مثل هذا الخبر الرياضي يخفف من وطأة الحجر المنزلي.

تجد الدوحة نفسها الآن في ما يشبه عنق الزجاجة، فهي لا تستطيع أن تتقبل انكفاء نفوذها، والتخلي عن محاولات صنع زعامة مستحيلة، والتسليم بتضعضع أدواتها وانكشافهم فكرياً وعملياً، كما أنها عاجزة عن استعادة الزخم لدورها ولمن "تمون" عليهم... وكل ما تبقى لها هو "صياح المنصات"، أو كما كتب أحد السعوديين على إحدى شبكات التواصل الاجتماعي: إن الرياض نجحت في تحويل الشيخ حمد بن جاسم من وزير خارجية مؤثر إلى مجرد "مغرد" على "تويتر" ينافس المغردين، ويخسر.

سؤال أخير: أين الأيديولوجية من كل هذا؟

هناك من يحاول بث الحيوية في دعاواها وادعاءاتها داخل "كازينو الإخوان المسلمين" القطري.

عن "إندبندنت عربية"

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط