كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

كُرّاس السعادة الصغير!

كُرّاس السعادة الصغير!

تاريخ النشر: 2020-11-18 | 11:16

كان فتحي يحادثني ويُسلّيني فكثيرًا ما أجد نفسي منعزلًا بين أوراقي وحاسوبي المحمول ودفاتر كتاباتي الكثيرة، وبين مراجعة مخطوطات كُتُبي وإعداد محاضراتي فأغرق فيها حتى أذنيّ فلا أرى ضوء الشمس إلا قليلاً.

فتحي هو الجار، جار المكتب الذي ألجأ إليه للحديث والحوار المريح، لا سيما وان حواراته تأخذك بعيدًا عن عشق الورق والكتابة المُجهِدة والقراءة، والأقلام وحديث الأحرف والجُمل، وطنين العبارات الرفيعة والأفكار الكثيرة المتدافعة التي تهزني هزًّا، فتؤرقني أحيانًا وتبهجني غالباً.

فتحي هذا هو صاحب المنجرة التي تجاور مكتبي في ذات البناية حيث مقر عملي بمركز الدرسات الاقليمية، وكلّما مررتُ صباحًا صاعدًا لمكتبي أراهُ قد سبقني وفتح منجرته وبدا منهمكًا في نشر لوح خشب أو صنع طاولة جميلة... وتمرّ الأيام... والتي منها أو فيها اقتطف أوقاتًا للراحة من أعباء العمل اللذيذ -والمرهق في ذات الوقت- مع فتحي.

تضايقت هذا اليوم لأنني لم استطع أن أكتب! بحسب ما كان مطلوبًا مني حيث أن أمامي كدسًا من المراجع اللازمة لإعداد بحث، فأحسست بالضيق والتعاسة، رغم أن عشقي الكبير للأفكار الجديدة المدوّنة بالقلم -ولاحقا للوحة المفاتيح- أسبغ عليّ صفة العشق والسعادة، وكما كان ردّ فعل أغلب قُرائي: أنك شخصٌ متفائلٌ وايجابي، وتبعث فينا الهمّة والنشوة، المهم أنني هذا اليوم كنت تعِسًا، هكذا أحسست.

نزلتُ من المكتب في الطابق الثالث لأقابل فتحي في منجرته على مدخل البناية، وكان النجّار يجلس على مقعد خشبي صغير بعيدا عن أدوات النجارة ويشرب الشاي الأحمر الثقيل ، وإذ رآني أطل عليه أشار عليّ بالجلوس وشُرب الشاي.

ابتدرني فتحي بالسؤال عن كتاباتي وجمهوري العريض الذي معظمه من فئة الشباب، وهو أي سؤاله ما أسعدني كما في كل مرة يسألني فيها، إلا أنه هذه المرة أدرك ضيقي أو حزني الذي لمحه بملامحي فسألني عن السبب فقلت له عن السبب الصغير لضيقي أو عدم سعادتي الآن، استمع وكأنني أحكّ له على جرب! فقتح قلبه وهي من مرّاته القليلة التي ينطلق فيها كثيرًا.

قال فتحي من الحِكَم والأفكار والشوارد ما أفادني، قال: أنت ككاتب تعلمُ أكثر مني أن في العقل مخازنَ عديدة... مخزن للأفكار، ومخزن للمواقف، ومخزن للعواطف، ومخزن لذكرياتك مع الأشخاص، ومخزن للأحلام ومخزن للخيالات... وفي كل مخزن صناديق متعددة.

ففي مخزن الأفكار صندوق للأفكار القديمة وصندوق آخر للأفكار الناعمة وثالث صندوق للأفكار الناهضة ورابع للأفكار الموثوقة وخامس للانهزامية وسادس للأفكار العفنة أو سلّة المهملات ....وفي كل صندوق مجموعة كرّاسات أو دفاتر تشرح وتدوّن وتوضّح، وكذلك الأمر مع المخازن الأخرى وصناديقها ودفاترها.

لأول مرة أسمع منه مثل هذا الكلام العميق! استغربت هذا الوعي وهذا التدفق، وهذه الثقافة التي ما ظننتها تأتي من نجّار! وكأنه أنتبه لاستغرابي وتغافل، ثم أضاف لِما كان يقوله : بالنسبة لي أنا على عكسِكُم أنتم معشر الكُتّاب والاعلاميين والمفكرين والأساتذة والأدباء المبتهجين دومًا، فأنا أهتم كثيرًا بمخزن المشاعر وصناديقه.

قلت: ونحن أيضًا، قال: نعم، ولكن مشاعرك دومًا متفائلة وسعيدة ومرتبطة بالكلمة، قلت مبتسمًا: بالكلمة واللحن معًا، قال: ليكن، فأضفت: وربما عشق الكتاب بما يعنيه من حياة ثانية كان السبب،قال: ربما، ولكن دعني أكمل لأقول لك إن أذنت لي، أومأت برأسي موافقًا فنظر وتابع: إن مخزن المشاعرعندي فيه صناديق بالعشرات إن لم يكن بالمئات لأنواع المشاعر .

لدي صناديق عديدة وفيها دفاتر كثيرة حول الانزعاج والقرف والحزن والاكتئاب والقلق المُقعِد والتراجع والغضب والنقد والخوف والتردد والكراهية والإحجام والشكوى والعناد والشتم والاحتقار والغيظ والنفور و....،قلت:يكفي.

فاكتفى، وأكمل مسترسلاً: من هذه الصناديق الكثيرة لمشاعري ... كان صندوق السعادة صندوقا صغيرًا وهو الصندوق الذي حاولت أن أجد فيه كراريسًا! فلم أفلح، إذ لم أجد بالحقيقة إلا كراسًا واحدًا ببضعة سطور.

تعجبت، فانتبه واستطرد: في داخل هذا الكراس الصغير كُتب فيه أن السعادة مرّت عليّ خلال أعوامي السبعين خمسُ مرات فقط، قلت باندهاش فاضح:فقط!

قال: فقط، وأكمل مُعدّدا: مرّة حين مسحت أمي بيدها على شعري وأنا صغير،ثم ماتت. ومرة حين شكرني مدرس الرياضيات بلُطف، وثالثة حين تغزّل عميل بخزانة صنعتها له بإتقان وشكرني كثيرًا معبّرا عن الامتنان، ورابعة كلما رأيت وجهًا باسِمًا صبوحًا، والخامسة: غامضة.

قلت: أولهذا الحد! بينما باستطاعتي على العكس أن أعدّد لك فترات الشعور بالتعاسة القليلة التي مرّت بي، هذا الى جانب كرّاسات المشاعر السعيدة في مخزن المشاعر في عقلي وذاكرتي ، عموما لا أريد أن أشفق عليك يا فتحي فلربما أنت لم تفتح المخزن جيدا! أو لربما تهت بين الصناديق؟ ودعني اتساءل متلهفًا عن السعادة الخامسة الغامضة لعلك تتذكرها!؟ فبكى.

×
أخبار
«واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط