كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

كلماتٌ في وداعِ عماد العلمي "الكلمة الثانية"

كلماتٌ في وداعِ عماد العلمي "الكلمة الثانية"

تاريخ النشر: 2018-02-03 | 11:58

أكاد أجزمُ وأقولُ أنه رجلٌ حازَ على حبِ الجميع، واستحوذ على رضا الكل، ونال الدرجاتِ العُلى في الحظوة والمكانة، وتميز في القدر والمنزلة، وحصل على إجماعٍ نادرٍ في المحبة والرضا، وكأنَّ الله عز وجل قد أحبه فحبَّب فيه عباده، إذ ما عرفه إنسانٌ إلا وأحبه، ولا عاشره شخصٌ إلا وتوافق معه، ولا التقاه فلسطينيٌ إلا وتوسم الخير فيه، وتمنى لو أن كل القادة مثله وجميع المسؤولين يشبهونه أو يتعلمون منه وبه يتأسون.

فقد كان رحمه الله تعالى محل إجماعٍ وموقعٍ ووسطيةٍ، يلتقي عنده الجميع ويتوافق معه الكل، ولا يختلف معه عاقلٌ، ولا يثور عليه إلا جاهلٌ، ولا يغتاظ منه إلا حاقدٌ، ولا يكرهه إلا عدوٌ، ولا يتآمر عليه إلا فاسدٌ، ولا يستبعده إلا غادر، ولا يلتف عليه إلا متآمر، ولا يخاف من صمته إلا خائنٌ، ولا ينقلب عليه إلا خائفٌ من سيف عدله، وقوة حقه وصدق قوله.

تحدى بصمته الصعاب، وانتصر بزهده على كل المغريات، وتفوق بتعففه على كل المفاتن، فما كان يغريه منصبٌ، ولا يلهث وراء موقعٍ، ولا يتزلف إلى مسؤولٍ، ولا يداهن قائداً، ولا يمتدح فاسداً، ولا يرضى بالعوج، ولا يسكت عن الخطأ، ولا يقبل بالظلم، ولا يحب الشهرة ولا يجري وراء الأضواء، ولا تعنيه اللقاءات الصحفية ولا الفلاشات الإعلامية، يجلس حيث تنتهي به المجالس ولا يتقدم الصفوف ولا يتجاوز الجلوس ولا يتخطى الرقاب، ولا يقبل بالمديح ولا يحب الإطراء، ولا تطغيه الكلمات الجميلة وعباراتُ الترحيب المبالغة.

بيته دائماً في كل الأماكن التي سكنها والدول أقام فيها متواضعٌ صغيرٌ وأثاثه بسيطٌ، وسيارته تكاد تكون قديمة، عاديةٌ كالتي يملكها عامة الناس، بسيطة غير مصفحة، قديمةٌ وغير جديدةٍ، يأخذها مرافقوه ويستخدمها مساعدوه، فلا يغضب إن تأخروا، ولا يُستفزُ إن استدعوا له سيارة أجرة لغياب سيارته أو انشغالهم بها، ولا يستنكف أن يركب سيارته وسط مرافقيه محشوراً معهم وبينهم مضغوطاً، فهو في الأساس نحيف الجسم يتسع له كل مكان، ولا يضيق به مقعد، وكان يكره اقتناء السيارات الفارهة، ويتجنب المرسيدس دوماً ما أمكنه، وإلا تكون من الطراز القديم جداً الرخيص الثمن، وكان يدعو إلى التخلص من البهرج الزائف والزينة الفاتنة، ويدعو إلى البساطة في المركب والهيئة.

رحمة الله عليك أخي عماد، فقد والله كنتَ فينا وبيننا الخير كله والصدق كله، ولا أقول بوفاتك أن الخير قد رفع وأن الصدق قد فُقد، ولكني أقول أننا برحيلك خسرنا الكثير وفقدنا العزيز، وبعدك سنبحث بمشقةٍ عمن يشغل مكانك ويحل محلك ويكون مثلك، إذ لا أعتقد أن الزمان يجودُ بسهولةٍ علينا بأشباهك وأمثالك، فأنت من جيل النبوة ومن الرعيل الأول، فأنى أن نجدَ مثلك أو يكون بيننا شبيهك، فرحمة الله عليك أخي عماد أيها العماد.

رجلٌ بمثل هذه الصفات السامية لا تقتله إلا فئةٌ باغيةٌ، إنه كعمارٍ بن ياسر الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم "تقتله الفئة الباغية"، وقد سبق لجيش العدو أن قصف مكاناً كان فيه في عدوانه على غزة عام 2014 فأصيب بجراحٍ أدت إلى بتر ساقه، ولكنه صبر واحتسب، فهو من تلاميذ شيخٍ كان مقعداً ولكنه أحيا أمةً وقاد شعباً، وقد نذر عمادٌ حياته ليقتل شهيداً كشيخه ومؤسس حركته مقبلاً غير مدبرٍ، ثابتاً على الحق/ ماضياً على الدرب.

هذا رجلٌ ملائكيٌ رباني طاهرٌ شريفٌ إلى الأشراف ينتمي، وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتسب، فنسبه يمتد ويصل إلى فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذا فهو عن غيره من الفلسطينيين تميز وعن سواه من العرب والمسلمين اختلف، إذ سما بهذا النسب وطهُر، وشرُف بالقربى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطوبى له اليوم وقد لحق بجده واجتمع به مع صحبه الكرام والقادة الشهداء العظام، ولتقر عينه بهذه الرفقة، ولتسعد روحه وهي في مقعدِ صدقٍ عند مليكٍ مقتدرٍ في كنف المولى سبحانه وتعالى.

إنه المقدسي العلمي الأشرف، الذي حاز على شرف الصفة المقدسية، ونال خصلة الرباط التي ذكرها رسول اله صلى عليه وسلم ، وكان أجداده من سكان المدينة المقدسة التي باركها الله وبارك ما حولها وخص أهلها بالبركة والشرف إلى يوم القيامة، فحمل في جيناته الأولى يوم أن خلق صفات المرابطين وأخلاق المقاومين، وشيم الرجال المقاتلين.

هنيئاً للقدس بابنها عماد، وهنيئاً لغزة بمهندسها الهمام الذي آثر المقاومة على أرضها، ولم يتخلَ عن أبنائها وهو ابن العائلة الثرية، وسليل الدوحة النبوية، وابن الأرض المقدسة، وحامل الهوية والجنسية المغربية، إلا أنه كان لغزة مخلصاً وبها متعلقاً، ومن أجلها قضى العمر عاملاً مجاهداً، يهوى الإقامة فيها، ويفرح بالعمل لأجلها، وقد جهد في رفع الحصار عنها، وعمل على التخفيف من آلامها، وكان أول من بارك المصالحة وشجع عليها، إذ أن عينه على الأهل فيها، وقلبه على الوطن، وقد أدرك أن المصالحة الوطنية الجامعة الناجزة هي البوابة وهي الأمل والرجاء، وبدونها فإن الوطن في خطر، والشعب إلى ضياعٍ ومزيدٍ من الفقر والشقاء.

شفافية عماد وصفاء نفسه، وعفافه وزهده، وتجرده وصدقه مع الله، جعلته شفافاً في كل شئ، صادقاً مع كل الناس، يقول الحق ولو على نفسه، ويفصل القول ولو على حسابه، فما يراه حقاً يؤيده بكل ما أوتي من قوةٍ، ويدافع عنه ويضحي في سيبله، وما يراه باطلاً يصده ويهاجمه، ويفضحه ويعريه ولو كلفه ذلك خسارةً ماديةً، أو حرماناً من منصبٍ أو تخلياً عن مكسبٍ، أو فقداناً لامتيازٍ، ولهذا فقد كانت له في صفوف الحركة الداخلية، وفي الوطن عموماً مواقف صريحة ووقفاتٍ صادقةً، أثبتت أنه رجلُ المبادئ والقيم، وأنه الحريص على المفاهيم والثوابت، إذ كانت عينه على وحدة الوطن جغرافياً، وعدم تقسيمه سياسياً، وكان يرفض الانقسام ويحاربه، ويدعو إلى الوحدة وييسر سبل الوصول إليها.

كثيرةٌ هي القصص والحكايا التي أحفظها عن عماد، وقد عشت معه ردحاً من الزمن، تارةً في المعتقل، وحيناً حراً في قطاع غزة، وتارةً أخرى في الزنازين وفي أروقة المحاكم العسكرية الإسرائيلية، وداخل المحكمة العليا الإسرائيلية بالقدس المحتلة، ثم خلال رحلة الإبعاد الطويلة، وآخرها كانت حتى عودته إلى مسقط رأسه في غزة، وقد التقيته خلالها وعرفت أنه نفسه الأخ الكبير الذي لم تبدله السنون ولم تغيره الحوادث.

سأحاول رواية ما استطعت ونقل ما تمكنت من قصص وحوادث ومشاهد، وهي كلها مواقفٌ وعبرٌ، ودروسٌ وحِكَمٌ، بدءاً من ذكريات السجن والمعتقل، ومروراً بغزة في ظل الاحتلال وأثناء الانتفاضة الأولى وصولاً إلى الإبعاد والغربة والشتات، فقد كان رحمه الله في كل مرحلةٍ أستاذاً يعلم، وأخاً كبيراً يحنو ويوجه، وقائداً كبيراً يصدق ويخلص، نتعلم من صمته الصعب، ونزداد خبرةً من كلماته القليلة، ويزداد يقيننا من رؤيته الثاقبة وإيمانه الذي لا يضعف، وقد كانت دوماً عينه على الوطن، وقلبه على الشعب، واهتمامه بالمقاومة، وتركيزه على العدو، ويقينه بعمق فلسطين العربي والإسلامي لا يضعف ولا يهتز.

يتبع ....

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط