كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

كلمة وفاء لذكرى القائد الراحل الرفيق عربي عواد

(أمين سر قيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني – الثوري)

في الحادي والعشرين من آذار 2015، رحل المناضل والقائد الفلسطيني عربي عواد (أبو الفهد)، الذي لم يغادر ساحة النضال دفاعاً عن قضية فلسطين وقضايا الأمة على امتداد أكثر من سبعة عقود من الزمن. وحيث جاء رحيلـه في لحظة حـالكة تمر بها الأمـة وهي تواجــه مخطط إنهاكها بحروب داخلية تمهيداً لتمزيق دولها القائمة وتذرير مجتمعاتها، فإن الاهتمام بإيفاء هذا القائد حقه من التكريم لدى رحيله لم يأتِ بمستوى تاريخه الكفاحي، وإن ما سنحاوله عبر هذه الكلمة، هو إبراز السمات الأساسية التي تميَّز بها هذا القائد، والتي يمكن من خلالها إظهار ملامح مسيرته الكفاحية.

وما سنبرزه من سمات، هو صلابته التي بدت وكأنها فوق الشرط الإنساني، والتي تعود إلى واقع أن هذا الرجل، قد وهب حياته دون تردد للقضية التي نذر حياته لها، وكذلك وطنيته الصادقةالتي تخطّت كل ما يتعارض معها من نظريات فكرية أو عقائد إيديولوجية .ومن ثم قوة إرادته، فعندما كان يندفع نحو هدف، فإن أية عقبات لم يكن بمقدرها وقف اندفاعاته.

وعن سمة الصلابة يمكننا الوقوف عند شاهديْن. يتعلق الأول بتحديه لإرادة الجلادين الذين حاولوا كسر إرادته على مدى 12 عاماً قضاها في السجون والمعتقلات. فخلال تجربة مليئة بصنوف التعذيب وبألوان الضغوط النفسية، بقي هذا القائد المناضل ذا صفحة ناصعة البياض، في حين تلطخت صفحات أقران له كانوا متقدمين عليه في المواقع الحزبية بمظاهر ضعف. وحين كان يراجع فيما بعد، ما جرى من تسامحٍ إزاء نقاط ضعفهم، كان يجزم بأن ذلك قد تم على حساب مواقف الحزب المبدئية فيما يتعلق بالصراع مع الحلف الاستعماري ومع قاعدته الصهيونية، بما قاد إلى تخلُّف الحزب عن احتلال موقعه المتقدم عندما اندلعت الثورة الفلسطينية المعاصرة.

أما الشاهد الآخر، فهو يتعلق بطريقة استقبال الرجل لنبأ استشهاد ابنه البكر المهندس فهد في معارك الدفاع عن الثورة، فقد تصرَّف أمام هذا المصاب كقائد حقيقي، يدرك أن أي مظهر ضعف قد يبدر عنه إزاء مصابه، من شأنه أن يضعف ثقة رفاقه بقائدهم، وبالقيم التي ناضلوا تحت قيادته دفاعاً عنها. ولم يدرك الرفاق في حينه مدى الألم الذي كابده رفيقهم بفقد نجله نظراً لما أظهره من تماسك يكاد يتجاوز الشرط الإنساني، إلى أن أعلن أمام مصاب مماثل لأحد أصدقاء الحزب، بأن ما كان يمكِّنه من التحَّمل في مواجهة المصاب، هو ترديده لقول الشاعر البحتري: "وتماسكت حين زعزعني الدهر التماساً منه لتعسي ونكسي "، حيث أظهر من خلال هذا الإعلان، بأنه كمناضل وقائد ثوري، استطاع أن يحافظ على مشاعره الإنسانية بينه وبين نفسه، وأن يلتزم في الوقت ذاته بما تفرضه عليه القضية التي نذر حياته للدفاع عنها من تماسكٍ وصلابة وقوة احتمال.

وإذ نتوقف عند السمة الثانية للرجل المتعلقة بصدق انتمائه الوطني، فإننا نتوقف عند قصة كفاحه داخل صفوف الحزب وفي مواجهة نهج قيادته المستمد من الخارج، حيث ظل يدعو إلى تغليب كل ما هو وطني على ما عداه من مفاهيم إيديولوجية، تقيم تعارضاً مختلقاً بين الوطنية والأممية. فإبان نهوض مشروع عبد الناصر منذ منتصف الخمسينات من القرن الماضي، دعا هذا المناضل قادة حزبه وهم جميعاً داخل المعتقل، إلى مراجعة موقف الحزب من قرار تقسيم فلسطين الذي انحكم في حينه إلى موقف المركز السوفيتي، ولم تحسم المسألة آنذاك. وبعد حرب تشرين عام 1973، عاد إلى طرح فكرة المراجعة، معتبراً أن الموقف الخاطئ من تلك المسألة، هو ما قاد إلى إلغاء الهوية الفلسطينية للحزب الذي ينتمي له، على اعتبار أن المسألة الطبقية هي الأهم من التشبُّث بالهوية الوطنية. ولم يتخلَّ هذا المناضل عن فكرته أمام ما تعرَّض له من اتهامات بأنه معادٍ للاتحاد السوفيتي وأنه يعبِّر عن انحرافٍ قومي

وفي ظل اشتعال المشاعر الوطنية والعروبية، أمام تعاظم خطر استهداف حركة المقاومة الفلسطينية، ومثلث الصمود والمقاومة السوري– اللبناني - الفلسطيني من جانب حلف الأعداء، وجَّه عربي عواد النداء إلى قواعد الحزب باعتباره ممثل ساحة لبنان، بأن يهبوا للدفاع عن الثورة، وقد تدفق الشباب بالمئات ملتحقين بقواعد الثورة. وحينها شعر كتبة المركز السوفيتي بأنالأمور بدأت تخرج من يدهم بشأن هوية الحزب الفلسطيني الذي بات قيامه يشكل مطلباً تجمع عليه قواعد الحزب، فكان أن حبكوا مؤامرة إعلان حزب ملتزمٍ بسياسات المركز تجاه القضية الفلسطينية، والتي تنطلق من التسليم بحق الكيان الصهيوني في الوجود، مع إغفال واقع أن هذا الكيان ومن خلفه الحلف الاستعماري، يسعون إلى إلغاء وجود الهوية الجامعة للأمة العربية، ليكون العالم العربي ساحة مستباحة لأطماعهم، وقد جاء ردُّ عربي عواد الحازم على هذه المؤامرة المفضوحة بأن أعلن قيام حزب شيوعي فلسطيني يشكّل امتداداً لإرث عصبة التحرر الوطني في فلسطين، التي شكّلت باسمها ونهجها، انتصاراً للرؤية الوطنية فيما يتعلق بطبيعة الصراع حول قضية فلسطين.

ونتوقف بعد ذلك، عند قوة إرادة المناضل الراحل، والتي كانت موضع تقدير من كل من عرفوه في مسيرة النضال التحرري العربية. إذ أخبرني زميلٌ له في المعتقل الصحراوي ،بأن ما كان يتردد وسط المعتقلين حول هذا الرجل، مقولة مفادها: "عربي عواد + جريدة = حزب". وما كنت لأتوقف عند ما رواه الزميل الذي أثق بصدقه، لو لم أكن شاهداً على ما يؤكد صحة ودقة تلك المقولة. وهناك شاهدان على ذلك.

فقد أطلق سراح الرجل من الزنازين قبل فقط من حرب حزيران عام 1967، ومن الضفة التي وقعت تحت الاحتلال، بدأ يتحرك نحو إعادة بناء التنظيم الحزبي الذي فككه تخاذل من أطلق سراحهم قبله ممن ساوموا على المبادئ. وبزمن قياسي أطلق الرجل جريدة الوطن التي جمع الحروف لتنضيدها بجهد ذاتي. ولم تلبث الجريدة أن أنجزت تنظيماً تصدَّر قيادة الحركة الوطنية في الضفة وصولاً إلى القطاع، لتسهم بعد ذلك، في بلورة إطار الجبهة الوطنية التي أفرزت جناحاً عسكرياً لمقاومة المحتلين. وقد يعود المهتمون بتاريخ كفاح الشعب الفلسطيني إلى هذه الجريدة، التي لم تبنِ حزباً فقط في ظروف بالغة الصعوبة، بل بنت حركة وطنية ذات إطار جبهوي.

وفي عام 1981 وبعد جدل طويل وسط قيادة الحزب، سمح للتنظيمالحزبي في لبنان الذي يقوده عربي عواد، بأن يصدر جريدة اختار لها الرفيق القائد اسم "المقاومة الشعبية"، مستعيداً اسم جريدة الحزب التي استبدل بالتقدم تعبيراً عن نهج إصلاحي ساد قيادة الحزب. ولم تلبث "المقاومة الشعبية"، أن غدت صوت الداعين إلى الانخراط في صفوف الثورة الوطنية الفلسطينية من فلسطينيين وأردنيين في قواعد الحزب، وبدا واضحاً في حينه، أن تلك الجريدة قد أقامت حزباً آخر داخل الحزب الذي فقد كل مقومات بقائه. وهنا جاء تدخُّل كتبة المركز السوفيتي كما أشرنا سابقاً، لكي يجهضوا بتعاون مع تيار الانتهازيين في قيادة الحزب، قيام حزب ثوري فلسطيني يكون له دور فيوقف مسار التنازل الذي سارت عليه القيادة الرسمية الفلسطينية، والذي أفضى بها بتعاون مع حزب الانتهازيين، إلى مستنقع أوسلو.

وإذ نتوقف أخيراً، عند منبع تلك السمات التي حكمت شخصية هذا القائد ووسمت مسيرته الكفاحية، فإننا نتوقف عند مخزون طفولته عن أحداث ثورة عام 1936-1939. فما بدا واضحاً مما دأب على روايته حول تلك الأحداث، أنه استمد نقاءَه الثوري، ووطنيته الصادقة، وثقته بطاقات شعبنا، من ذلك المخزون الذي بقي حياً في ذاكرته.

لقد حظي هذا القائد بحب عميق من جانب الأوساط الشعبية ومن أبناء المخيمات، كونه في مسلكه وفي علاقاته اليومية، لم يتصرَّف يوماً كقائد سياسي، بل كمناضل بسيط يخدم القضية التي آمن بها وهي قضية كل أبناء هذا الشعب ولاسيما الفقراء منهم والبسطاء. وانتزع في ذات الوقت احترام من اختلفوا معه بالسياسة، إذ كانوا في قرارة أنفسهم، يحسدونه على خلوِّ مسيرته الكفاحية من أية شائبة ، ويعترفون بأن ما جابههم به من تعرية لمواقفهم، إنما صدر عن حس وطني صادق حكم كل مواقفه، ورافق كل ما اتخذه من قرارات.

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين!

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط