كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

كوابيس إردوغان من أربيل إلى كوباني

بداية الأسبوع، قال وزير البيشمركة مصطفى سيد أمام البرلمان الكردستاني في أربيل: «نحن ننتظر موقف الحكومة التركية لإرسال قواتنا إلى غرب كردستان»، كلمة «غرب كردستان» التي تشير إلى مدينة كوباني التي تقاتل «داعش» وإلى المناطق الكردية في شمال وشرق سوريا - فجرت الغيظ في تركيا.
ورغم موافقة إردوغان لاحقا على عبور أربعين مركبة عسكرية إلى كوباني بعد أسابيع من المماطلة، فقد أثار استعمال كلمة «غرب كردستان» من أربيل، كل الكوابيس التركية دفعة واحدة، على خلفية ما تنطوي عليه من إشارة ضمنية إلى إمكان قيام الدولة الكردية المستقلة، التي تشكل فكرتها شوكة في خاصرة الدولة التركية، التي تبلغ نسبة الأكراد فيها أكثر من عشرين في المائة!
منذ اندفاع الإرهابيين إلى محاصرة كوباني، واجهت أنقرة مشكلة متصاعدة على خلفية الموقف الذي اتخذته من وصول «داعش» إلى حدودها عبر مناطق الأكراد الذين تعتبرهم إرهابيين مثل «داعش». رجب طيب إردوغان الذي وضع أربعة شروط للدخول في التحالف الدولي ضد دولة أبو بكر البغدادي، أراد إصابة عصفورين بحجر واحد؛ أي إسقاط أي طموح لدى الأكراد للتوصل إلى كيان مستقل، وإسقاط بشار الأسد عبر بسط النفوذ التركي في المنطقة العازلة داخل الحدود السورية.
لم يكن في حساب أنقرة التي تخوض صراعا مزمنا مع الأكراد، وخصوصا «حزب العمال الكردستاني» أن التطورات التي فرضتها اجتياحات «داعش» في العراق وسوريا، ستبرز الحضور الكردي كعامل وحيد متقدم ومقتدر على المواجهة والصمود والتصدي للإرهابيين، ففي العراق انهار الجيش وباتت بغداد مهددة، وفي سوريا تآكلت تنظيمات المعارضة امام «داعش» و«النصرة»، ومن الموصل إلى الرقة بدا أن ليس هناك في الميدان غير الكرد يعتمد عليهم للوقوف في وجه الإرهاب الزاحف.
وهكذا، ما إن تحركت قوات البيشمركة في أربيل ومحيط الموصل وتصدت لقوات «داعش» في مناطق «ربيعة» وأجزاء من «زمار» و«كوبر» و«سد الموصل» معتمدة على المساندة الجوية الأميركية، حتى بدأ تدفق السلاح الغربي عليها وخصوصا من ألمانيا، وفي حين ارتفع الصراخ التركي محذرا من أن تسليح الأكراد سيتحول قنبلة موقوتة في المنطقة، لم تتردد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في القول أمام البوندستاغ، وهي توقع على قرار إرسال 700 طن من الأسلحة إلى أربيل وعلى تدريب الجنود الكرد: «قد يكون تسليح البيشمركة خطرا، لكنه قياسا بما يحصل ضروري وملحّ»!
الهواجس التركية التي استيقظت في أربيل سرعان ما تحولت كوابيس متصاعدة في كوباني، بعدما تبين أن قوات حماية الشعب، التابعة لـ«الحزب الديمقراطي الكردي»، تمكنت من صد هجوم «داعش» وهي تقاتل وببسالة، رجالا ونساء، حتى قبل أن يبدأ الأميركيون قصف الأحياء التي دخلها الإرهابيون، وترافق كل هذا مع مخاوف دولية من أن تتمكن «داعش» من اجتياح المدينة وتنفذ فيها مذبحة واسعة!
على هذه الخلفية، تصاعدت الدعوات والمناشدات لتركيا كي تتدخل، لكنها ترفض حتى الآن، وهو ما يثير الاستياء، إلى درجة أن الفيلسوف الفرنسي هنري برنار ليفي كتب مقالا بعنوان «النداء الأخير من أجل كوباني»، قال فيه إن «موقع تركيا في الحلف الأطلسي سيصبح مريبا إذا تركت كوباني تسقط، وإن المطلوب من حلفاء تركيا الأطلسيين وضع إردوغان أمام مسؤولياته... وإنني لا أتخيل أن تركيا يمكن إن تبقى داخل الحلف إذا تعامت عن سقوط كوباني»!
لكن تركيا لم تكتف برفض التدخل فحسب، بل منعت المتطوعين الكرد من العبور لمساندة رفاقهم، كما أنها تتعمد عرقلة فاعلية الضربات الجوية ضد «داعش» لأنها تصر على منع مقاتلات التحالف من استعمال قاعدة أنجرليك، بما يحرمها من الحصول على مدة كافية للتحليق وقصف مراكز «داعش»، بمعنى أنها عندما تنطلق من حاملات الطائرات والقواعد الخليجية، لا يتبقى لها أكثر من خمس دقائق لقصف الإرهابيين، بينما لو انطلقت من تركيا لتمكنت من الحصول على وقت أطول لتنفيذ عملياتها!
في 12 من الشهر الماضي، لم يتوان إردوغان عن الابتزاز، عندما أعلن أن «كوباني تسقط لأن التحالف لم يستجب لشروطنا». لكن الرد الأميركي جاء مؤلما تماما، وأثار نوعا من الذعر في أنقرة بعدما سربت واشنطن معلومات مفادها أنها يمكن أن تضم الأكراد إلى التحالف الدولي الذي يرفض إردوغان دخوله ما لم يستجب لشروطه.
وهكذا، تتسع المخاوف التركية وتتعمق من بروز الدور الكردي وتقدم فاعليته في التطورات الميدانية في سوريا والعراق. وفي هذا السياق، يجب ألا ننسى أنه قبل سقوط الموصل ونينوى، وعلى خلفية الأزمة الحكومية المديدة التي سبقت إخراج نوري المالكي من رئاسة الحكومة، لوح مسعود بارزاني صراحة بأنه قد يذهب إلى إجراء استفتاء لإعلان الدولة الكردية المستقلة في شمال العراق، الذي حصل على نوع من الحكم الذاتي منذ عام 1974.
الحديث عن إمكان قيام الدولة الكردية المستقلة في شمال العراق، يشعل بالطبع الطموحات الكردية في المنطقة كلها. وهكذا، بدا إردوغان مضحكا بالفعل، عندما قال بداية هذا الأسبوع إن أكراد سوريا الذين يقاتلون في كوباني لا يريدون المساعدة من قوات البيشمركة، جاء هذا بعد اجتماع قيادات كردية سورية من «حركة المجتمع الديمقراطي» و«المجلس الوطني الكردي» في دهوك بالعراق بمباركة من مسعود بارزاني وجلال طالباني، حيث اتفقت على إقامة إدارة ذاتية في مناطقها بشمال سوريا، من خلال تشكيل مرجعية سياسية وعسكرية مشتركة تضم 30 عضوا.
الهواجس الكردية تتفاقم يوميا في أنقرة، وخصوصا بعدما نشرت مجموعة واسعة من المقالات والتحليلات في الصحف الغربية عن أن التحالف الدولي وعد الأكراد بتزويدهم بدبابات ومروحيات وأطقم مدفعية حديثة لمواجهة «داعش» في العراق وسوريا، وإذا كانت عمليات إعادة بناء وحدات الجيش العراقي وتدريب قوات المعارضة السورية المعتدلة، تحتاج وفق ما تقول واشنطن إلى عامين على الأقل، وإذا كانت الحرب على الإرهابيين تحتاج إلى عشرة أعوام على أقل تقدير، وإذا كان المقاتلون الأكراد يشكلون خط الدفاع والهجوم الوحيد تقريبا في مواجهة «داعش» - فهل من الكثير إذا استيقظت آمالهم المزمنة بالحصول على دولة مستقلة؟
إن وتيرة القصف الأميركي توحي بأن واشنطن تجعل من كوباني مصيدة لـ«داعش»، لكنها وتيرة مدروسة جيدا، ربما لترسم حدود الدولة الكردية فوق خريطة المنطقة، وقد بتنا نرى فيها خطوط التقسيم بالعين المجردة، وخصوصا في العراق وسوريا.

عن الشرق الاوسط

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط