كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

كورونا، فايروس سياسي وعنصري

كورونا، فايروس سياسي وعنصري

تاريخ النشر: 2020-12-13 | 13:32

سأخرج في رسالتي هذه عن المألوف فيما يتعلق بلوم الناس ووصفهم باللامبالين أو الاغبياء، وتحميلهم المسؤولية الصحية، والاجتماعية والاقتصادية وحتى الأخلاقية-الثقافية عن انتشار المرض، والذي هو أصلا مصنّف كوباء عالمي.  لن أتحدث عن استهتار بعض الناس ولا عن أنانية آخرين، فلست ممن يبرّر مسلكيات خاطئة؛ لكنني قررت ان أرى الى الصورة الاوسع. ولكي أستطيع ذلك، كان عليّ ألا أجترّ ما تقوله الحكومة الإسرائيلية، أو ما يتعمّد الاعلام الصهيوني ترديده، لأنني أعلم أن المنظومة الاستعمارية تهدف دائما إلى تجريدنا من انسانيتنا، بث الشعور أن الفلسطيني غبي، مستهتر، لا يجيد سوى إقامة الاعراس والأكل والعنف وقتل النساء. هكذا تبدع المنظومة الصهيونية في اقتطاع الأمور من سياقها ودمغ الفلسطينيين في الداخل بشتى الأوصاف المنفرة حتى أصبح البعض منا يستعمل نفس اللغة لوصف أهل بلده. وليس مثيرا للشفقة أكثر من الشرقي الذي يمارس الاستشراق على أبناء جلدته!

فرضت اللجنة الوزارية الصهيونية لشؤون الكورونا إغلاقا استثنائيا على الناصرة وأهلها وعلى عدة بلدات عربية فلسطينية أخرى في فلسطين المحتلة عام 48. في هذه الأيام يجري فرض الإغلاق هذا على بلدات عربية تحديدا وحصريا، بادعاء أن 50% من المصابين هم من الفلسطينيين في الداخل. سأتحدث هنا عن الناصرة كمثال باعتبارها بلدتي وأعرف تفاصيل الحياة فيها.

تبذل الحكومة (مدججة بالإعلام الصهيوني) قصارى جهدها لتحميل الفلسطينيين في الداخل وزر انتشار الفايروس ومسؤولية فشلها في إدارة أزمة كورونا. ولقد وجدتها فرصة سانحة لزيادة معاناتنا بحجج تبدو "مقنعة"، وبطرق تتخلص فيها من مسؤوليتها عما يحدث. أصبحت سيارات الجيش تحت مسمى "الجبهة الداخلية" تدخل بلداتنا بكل أريحية لتجعل من حضورها بيننا أمرا طبيعيا، تجوب الشوارع وهي تدعو الناس لإجراء الفحوصات بشكل جارف لا منطق فيه، ويتعارض مع البروتوكولات الطبية المعلنة، وهو ما لا يفعلونه في بلداتهم ومجمعاتهم السكنية.

تعطلت أعمالنا وأصبحت الأوضاع الاقتصادية مع الإغلاق في الحضيض. أطفالنا بلا دوام مدرسي، بلا حياة اجتماعية، بلا مساحة للتنفيس؛ سيما وأنه لا توجد متنزهات ولا حتى مساحات صالحة للمشي أو اللعب كما هو الحال في البلدات الإسرائيلية حيث توجد متنزهات للكلاب أيضا.

ما معنى الثقة؟

أحد العوامل الأساسية التي تؤدي بنا إلى الاصغاء لجهة معينة هي ثقتنا بها. يصغي البشر لمن يثقون بهم، ونتجاهل أو لا نعير اهتماما لمن لا ثقة لنا بهم. قد نصغي حين نشعر بالمحبة والاهتمام من الاخر، ولكن لا نصغي لمن يكرهوننا، لمن لا نثق بهم، لمن يؤذينا. هذه كلها سمات إنسانية لا تخص مجموعة بشر محددة؛ انها فطرة إنسانية تعرف أن تميز الجيد من غيره. لا حاجة لأحدثكم عن كم الثقة الذي تبنيه معنا كل يوم منذ أكثر من 70 عاما هذه المنظومة الاستعمارية بدءا من تهجير أهلنا وليس انتهاء بقتل أبنائنا، هدم بيوتنا ومصادرة أراضينا. نحن لا نثق، وبحق، في هذه المنظومة الاستعمارية العنيفة تجاهنا. طبعا انعدام الثقة هذا لا يقلل من  ضرورة المحافظة على تعليمات السلامة، ولكن فينا شيء ما، خفي أحيانا وظاهر أحيانا اخرى، لا يثق بهذه المنظومة لأنه يعرف انها لا تريد لنا الخير ولا السلامة.

عنصرية سافرة

أقود سيارتي من الناصرة باتجاه يافا فلا يستوقفني أي شرطي. أقودها باتجاه شفاعمرو، تتواجد الشرطة على المسار، لكن لا تستوقف السيارات بشكل ممنهج. المكان الوحيد الذي يتم فيه تحرير مخالفات بقيمة 5000 شاقل للنصراويين هو في مستعمرة "نوف هجليل". المستعمرة المقامة على أراضي الناصرة والرينة وعين ماهل، هي المستفيد الأكبر من فرض الإغلاق على الناصرة. بقدرة قادر (والمنظومة الاستعمارية قادرة) يتم إعلان الإغلاق على الناصرة والرينة ويافة الناصرة لتبقى "نوف هجليل" الواحة الخضراء. حتى المنطق يقف عاجزا أمام هذا الهراء، كيف يصاب كل هذا المحيط ولا تصاب المستعمرة؟ رغم أن العنصرية  ليست واحدة من صفات الفايروس كما أفادت منظمة الصحة العالمية، ولكن يبدو ان الفايروس في بلادنا قد تطبّع وأصبح عنصريا، بل عنصريا متطرفا ووقحا أيضا.

بعيدا عن معادلة الربح والخسارة المباشرين، في الإغلاق إذلال وإفقار وتحكم في تفاصيل حياة أهل البلد. يأتي هذا التحكم في مساحة حساسة جدا، وبحجج يسهل جلد الذات فيما يخصها: إنها صحة البشر، صحة أهل البلد الذين نحب. ولأن فن إخفاء التحكم والتسلط هو أيضا من سمات المنظومات الاستعمارية؛ تبدع المنظومة عندنا في تحميلنا المسؤولية، فتحفر في وعي أهل البلد أنهم أقل، أنهم دون، أنهم بدائيون، ويُمنع الاقتراب منهم لأنهم مرض، وباء، وأغبياء تحركهم عواطفهم وليس عقولهم.

 لسنا دون إنما ظروف بلداتنا دون!

فُرض الإغلاق اليوم ايضا على يافة الناصرة وأم الفحم لتصبح المناطق المغلقة بحجة الكورونا هي: الناصرة، الرينة، يافة الناصرة، أم الفحم، مجد الكروم، عرابة، عسفيا، بقعاتا، حي واحد في حورة، وأحياء اثنين في  كسيفة. كل البلدات المغلقة هي بلدات عربية فلسطينية ولا توجد تحت الاغلاق أي بلدة يسكنها صهاينة.  يا لمحاسن الصدف! كل هذا وما يزال البعض يوجه أصابع الاتهام للناس. ربما على الناس الاهتمام أكثر باستعمال الكمامة دائما، لكن عدا ذلك ماذا يمكننا أن نعمل؟ بلداتنا مكتظة، بيوتنا متراصة، والكثافة السكانية عالية، والغالبية الساحقة أُفقرت وحُشرت ومضطرة لأن تعيش في بيوت وأحواش مكدسة ولا يمكنها أن تعزل نفسها حتى لو أرادت. كل ذلك يكفل انتشار المرض بسرعة، ليس لأن الناس مستهترون، ولكن لأن الواقع الاستعماري مجحف وظالم وسيء وخطير. في بيوتنا لا مساحة للمناورة، اذا أصيب أحدهم بالفايروس على الأغلب سيصاب كل أهل البيت. بيوتنا وأحياؤنا صغيرة ومزدحمة ومتراصة ونعيش هنا على أقل من 2% من الأرض. 20% من السكان يعيشون على 2% من الأرض لكي ينعم ال 80% من المستعمرين بالعيش الرغيد على حسابنا- نحن وشعبنا في مخيمات اللجوء ومواقع الشتات المختلفة سُلبنا 98% من الأرض ليهنأ المستعمر.

الكورونا موجودة وهي خطيرة وتقتل الناس، لكن الإغلاق أهدافه ومنطلقاته سياسية بحته. تفرضه لجنة وزارية على بلداننا العربية الفلسطينية لأجل إفقارها أكثر وإذلال أهاليها. الناصرة كأي بلد آخر، وأهالي الناصرة وعرابة وبقعاثا بشر ككل البشر؛ بعضهم ملتزم بتعليمات الأمان الصحي بالكامل، بعضهم غير ملتزم، والبعض بين بين، ملتزم بشكل جزئي. أجوب بلدتي التي أحب، شوارعها حزينة، متاجرها التي تنتظر موسم الميلاد للحركة التجارية مغلقة ونحن هنا أيتام، بلا أب ولا أم. الإعلام غارق في ترجمة ما يُكتب عنا بالعبرية وترديده لإقناعنا اننا نعاني خللا جينيا يتسبب في تخلفنا. و"القيادات" العربية  هنا لا ترى أبعد من الكرسي ولا أبعد من المشاركة في الكنيست الصهيوني، وتريدنا أن نقتنع أن مزيدا من الانخراط في المنظومة والانصياع لها ينجياننا من شرور المنظومة. لا أدري ما معنى القيادة في هذا السياق الاستعماري إذا لم يكن أخذ الأمور بين أيديها في هذه الظروف تحديدا. يحضرني هنا حكمة إحدى الصديقات:  قد تنجح في إيقاظ نائم، أما من يتظاهر بالنوم فلا يمكن إيقاظه.

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط