كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

كورونا بوابة النظام العالمي الجديد

كورونا بوابة النظام العالمي الجديد

تاريخ النشر: 2020-03-25 | 17:23

لم تخدعنا الأرض، ولم تباغتنا أو تخوننا

لقد حذرتنا مرارًا وتكرارا من أنها قد سئمت أفعالنا وجشعنا واستهتارنا وظلمنا وقسوتنا. أرسلت إلينا رسائلها منوهة عن حزنها، ثم عبرت عن غضبها عدة مرات بشكل عملي. قالت لنا إن التلويث الذي ترتكبه الدول الصناعية والنفطية الكبرى سيتؤدي إلى خراب بيئي يقضي على الفقير وبعده بوقت قصير الغني أيضًا.

على مرأى ومسمع من العالم، ينفجر وباء الكوليرا في هايتي عام 2010، بعد زلزال مدمر لم تتمكن الدولة من مجابهته. هذه دولة ليس لديها نظام صحي، فهي دولة فقيرة، ترغب في اللحاق بركب "الحضارة" اعتمدت النظام الرأسمالي فمات 250 ألف فقير من الزلزال، وعشرة آلاف من الكوليرا، بينما أصيب بوباء الكوليرا ما يقرب من 800 ألف من الفقراء.

الحمد لله الحافظ. الضحايا فقراء لا نأبه لهم. فهل يحب الله الأغنياء وحدهم؟

استمر عمل الرأسمالية القاتل يلوّث البيئة، ويتسبب في فناء الحياة البرية، ويُتعس الفقراء: قلة تعيش حياة الرفاهة على حساب أغلبية تعيش خارج التاريخ. قلة أقل تمتلك ثروات وموارد الكوكب، لتشتري القلة السابقة بالديمقراطية والحرية والرفاهية، وتستعبد الأغلبية.

نظريات فلسفية تخرج علينا مؤسِسة لفكرة أن الفقراء يستحقون فقرهم: جهلة، غوغائيون، مشعوذون، لا يؤمنون بالحرية، لا يستحقون إلا التسيير بالسوط. نعم "democracy.. but when". هم ليسوا مؤهلين للديمقراطية. أو كما قال طبيب الفلاسفة "حقوق الإنسان لديكم، تختلف عن حقوق الإنسان في هذه المنطقة من العالم".

هذا خطاب صريح، مريح، مقنع، يوجهه قادة العالم الثالث لدول العالم الأول، ويقتنع الأخير، فنحن لسنا سوى كناسة البشر: إرهابيون، لا دور لنا سوى خدمة الإنسان المتحضر.

.. ولكن الرأسمالية تقتل.

ما قام به الإيطاليون من استهتار بوباء الكورونا مفهوم في إطار اعتقاد المجتمعات الأوروبية بأنها تجاوزت زمن الأوبئة: نحن أناس نراعي النظافة، ولدينا نظام صحي ممتاز. الأوبئة لا تأتي إلا للقذرين المتخلفين الأغراب. نحن قطعا سنهزم الوباء.

لم تواجه دول العالم الأول وباء سوى فيروس الإيدز في التسعينيات، إلا أنهم وجدوا سبيلًا لطمأنة أنفسهم: هذا فيروس لا يصيب إلا المثليين من الرجال، وعليهم ارتداء الواقي الذكري. "بالوعي والعلم والنظافة والاحتياطات تغلبنا على الإيدز". وربما عنّ لهم أن ذات الآليات ستقيهم كل الشرور.

ولكنهم نسوا أن الرأسمالية تقتل.

تحت حكم نظام شمولي استبدادي، نطق طبيب صيني بالحقيقة وحذّر السلطات من تطور فيروس كورونا الجديد، فاعتقلته السلطات لإنه سيتسبب في إشاعة الذعر، مما ينتج عنه خسائر اقتصادية. مات الطبيب بالفيروس، ثم لحق به آلاف الصينيين الأبرياء، يموتون الواحد تلو الآخر، ولا سبيل للسيطرة.

كان العالم حتى هذه اللحظة أكثر هدوءًا: "فقط احذروا الصينيين الذين يأكلون الخفافيش.. مقززون هم، لذلك أصابهم الوباء".

فلنمارس العنصرية ضد الصينيين وهكذا سننجو. لكن أي تدابير احترازية حقيقية لم يتم اتخاذها. لأن التدابير تعني خسائر اقتصادية، ولماذا علينا أن نتخذ التدابير؟ نحن أناس متحضرون، نحب النظافة، ولدينا نظام صحي ممتاز.

الرأسمالية تقتل.

تدّعي الصين أنها بالاستبداد تمكنت من السيطرة على الفيروس. هكذا تأتي الأخبار من الصين، ولا أحد يعلم الحقيقة.

نظام استبدادي، رأسمالي متوحش كما هو موصوف في الكتب، بلا رعاية، ولا حقوق، يكذب طوال الوقت، لا يأبه لحياة الناس لأن الناس تعدادهم كبير.

قال الصينيون: سيطرنا على الوباء وسنعود إلى الدراسة والنشاط اليومي. وقالت لي إحدى الصديقات المقيمات هناك أن المجمع السكني الذي تعيش فيه قد انتشر فيه الوباء.

لا أحد يعلم الحقيقة.

إلا أنه من الواضح أن الفيروس قد انتقل إلى رؤوساء دول وحكومات، ولم يفرق بين جنسية وأخرى، ولم يهاجم القذرين ويستنثي المتحضرين.

تحولت أوروبا، التي كانت حلم كل تعيس يعيش مقهورًا فقيرًا مغبونًا في العالم الثالث، إلى بؤرة للوباء.

الرأسمالية تقتل.

في فبراير، خرجت إيطاليا عن بكرة أبيها إلى الطرقات احتفالا بكرنفال فينيسيا. لم تحظر السلطات عليهم الخروج، ولم يكونوا ليقبلوا بالحظر إذا ما فرض. هذا مهرجان سنوي، يدر ربحًا كبيرًا على كل أعضاء المجتمع الإيطالي، خاصة الشركات الكبرى التي تتبنى الكرنفال.

النظافة لم تحفظ حياة، والنظام الصحي "الممتاز" ينهار الآن: في التاسع من مارس، وبعد مرور أقل من شهر على الاحتفال بالكرنفال، قالت السلطات الإيطالية أنه لا سعة في مستشفيات النظام الصحي الممتاز لكل هؤلاء المصابين. سوف نقوم باختيار الأفراد الذين سيتم علاجهم، وكأي حرب، سنضحي بالبعض.

وقف الأطباء والممرضون والممرضات يبكون بمرارة وهم يردون مَن هم فوق الثمانين من المرضى، ويعتذرون عن عدم قدرتهم على علاجهم.

الرأسمالية كاذبة.. وتقتل أيضًا.

"عليكم توديع أحباءكم" بكل برود قرر بوريس جونسون، رئيس وزراء بريطانيا، التضحية بالعجائز والمرضى، ولسبب مجهول، ظن أنه يمكن أن يتماثل مع وينستنون تشيرشيل الذي قال للإنجليز إبان الحرب العالمية الثانية "لا أملك لكم سوى الدم والعرق والدموع".

أثار جونسون الهلع في أرجاء الأرض قاطبة. كما أثار الغضب في نفوس الإنجليز: نحن دافعو الضرائب، عليك القيام بواجبك، تبشرنا بتوديع أحبابنا ولا ترغب في تعليق الدراسة أو اتخاذ أية تدابير.

لم يكن جونسون الوحيد الذي تأخر وتكاسل في اتخاذ التدابير والتعامل مع الأمر بجدية، لم يكن القيادة الوحيدة في أوروبا، ولم يكن المواطن الوحيد كذلك.

اعتمادًا على "التحضر، والعلم، والنظافة، والأنظمة الصحية الممتازة" وخوفًا على الخسائر الاقتصادية، وحركة التجارة التي تسمن الأغنياء وتنحت بطون الفقراء، والصناعات الملوثة التي تقتل الملايين من البشر والحيوانات، والسياحة التي تضع اعتماد المواطن في مصدر رزقه على مدى قدرته على الابتسام وخدمة القادمين من أجل تقاضي البقشيش، تأخرت أوروبا في اتخاذ التدابير، فانفجر الوضع.

الرأسمالية تقتل.

"نحن في حالة حرب" هكذا قال إيمانويل ماكرون للفرنسيين، بينما وجه وزير داخليته، كريستوف كاستانير، خطابًا غاضبًا للفرنسيين قائلا "ليس هناك أي مجد في مخالفة التعليمات، ليس هناك نجاة فردية".. تنبه متأخرًا. فاضطرت فرنسا، في ظل احتفالات الشعب الفرنسي، باللا شيء، أمام الشانزيليزيه، إلى تشديد القبضة وتعليق الأنشطة، وتحمل بعض نفقات المواطنين لإجبارهم على المكوث في منازلهم.

الرأسمالية تقتل.. ومع أول صدام تنهار قشرة التحضر.

لا أخفيكم، لقد صعقت من التصرفات الغوغائية لشعوب العالم المتحضر: هرعوا إلى المحال التجارية، وقضوا على الأخضر واليابس، وتقاتلوا على ورق التواليت، ثم خرجوا في الشوارع يحتفلون. تصرفات تنم عن هلع وانعدام عقل، هم خائفون ولذلك تصرفوا بأنانية، وهذا تصرف بدائي. ثم هم خائفون ولذلك خرجوا يحتفلون في الشوارع لتجاوز الخوف بحيلة طفولية، وهذا تصرف بدائي.

.. ونحن؟.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط