كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

كيري يحول القضية الفلسطينية إلى قضية أمنية ( لإسرائيل)

بات واضحاً ، أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري بخطته الأخيرة لحل مشكلة الحدود ، يسعى لتمرير الإستراتيجية الأمنية للعدو الصهيوني على حساب المنظور السيادي للدولة الفلسطينية العتيدة والمرتقبة!! ، وعلى حساب قضية القدس وتجميد الاستيطان وإلغائه ، وعلى حساب حق العودة والأسرى ألخ في الوقت الذي يتشبث به الجانب الفلسطيني المفاوض باستمرار المفاوضات ، مصراً على أن يلدغ من الجحر الواحد مئات المرات.

وقبل أن يطرح خطته ، بالغ كيري في تقديم آيات الولاء والطاعة ( لإسرائيل) علها تقبل بخطته المنحازة لها ، عندما أعلن أثناء لقائه مع نتنياهو بأن المسألة المركزية بالنسبة للإدارة الأميركية في اتفاقي الكيماوي والنووي مع كل من سوريا وإيران ، هي ضمان أمن ( إسرائيل) أولاً وأخيرا.

في خطته الأخيرة طرح كيري ما يلي :

أولاً: بقاء القوات الإسرائيلية في غور الأردن ، لمدة عشر سنوات في محاولة لاسترضاء حكومة نتنياهو ، التي تصر على أن تظل منطقة الغور المحاذية للأردن تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية ، بهدف منع ما أسمته تسلل المسلحين ومنع عمليات إدخال السلاح للضفة الغربية من نهر الأردن.

ثانياً : اعتبار منطقة الغور خلال العشر سنوات هذه ، رغم مرابطة القوات الإسرائيلية فيها ، تحت السيادة النظرية للدولة الفلسطينية المرتقبة.

ثالثاً: العمل على تدريب القوات الأمنية الفلسطينية من قبل مستشارين أمنيين أمريكان ، حتى تكون قادرةً على حماية الحدود مستقبلاً ، أي بعد عشر سنوات.

والمبرر الذي طرحه كيري لهذه الخطة ، أنه لا يريد أن يتكرر في هذه المنطقة وفي الضفة الغربية عموماً ، ما حدث في قطاع غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي منه عام 2005 ، من حيث استمرار ما يسميه بالعمليات الإرهابية ( المقاومة ) ضد المستوطنات الإسرائيلية.

وهذا المبرر متهافت ومكشوف للاعتبارات التالية :

أولاً : أن السلطة الفلسطينية – ويا للأسف- تلعب دوراً رئيسياً ومركزياً في حماية أمن المستوطنين والكيان الصهيوني ، والتزمت بشكل صارم بما هو مطلوب منها في خارطة الطريق ، التي أشرف عليها الجنرال الأمريكي كيت دايتون وجونز وغيرهما ، من حيث وقف عمليات المقاومة وتجريد الضفة الغربية من سلاح المقاومة ، واعتقال كل من يحمل السلاح ضد الإسرائيليين ، في حين لم تلتزم ( إسرائيل ) بالبند المقابل ألا وهو وقف الاستيطان .

ثانياً : أن التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني لم يتوقف لحظةً واحدة ، رغم تعثر المفاوضات ، وذلك بشهادة الجنرالات الإسرائيليين.

ثالثاً : أن السلطة الفلسطينية ملتزمة عملياً بعدم السماح باندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة ضد الاحتلال .

وفي ضوء انكشاف وكذب هذا المبرر الأميركي ، لاستمرار مرابطة القوات الإسرائيلية في منطقة الغور ، يتبين لنا أن كيري يريد أن يلبي المطلب الأمني الإسرائيلي ، على حساب الجانب الفلسطيني ، ما يعني أن الإدارة الأمريكية تسعى لاسترضاء ( إسرائيل ) بشأن الاتفاق النووي مع إيران ، عبر تقديم تنازلات على حساب الجانب الفلسطيني المفاوض.

الأخطر من ذلك ، أن كيري وبكل وقاحته الإمبريالية ، لم ينس أن ينحاز ( لإسرائيل) أيضاً في مسألتين هما :

أولاً : موافقته على أن تباشر حكومة نتنياهو بإقامة (2500) وحدة استيطانية للتعويض عن فترة التجميد الاستيطاني المزعوم في العام 2011 حيث قام بإبلاغ الجانب الفلسطيني بهذا الأمر ، متجاهلاً حقيقة أن العدو الصهيوني لم يتوقف عن البناء الاستيطاني لحظةً واحدة في محيط القدس والضفة الغربية عموماً ، وبشكل خاص بعد استئناف المفاوضات – وفقاً لخطته في تموز الماضي –

ثانياً: أنه توافق مع الجانب الإسرائيلي ، بعدم مواصلة إطلاق سراح الدفعتين المتبقيتين من أسرى ما قبل أوسلو ، في سجون الاحتلال حتى يرضخ الجانب الفلسطيني المفاوض لخطة كيري الانتقالية الجديدة.

وحتى تكتمل صورة خطة كيري الانتقالية ، لا بد من وضعها في الإطار العام والأشمل ، الذي كشف عنه الرئيس الأميركي باراك أوباما في تصريحاته أمام مؤتمر العلاقات الأمريكية الإسرائيلية ، الذي ينظمه معهد بروكينجز الأمريكي ، حول دولة فلسطينية محدودة الصلاحيات في الضفة مقتطع منها الغور والكتل الاستيطانية ، ويلتحق بها قطاع غزة بعد أن يلمس الكرامة والنعيم الذي سيتحقق في الضفة .. ألخ.

وأشار أوباما إلى اختياره للجنرال جون ألين – الرئيس السابق للتحالف العسكري في أفغانستان – للتوصل إلى بعض الأفكار الخاصة بالحفاظ على حل الدولتين التي تحافظ على ما وصفه بجوهر أمن ( إسرائيل) منوهاً بأن الأفكار سيتم طرحها على الفلسطينيين ( ملاحظة: هذه الأفكار طرحها كيري على المفاوض الفلسطيني في خطته الأخيرة ) بانتظار موافقتهم قائلاً : " أن على الرئيس عباس ، تفهم أن الفلسطينيين لن يحصلوا على كل ما يريدونه بين عشية وضحاها على حد قوله ".

إن أدنى قراءة لخطة كيري في ضوء التطبيق المستقبلي لها ، إذا ما وافق الجانب الفلسطيني المفاوض عليها مستقبلاً تقودنا إلى ما يلي :

أولاً : أن المعابر الحدودية الفلسطينية مع الأردن ستظل خاضعة للسيادة الإسرائيلية ، بحيث يلعب موظف الجوازات الفلسطيني دور المناول (Handling) بحيث يستلم جواز السفر من المواطن الفلسطيني وغيره ليقوم بتسليمه للضابط الإسرائيلي ، الذي يقرر دخول هذا المواطن من عدمه .

ثانياً : أن منطقة الغور التي تشكل مساحتها (25) في المائة من مساحة الضفة الغربية ، ستظل تحت السيطرة الإسرائيلية ، ما يعني أن المستوطنات الموجودة فيها ستظل قائمة ، وما يعني حرمان الضفة الغربية من سلة الغذاء الرئيسية .

ثالثاً: أن السيطرة الإسرائيلية المؤقتة على منطقة الغور الحدودية (10 سنوات ) ستبقى سيطرة دائمة ، إذ بوسع الجانب الإسرائيلي أن يفتعل أية مشكلة أمنية في الغور ، تبرر بقائه والزعم بعدم قدرة الأمن الفلسطيني على تأمين المنطقة .

رابعاً: أن هنالك موافقة ضمنية أمريكية، على بقاء الكتل الاستيطانية الرئيسية في محيط القدس والضفة الغربية ، وكذلك مصادر المياه تحت السيطرة الإسرائيلية ، خاصةً إذا ما علمنا أن أحواض المياه الرئيسة في الضفة الغربية ، تقع جغرافيا في إطار هذه الكتل الاستيطانية الكبرى.

خامساً : أننا لا نصبح أمام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة ، بل أمام كانتونات تحمل إسم " الدولة " مجردة من السيادة على أرضها وسمائها ومياهها.

والأسئلة المحددة هنا- في ضوء كل ما تقدم - والموجهة للجانب الفلسطيني المفاوض : أين هي الضمانات الأمريكية الشفوية أو المكتوبة التي تقدم بها جون كيري لكم بشأن الاستيطان وحدود 1967 وغيرها ؟ أين هي الوعود بإطلاق سراح جميع الأسرى الفلسطينيين في مرحلة ما قبل أوسلو ؟ ولماذا الإصرار على إكمال مدة التسعة شهور الخاصة بالمفاوضات تنفيذا للوعد الذي قطع لكيري رغم هذه الهجمة الاستيطانية غير المسبوقة ؟ لماذا استمرار الرهان على الإدارة الأمريكية ؟ ولماذا هذا الإصرار من قبل الجانب الفلسطيني على أن يلدغ من الجحر الواحد مرات ومرات ؟ هذه الأسئلة وغيرها برسم المفاوض الفلسطيني !!

حسناً أن رفضت قيادة منظمة التحرير الخطة الأمريكية ، التي تسعى لحل مشكلة الحدود ، "في إطار اتفاق إطاري يتابع بعده المفاوضين الفلسطيني والإسرائيلي بقية القضايا " خاصةً وأن المنظور الأمريكي لبقية القضايا بات واضحاً وضوح الشمس لمصلحة الكيان الصهيوني .

وحسناً أن تؤكد في بيانها بعد مغادرة كيري للمنطقة " أنها ترفض أية محاولات للانتقاص من حق الشعب الفلسطيني في دولة كاملة السيادة على مائه وترابه وحدوده وعاصمتها القدس " .

ولكن هذا الموقف من قيادة منظمة التحرير لا يكفي ، فالمطلوب عملياً إدارة الظهر لخيار المفاوضات البائس -الذي شكل غطاء لغول التهويد والاستيطان - وإلغاء التنسيق الأمني مع الاحتلال ، وإعادة الاعتبار لخيار المقاومة بكل أشكالها ، وتثمير المقاومة سياسياً خارج أطر أوسلو وخارطة الطريق ، وخارج أطر خطط كيري البائسة والمنحازة لمصلحة الكيان الصهيوني.

نعلم أن هذه المطالب لن تلق أذناً صاغية لدى المفاوض الفلسطيني ارتباطاً بمسألتين هما : أن هنالك قوى اجتماعية محددة نشأت في ظل السلطة ليس من مصلحتها وقف المفاوضات ، وأن هنالك تيار إسرائيلي في السلطة معني بإبقاء الأوضاع على حالها ، ما يستدعي من القوى الحية في الشعب الفلسطيني ومن القوى والكوادر المتمسكة بالثوابت الإستراتيجية الفلسطينية في حركة فتح والجبهة الشعبية والديمقراطية والجهاد وغيرها من الفصائل الفلسطينية ، أن تتجاوز حالة الرتابة وأن تأخذ زمام المبادرة باتجاه إحداث التغيير المنشود تنظيمياً ووطنياً .

[email protected]

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط