كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

كيف حاولت إيران تحويل الدول العربية إلى أشباح متلاشية؟

كيف حاولت إيران تحويل الدول العربية إلى أشباح متلاشية؟

تاريخ النشر: 2017-11-10 | 06:57

إن اعتبرنا التاريخ مسرحاً تجري عليه فعاليات مصير الأمم، فإن معرفة متى ينبغي التدخل، ومتى ينبغي الانسحاب هي من الأهمية البالغة بمكان. والوجود في المكان الخطأ وفي الوقت الخطأ، وربما الأسوأ من ذلك، أن يكون في السياق الخطأ، يمكن أن يسفر عن الحزن والخسران.
قد تكون هذه من بعض الأفكار التي كانت تعتمل في مخيلة رئيس الوزراء اللبناني المستقيل سعد الحريري والتي، وضعها في الاعتبار عند اتخاذ قراره بالانسحاب، بدلا من التظاهر بممارسة دوره السياسي من دون المقدرة الحقيقية على الاضطلاع بمهام منصبه بأي طريقة فعالة. لقد أدرك الحريري أنه يشغل منصباً سياسياً من دون أي سلطات أو صلاحيات فعلية.
وبصرف النظر تماماً عن السبب الحقيقي وراء استقالة الحريري، فأعتقد أنه كان على حق في قرار الانسحاب من السيناريو الذي يستهدف تحويل لبنان إلى «شبح دولة» مع «شبح الرئيس»، و«شبح لرئيس الوزراء»، و«شبح البرلمان».
ولقد صيغ هذا السيناريو في طهران أوائل ثمانينات القرن الماضي مع إنشاء الفرع اللبناني من حزب الله على أيدي السفير الإيراني في سوريا آنذاك آية الله علي أكبر محتشمي - بور. ولقد تبلورت الفكرة الأصلية للتنظيم في عام 1975 عندما أنشأ آية الله هادي غفاري الفرع الأول لحزب الله في طهران بهدف محاربة الشاه. وبحلول عام 1977 جرى إنشاء الفروع السرية للتنظيم في كل من تركيا والكويت.
وكان الأمل من وراء إنشاء التنظيم هو نجاحه في تجاوز الحدود السياسية، والتي تتمخض في غالب الأحيان عن حوادث التاريخ أو تصميمات الإمبراطوريات الكبرى، واستبدالها بالحدود الدينية. وكان الهدف هو إنشاء أرخبيل من المجتمعات الطائفية الشيعية عبر مختلف بلدان الشرق الأوسط، وربطها ببعضها البعض عبر شبكة من التنظيمات الدينية - السياسية الخاضعة لسيطرة إيران. وكان الأساس الجوهري لذلك هو أنه على مدى التاريخ الإسلامي، كان العنصر الذي يربط الناس سوياً هو الولاء للنسخة المتفق عليها من الدين (أي المذهب) بدلا من المفاهيم السياسية مثل المواطنة أو الجنسية.
وأسفر سقوط شاه إيران واستيلاء الملالي في طهران على مقاليد السلطة في البلاد، عن زخم جديد لتلك الخطة من خلال وضع موارد الدولة في خدمة أهدافها.
ومع ذلك، بات من الواضح وفي وقت قريب للغاية أن تلك الخطة الكبيرة لا يمكن أن تتحقق من دون تدمير، أو على أدنى تقدير، إضعاف هياكل الدول القائمة على النمط الغربي والمعمول بها فعلا في الشرق الأوسط. وكانت الدول المستهدفة تملك بدرجة أو بأخرى جيوشاً قادرة على مقاومة محاولات الاستيلاء الإيراني عليها بالقوة.
وكان هذا بالضبط ما حدث في تركيا، إذ قوبلت محاولات حزب الله للانتشار والتوسع بالسحق الشديد على أيدي الجيش التركي.
==
وفي العراق، كانت محاولة الاستيلاء غير الناضجة من قبل الخميني، من أبرز ذرائع صدام حسين في غزو إيران، وشن الحرب الطويلة التي امتدت ثماني سنوات كاملة.
أما في سوريا، ووفقا لما جاء في مذكرات الجنرال حسين حمداني الذي قاد الوحدة العسكرية الإيرانية هناك، بذل الجيش الوطني كل ما في وسعه للحيلولة دون تمكن طهران من إنشاء قواعد متقدمة خاصة بها في البلاد. ولقد تغير الموقف في سوريا عندما سقطت البلاد في هوة الحرب الأهلية على أيدي الرئيس بشار الأسد، وعمليات القمع الوحشية للاحتجاجات السلمية في بلاده.
ولقد تعلم الملالي الدرس من واقع تجربتهم في إيران.
وبعد فترة وجيزة من استيلائهم على السلطة عبر مجموعة من الظروف شديدة الغرابة، أدرك الخميني أنه لن ينال ولاء الهياكل القائمة في الدول في الوقت الذي يفقد فيه القدرة على تدميرهم بالكلية. وبالتالي، وضع الاستراتيجية التي عُـرفت باسم «الموازاة».
لقد أنشأ قوات الحرس الثوري الإسلامي باعتبارها جيشاً «موازياً» للجيش الوطني في البلاد. وأنشأت المحاكم الإسلامية بالتوازي مع محاكم الدولة التي تستند في تشريعاتها إلى قوانين نابليون. ووجد البرلمان الإيراني توأمه في جمعية الخبراء.
وعند تطبيق هذه الاستراتيجية حيال البلدان الأخرى في الشرق الأوسط، اتخذت اسماً جديداً هو «إفراغ المحتوى». وكان لبنان هو المكان الأول الذي اختبرت فيه هذه الاستراتيجية ودخلت حيز التنفيذ.
فلقد أنشأت إيران ميليشيا شيعية لموازاة الجيش النظامي اللبناني. ثم ومن خلال حزب الله أيضا، قامت طهران بتجنيد الحلفاء من بين الطوائف اللبنانية الأخرى، وحولت البرلمان اللبناني إلى وحش من دون أسنان. وفي خاتمة المطاف، نجحت طهران في الدفع بمرشحيها إلى منصب الرئاسة، وضمنت لنفسها حق النقض (الفيتو) في مجلس الوزراء اللبناني. وكان كل ذلك يجر وراءه التكاليف المالية الباهظة.
وفقا للميزانية الإيرانية الوطنية الحالية، فإن إيران تنفق ما متوسطه 60 مليون دولار شهريا في لبنان وحده، وأغلب هذا المبلغ يذهب عبر قنوات حزب الله. ونتيجة لذلك، وكما صرح الرئيس حسن روحاني في خطاب أخير له الشهر الحالي، لا يمكن تحقيق أي شيء في لبنان من دون كلمة إيران الأخيرة!
ولقد رجع الفرع اللبناني من حزب الله على إيران بمردود التكاليف التي أنفقت هناك من خلال المحافظة على الآلاف من الضحايا الذين سقطوا في الحرب المصغرة، التي وقعت مع إسرائيل في عام 2006. والأهم من ذلك، الحملة الجارية لسحق القوات المعارضة لبشار الأسد في سوريا.
وفي العراق، عاد المخطط الإيراني بنتائج جزئية. إذ أنشأت إيران هناك ميليشيات الحشد الشعبي، وهي ائتلاف يضم 17 ميليشيا شيعية، إلى جانب قوات البيشمركة الإسلامية (أي المقاتلين الأكراد الموالين لإيران) بهدف موازاة الجيش العراقي الوطني، والقوة العسكرية القائمة لحكومة كردستان العراق المتمتعة بالحكم الذاتي.
كما تمارس طهران أيضا النفوذ السياسي من خلال حزب الدعوة العراقي الشيعي. ومع ذلك، فإن الآمال الإيرانية لتحويل العراق إلى نسخة مكررة من لبنان لم تحظَ بالنجاح المنشود بسبب أن الكثير من الشعب العراقي يزدري الهيمنة الإيرانية هناك، في حين أن آيات الله الكبار في النجف يعتبرون نظام الخميني في طهران بمثابة «العمل البغيض».
كما واجه المخطط الإيراني في سوريا عدة مشاكل بسبب التدخل العسكري الروسي، وعزم الرئيس فلاديمير بوتين على أن يتم تحديد مستقبل سوريا في موسكو وليس في طهران.
وجاءت نتائج المخطط الإيراني في اليمن بنتائج غير كاملة كذلك. فلقد نجح الوكلاء الإيرانيون هناك، الحوثيون، في إنشاء جيش مواز في صورة تنظيم أنصار الله، غير أنهم فشلوا في تقليم أظافر الجيش النظامي الوطني. كما عمد الحوثيون إلى إعادة الرئيس علي عبد الله صالح إلى الظل، ولكنهم لم يفلحوا في التخلص منه تماما. وعلاوة على ذلك، فإن العمل العسكري هناك بقيادة المملكة العربية السعودية قد وجه ضربة قاصمة إلى آمال طهران، بإقامة لبنان ثانٍ على أراضي اليمن. وفي حالة قطر وسلطنة عمان، استخدمت طهران مبدأ «الفنلدة»، من حيث السماح لهما بالاستمتاع بحالة من الهدوء السياسي الداخلي، في مقابل العمل على تقسيم الصفوف العربية وربط الملالي في طهران بالقضايا الرئيسية في بلادهما.
وعندما تولى محمد مرسي الحكم في مصر، حاولت إيران بيع نفس السيناريو إلى القاهرة.
وجاء وزير الخارجية الإيراني الأسبق علي أكبر ولاياتي إلى مصر حاملاً خطاباً من المرشد الأعلى علي خامنئي. ودعا خامنئي مرسي في ذلك الخطاب إلى «حل» الجيش المصري، وإنشاء قوة عسكرية موازية مهمتها «حراسة الثورة المصرية». ولم يُفلح المخطط الإيراني المقترح على الإطلاق بسبب، كما يقول ولاياتي وخامنئي، أن محمد مرسي رفض المقترح، أو أن الجيش المصري استبق ذلك.
ربما تعتبر استقالة سعد الحريري إشارة إلى أن العرب لم يعودوا مستعدين لمجرد التجهم، وتحمل الأمر أثناء محاولة إيران تفكيك هياكل الدولة، من خلال خلق الصورة الموازية للجيش الوطني، وتحويل الحكومات إلى دمى تتلاعب بها عبر الخيوط الممتدة إلى السفارة الإيرانية العاملة في البلاد.
قد يكون المخطط الإيراني لبسط الهيمنة على الدول العربية قد بلغ منتهاه، وبدأ التقدم السريع للملالي في طهران بالتراجع والتقهقر للوراء. ومن شأن ذلك أن يعني عودة الحدود السياسية والولاءات القائمة على أسس المواطنة، وليس على أسس الطائفية الدينية.

عن الشرق الأوسط

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط