تاريخ النشر: 2026-09-22 | 14:14
تاريخ النشر: 2026-09-22 | 14:14
ماذا لو حدث ذلك؟ سؤال طرحه الكاتب والمؤرّخ الصديق الدكتور عدنان ملحم في مقال له قبل يومين، وهو سؤال مشروع لا شك، إلا أن المشاهد الستّة التي تخيّلها الكاتب لما يمكن أن يتعرّض له الفلسطينيّون من تهجير واقتلاع وتفكيك لمقوّمات الحياة، دفعتني إلى سؤال أشدّ قسوة، وربّما كان هو ما أراد ملحم الوصول إليه: ماذا يمكن أن نفعل كي لا يحدث؟
صحيح أنّ الصديق عدنان أوضح أنّ غايته التحذير وفتح باب النقاش حول الاستعداد للمخاطر، داعياً إلى إعداد خطط وطنيّة ومجتمعيّة لمواجهتها، إلّا أنّ توالي مشاهد "السيناريو الأسوأ" بصيغة تقريريّة، وتفصيل ما يمكن أن يحدث للفلسطينيّين من دون حضور مماثل لإمكانات مواجهته، قد يمنح بعض القرّاء انطباعاً بأنّ الكارثة تسير في اتّجاه واحد، وأنّ القدرة على تعطيلها محدودة أو غائبة.
هذا الانطباع، وإن لم يكن مقصوداً من الكاتب، يطرح علينا سؤالاً إشكالياً: متى يتحوّل التحذير المشروع إلى شعور بالعجز، حتى وإن لم يقصد صاحبه ذلك؟ وهو سؤال لا ينتقص من أهميّة المراجعة والتحوّط لما يمكن أن يحدث، لكنّه يدعونا إلى التمييز بين مجهوليّة المستقبل وإغلاقه؛ إذ ثمّة فارق جوهريّ بين أن نقول إنّ المستقبل مجهول، وأن نسلّم بأنّه مغلق.
فلا شك أن الاعتراف بالهزيمة في معركة محدّدة، أو حقبة بعينها، قد يكون شرطًا لا غنى عنه لإعادة بناء القدرة على خوض معارك أخرى؛ ما يدفعنا إلى المصارحة بأنّ الواقع الفلسطينيّ لا يمنحنا اليوم أسباباً كافية للتفاؤل السهل؛ فثمّة اختلال كبير في موازين القوى، وأزمات سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة داخلية، تضاف تلقائيا إلي تلك المخاطر التي تهدّد الأرض والإنسان معاً؛ ما يعني أنّ مطالبة الناس بالتعامي عمّا يدور من حولهم طلب غير مسؤول، تماماً كأن نعدهم بأن الفرج قريب ونحن لا نملك ما يؤكد هذا الوعد.
هنا تبدأ المسافة بين إدراك الخطر والاستسلام له؛ ففي جانب من جوانب الخطاب المتداول، ولا سيّما على مواقع التواصل منذ السابع من أكتوبر 2023، تتكرّر قراءة مفاعيل العجز الراهن بوصفه عجزاً تاريخيّاً دائماً، وكأنّ اختلال موازين القوى اليوم يحسم مسبقاً كلّ إمكانات الغد في مفارقة تتجاهل أن الحياة نفسها لا تكف عن الحركة والتحول.
ولعلّ أخطر ما يمكن أن يصيب وعينا أن نخلط بين محدوديّة قدرتنا على تغيير الواقع الآن، واستحالة تغييره في المستقبل؛ فالأولى مسألة يمكن اختبارها بمعرفة ما نملك وما نفتقد من أدوات، أمّا الثانية فتحتاج إلى يقين لا يستطيع أحد امتلاكه؛ ببساطة لأن مجهوليّة المستقبل لا تضمن لنا شيئاً، ولكنّنا نهوى إن تعاملنا مع ما نعيشه اليوم باعتباره نهائيّاً، وكأنّ التاريخ استنفد كلّ احتمالاته.
ولكيلا نهوى، نحتاج إلى ما يمكن تسميته بــ "الأمل المسؤول"؛ أي، أمل يعترف بحقيقة ما نواجه من جهة، ويمتلك شجاعة مراجعة الأدوات التي أخفقت من جهة أخرى، على نحو يبحث عن الممكن وسبل توسيع هوامشه، من دون أن يسمح للخوف بأن يقرّر وحده حدود أحلامنا.
وهنا يصبح من الضروريّ أن نعيد النظر في مفهوم الواقعيّة السياسيّة، وفي الأسباب الذاتيّة والموضوعيّة التي تدفعنا إلى استدعائها؛ فهي تقتضي منّا الاعتراف بالخسائر والقيود، وقد تستدعي تغيير الاستراتيجيّات والأهداف المرحليّة، بل والاعتراف بأنّ بعض الأدوات فقدت وظيفتها، لكنّها لا تمنحنا في الوقت نفسه مبرّراً لتحويل موازين القوى الراهنة إلى قدر أبديّ.
فصحيح أن الواقعيّة تملك إمكانية قياس المسافة بين القدرة والهدف، ولكننا لا يجب أن نتعاطى مع هذه المسافة بوصفها دليلاً على استحالة الوصول، وفي المقابل، ينبغي ألّا نمنح الأمل نفسه حصانة من النقد؛ فقد نخطئ في تقدير إمكاناتنا، وقد تفشل محاولاتنا، وقد تكون بعض الأحلام أبعد ممّا تسمح به شروط الواقع في المدى المنظور.
وهو ما يطرح الأمل نفسه على طاولة التشريح: ما الذي يبقى منه حين لا نستطيع ضمان النتائج؟ ربّما تكمن الإجابة في التمييز بين الأمل بوصفه وعداً بالمستقبل، والأمل بوصفه مسؤوليّة تجاهه؛ فالوعد يقول إنّ الغد سيكون أفضل، أمّا المسؤوليّة فتدفعنا إلى البحث عمّا نستطيع فعله اليوم كي لا نترك الغد أسيراً لما هو قائم.
ومن هنا يا صديقي تبرز أهميّة الحلم نفسه؛ فإذا انحصر التفكير السياسيّ في إدارة الأزمات اليوميّة، فقد ننشغل بتقليل الخسائر إلى الحدّ الذي نفقد معه قدرتنا على تخيّل الحياة التي نريدها، وقد يصبح البقاء غاية مكتفية بذاتها، بينما يتراجع السؤال عن نوع الحياة التي نستحقّها.
ففي الحالة الفلسطينيّة، لا يمكن اختزال حقّنا في البقاء على أرضنا في مجرّد الوجود الديمغرافيّ أو الجغرافيّ؛ إنّه حقّ في الحياة والأمن والحرّيّة والعمل والتعليم والكرامة، وفي امتلاك القدرة على تقرير مستقبلنا؛ ولذلك، فإنّ التمسّك بالأرض يحتاج إلى شروط مادّيّة واجتماعيّة وسياسيّة تساعد الناس على الحياة فوقها؛ فلا يجوز أن نترك الفرد وحيداً أمام أعباء البقاء، ثمّ نطالبه بالصمود مهما كان الثمن.
ولعلّ تجاوز فكرة حصر البقاء في مجرّد الوجود، هو ما يحوّل الأمل نفسه إلى سؤال قابل للمساءلة: ماذا نفعل لحماية شروط الحياة؟ وما الذي نحتاج إلى تغييره في مؤسّساتنا وأدواتنا؟ وكيف نعيد بناء قدرتنا على الفعل الجماعيّ؟ قد لا نملك اليوم إجابات مطمئنة عن هذه الأسئلة، وربّما تكشف الإجابات حجماً أكبر من العجز الذي نخشاه؛ لكنّ معرفة ما نفتقده شرط للبحث في كيفيّة بنائه.
نعم صديقي عدنان، لسنا مضطرّين إلى الادّعاء بأنّ الأمل يقف على الباب، أو أنّ المعطيات بدأت بتنفيذ أحلامنا؛ ولسنا مضطرّين، في المقابل، إلى التسليم بأنّ ما نعيشه اليوم هو الصورة النهائيّة لما يمكن أن نكون عليه غداً؛ فحقّنا في الحلم يبدأ من حقّنا في الحياة، ومسؤوليّة الأمل أن نبحث عن شروط هذه الحياة ونبنيها، من دون أن نَعِد أنفسنا بما لا نملك ضمانته، أو نسمح للخوف بأن يقرّر وحده حدود مستقبلنا.