كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

كيف نقضي على المؤامرة؟

أثناء دراستي في جامعة إلينوي بالولايات المتحدة، كان يتوجب على طلاب الدراسات العليا والأساتذة أن يدفع كل واحد فيهم الى سكرتيرة القسم، بضعة دولارات كل أسبوع، تحت اسم «اشتراك القهوة»، من أجل شراء القهوة والشاي وبعض المأكولات الخفيفة التي كانت السكرتيرة تضعها في حجرة منفصلة حتى نستعملها جميعاً. كان معنا زميل مصري يشغل منصب رئيس اتحاد الطلاب المصريين، وقد كان من أكثرنا استهلاكاً للقهوة والمأكولات، الا أنه دفع اشتراك القهوة مرة أو مرتين، ثم امتنع عن الدفع بعد ذلك تماماً. طلبت منه السكرتيرة اشتراك القهوة فزاغ منها مرة بعد أخرى حتى واجهته ذات مرة فغضب وقال:
ـ أنا رئيس اتحاد الطلبة المصريين في أميركا، وبالتالي أنا أمثل بلادي مصر، ولا يجوز أبداً أن تطالبيني باشتراك القهوة أو أشياء من هذا القبيل. أنا لا أسمح لك.
لم تفهم سكرتيرة القسم، العلاقة بين تمثـيل مصـر في اتحاد الطلبة، واشـتراك القهـوة، فتشاجرت معه وقالت إن أمامه اختياراً من اثنين: إما أن يدفع الاشتراك أو يمتنع عن استهلاك القهوة والمأكولات. عندئذ اضطر الزميـل الى دفع الاشتــراك صـاغراً. ثم قابلني بعد ذلك وراح يقنعني ان هذه السكرتيرة تكـره العـرب والمسلـمين، واستشهد بآراء قالتها من قبل ليبرهن على تعصبها. عندئذ قلت له:
ـ قد تكون هذه السكرتيرة متعصبة، لكن خلافكما لا دخل له بمصر أو الإسلام. هي تشاجرت معك لأنك أخطأت وأبحت لنفسك أن تأكل وتشرب على حساب زملائك، وبالتالي اذا كان هناك من يسيء للعرب والمسلمين فهو أنت وليس أحد آخر.
بالطبع لم يقتنع بكلامي لأنه مثل كثيرين يصعب عليه الاعتراف بأخطائه ويستسـهل أن يلقـي بها على الآخرين. تذكرت هذه الواقـعة لأننـا في مـصر الآن كثيراً ما نتصـرف مـثل هذا الزمـيل. نعلـق فشلنا وأخــطاءنا على الآخرين وكأنـنا غـير مسؤولين عن أفعالنا. الاعلام يلح على المصريين ليقنعهم بأن دول العالم كلها تتآمر ضدنا، ولا يسأل أحد نفسه إن كانت المشكلات التي نعاني منها نتيجة لمؤامرة أم نتيجة لسوء الإدارة وفشلنا في علاج الأزمات؟
إن ما يسميه الاعلام بالمؤامرة الكبرى ضد مصر ليس اكتشافاً جديدا وانما هو جوهر العلاقات الدولية على مر التاريخ. الدول الكبرى ليست جمعيات خيرية تحركها مشاعر الرحمة وإنما هي كيانات سياسية لا يهمها الا تحقيق مصالحها بأي طريقة، حتى لو تحقق ذلك بالتآمر أو حتى بشن الحروب. ليس ثمة جديد في أن تتآمر دولة على أخرى تحقيقاً لمصالحها. الولايات المتحدة التي تزعم الدفاع عن الديموقراطية ساندت أسوأ أنواع الأنظمة المستبدة ودعمت نظام مبارك الظالم الفاسد 30 عاماً لأنه كان يحقق مصالحها. وعندما نشبت الثورة حاولت الولايات المتحدة ان تنقذ حسني مبارك بأي طريقة، حتى أدركت انه انتهى فتخلت عنه ووجدت في «الاخوان» بديلا لمبارك فدعمتهم بقوة وتغاضت عن جرائم مرسي جميعاً: أصدر مرسي الاعلان الدستوري وألغى النظام الديموقراطي وأمر باعتقال آلاف المتظاهرين وأمر بقتل المتظاهرين أمام الاتحادية، ثم أمر بقتل 45 مواطنا في بورسعيد ولم نسمع الادارة الأميركية تعترض على هذه الجرائم، لأنها اعتبرت مرسي حليفاً يجب أن تتغاضى عن جرائمه، وعندما ثار المصريون ضد «الاخوان» في «30 يونيو» وأطاحوهم حاولت أميركا إنقاذ ما يمكن من جماعة «الاخوان» ولم تتحمس للنظام الجديد في مصر. كان بإمكان السلطة الانتقالية أن تقرر إجراءات حقيقية تضمن التحول الديموقراطي. كان بإمكانها أن تكفل حرية التعبير وتطبق القانون على الجميع وتحترم الدستور الجديد الذي وافق عليه المصريون، عندئذ كانت سترغم العالم كله على الاعتراف بالتجربة الديموقراطية في مصر، لكن السلطة فعلت عكس ما كان يجب أن تفعله، توسعت في الاعتقالات العشوائية والاجراءات القمعية ثم أصدرت قانوناً للتظاهر يخالف الدستور وينتهك حقوق الانسان، واستعملت هذا القانون من أجل حبس مئات المواطنين سنوات عديدة لأنهم اشتركوا في تظاهرة. بل إن بعض الشبان يقضون أعواما في السجن لمجرد أنهم حملوا لافتة تطالب الناخبين برفض الدستور ثم يحكم أحد القضاة ـ مع احترامنا له ـ على 528 متهماً بالاعدام بعد جلستين اثنتين فقط، بعد ذلك عندما تنتقد المنظمات الحقوقية إجراءات القـمع في مصـر هل نعتبر ذلك مؤامرة كبرى ضدنا، أم نلوم الحكـومة التي وصلت الى الحكـم بارادة الثـورة ثـم تنـكرت لها واستأنفت سياسـة مبارك في القمع وتفصيل القوانين. الغريب أن الحكومة التي تنتهك حقوق الانسان لا تريد لأحد أن ينتقدها وتعتبر معارضيها عملاء وخونة لمجرد أنهم يدافعون عـن الحـق والعدل.. نظرية المؤامرة التي يروج لها الاعلام ليل نهار كانت دائماً سمة أساسية في كل الأنظمة الاستبدادية على مر التاريخ. لا غنى لأي ديكتاتور عن الترويج لنظرية المؤامرة لأنها تحقق له فوائد عديدة أهمها:
أولاً: حجب الجرائم
حكم حسني مبارك مصر ثلاثين عاما وتركها وقد هوت الى الحضيض. قلة من الأغنياء المحظوظين ينعمون بمعظم الثروة، بينما نصف الشعب يرزح تحت مستوى الفقر. ملايين المصريين يعيشون في عشوائيات بلا صرف صحي ولا مياه نظيفة ولا كهرباء ويعانون من الفقر والجهل والمرض. . ثار المصريون ضد مبارك وخلعوه لكن نظام مبارك (كمؤسسات ومجموعات مصالح) ظل سليماً كما هو، فقد حافظ عليه المجلس العسكري السابق ثم «الاخوان» أيضا وبعد أن ثار الشعب وأسقط «الاخوان» في «30 يونيو» يحاول نظام مبارك الآن العودة الى السلطة من جديد وهو يتبنى نظرية المؤامرة ليغسل يديه من الجرائم التي ارتكبها في حق المصريين. فلول نظام مبارك أنفقوا ملايين الجنيهات من اجل فتح قنوات فضائية لتجري عملية غسيل دماغ جماعي للمصريين وتقنعهم ان الثورة المصرية ليست الا مؤامرة أميركية صربية اسرائيلية تركية قطرية، وأن ملايين المصريين الذين ثاروا من أجل الحرية في «25 يناير» وسقط منهم آلاف الشهداء ليسوا الا مجموعة من العملاء المأجورين لأجهزة المخابرات. هذا الهراء لا يستحق الرد عليه، فالسيد مبارك لم يكن مناضلا ضد الاستعمار حتى يتآمر الغرب لإطاحته بل كان خادما مطيعا للسياسة الأميركية حتى وصفه قادة اسرائيل بأنه كنز إستراتيجي للدولة العبرية.
ثانياً: تبرير القمع
عادة ما يستعمل الديكتاتـور نظرية المؤامـرة من أجل تأجيل المطالبة بالحقـوق، فاذا كـانت الدول تتآمر على الوطن فلا يجوز لأحد أن يطالب بحد أدنى للأجور يكفل حياة آدمية للفقراء، ولا يجـوز لأحد، ونحن نتصدى للمؤامرة الكبرى، أن يطالب بحد أقصى لأجور كبار المسؤولين أو بفرض ضرائب تصاعدية على الأغنياء. كما يستعمل النـظام المسـتبد نظرية المؤامرة كي يبرر اجراءات القمع ضد معارضيه. فاذا كان العالم كله يتآمر ضد الزعيم المفدى سيكون من حقه اذاً أن يلقي بالمواطنين في السجون بل إن تعذيبهـم ببشاعـة سيعتـبر من قبـيل التجاوزات التي تقتضيها المرحلة الدقيقة التي يمر بها الوطن. تشير دراسات علم النفس الى أن الضابط الذي يمارس التعذيب لا بد أن يُسقط على ضحاياه صورة سلبية لتمنع عنه تأنيب الضمير.. الضابط في النهاية انسان يمارس في حياته اليومية دور الاب والزوج، وربما يكون جاراً طيباً يساعد جيـرانه، وكثيرا ما يكون متديناً يواظب على أداء الصلـوات، وبالتالي فهو يحتاج الى نظرية المؤامرة لكي يبرر لنفـسه جريمة تعذيب الآخرين وإهدار آدميتهم. لا بد أن يقتنع أن معارضي النظام جميعاً خونة ومخربون يريدون هدم الوطن، عندئذ تتحول صورته أمام نفسه من جلاد الى بطل يدافع عن الشعب والوطن.
ثالثاً: سحق الخصوم
في ظل نظرية المؤامرة لا وجود للرأي الآخر. هناك دائماً رأي واحد يراعي مصالح الوطن وهو بالطبع رأي الزعيم وكل من يحيد عنه أو يختلف معه مشكوك في وطنيته فهو إما طابور خامس للاعداء او خلية نائمة للارهابيين. ان ما يحدث في الاعلام المصري الآن لا مثيل له في العالم. لقد تحوّل بعض برامج التلفزيون الى جهات تحقيق ومحاكم تصدر أحكامها على الهواء، وتحوّل بعض المذيعين الى وعاظ سياسيين يقضون ساعات كي يلقنوا المشاهدين الخط الرسمي الصحيح، وفي الوقت نفسه يمارسون تشويها لسمعة كل من يحمل رأياً مختلفاً. إن حملات التشهير التي تتبناها فضائيات الفلول ضد كل من لا يؤيد السلطة قد انتهكت كل القواعد الأخلاقية والمهنية فصار من العادي أن يلعن المذيع المعارضين ويعايرهم بوقائع في حياتهم الشخصية ويتهمهم بالعمالة بألفاظ صريحة في برامج يشاهدها الملايين. حملات الاغتيال المعنوي للمعارضين لا تستند الى اي دليل او قرينة، ولكن تؤيدها فقط فكرة المؤامرة الكونية الغامضة متعددة الاطراف، وبالتالي فإن هؤلاء المعارضين هم أدوات تنفيذها.
ماذا فعلنا لكي نبطل هذه المؤامرات إن وُجدت؟ مصر تواجه موجة من الارهاب الاجرامي يمارس قتـلا خسيسا لجنود الشرطة والجيش، وعلى جبهـة اخرى تتحمل بلادنا أوضاعا بائسة من الفساد والاهمال والفقر والمرض والجهل، وهذا هو الميراث الذي تركه لنا مبارك ومن بعده المجلس العسكري و«الاخوان». لا يمكن أن نقضي على الارهاب بالقمع وإنما نقضي عليه بالعدالة. لقد تغير المصريون بفضل الثورة وهم لن يقبلوا الاستبداد تحت أي مسمى. طريقنا الوحيد الى المستقبل تطبيق إجراءات ديموقراطية تؤسس دولة القانون. عندئذ فقط سنبطل كل المؤامرات.
الديموقراطية هي الحل

عن المصري اليوم

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط