كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

كيف يكون "ختامُهُ مسك"؟

كيف يكون "ختامُهُ مسك"؟

تاريخ النشر: 2018-11-18 | 08:08

أقود سيارتي في الطرق الجانبية وليست الرئيسية كي أتفادى فيها الازدحامات المرورية في مدينة رام الله وقت الذروة، فانحرف بسيارتي القادمة من منطقة البالوع باتجاه بطن الوادي من منطقة المصايف وعين مصباح وصولا الى حي الطيرة، حيث حركة السيارات في هذا الشارع الملتف حول المدينة قليلة، فتجعلك هذه الحالة قادرا على التأمل والتفكّر بأناة بين أحضان الطبيعة والهدوء الذي لا يقطعه الا صوت الطيور، وأحيانا السيارات القليلة، وكثيرا ما يكون صوت التفكر أكثر صخبا من وقع أقدام المحتلين لأرضنا في كل مكان، ولمن لم يجرب ذلك فعليه أن ينتحي جانبا من طريق زراعي رغم حواجز الاحتلال البغيضة، ويستمع لصوت الطبيعة فيجد ما لم يحس به من قبل.
عموما كنت استمع لإذاعة القرآن الكريم وهي واحدة من 6 إذاعات وضعتها في المفضلة للمذياع في السيارة ، وما أن قرأ الشيخ ماهر المعيقلي الآية الكريمة القائلة (خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ-المطففين (26)) حتى لمعت في ذهني فكرة.
في الحقيقة فهذه ليست المرة الاولى للمعان الذهني، إذ كلما قرأت او استمعت للقرآن الكريم كلما ازددت جهلا الى جهل، ما يدعوني لاعادة البحث والتنقيب والتمحيص والتفكر والقراءة، حيث لا أقبل السهل الميسور، أو اليسير غير المُسند أو التفسير الخرافي، بل أنقب وراء الفكرة وحولها وما بين أعشابها المتسلقة أو الضارة أو تلك الممتدة لخارج النص امتثالا لأمره تعالى في التفكر والتامل، "إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" ﴿ الرعد3﴾
المهم أن الآية الكريمة هذه –كما كل آيات الذكر الحكيم- وبهذا الوقت كانت فاتحة من فواتح التفكيرلدي، وأنا أضع كتابا ومجموعة دراسات ودورات حول العمل الجماعي وفن الحديث والاستنهاض وانجاز العمل وقيادة الذات.
قال المفسرون
فكان لزاما أن أعود أولا للتفسير حسب المصادر المعتمدة، فركنت السيارة جانبا واستعنت بالبحث الالكتروني عبر "غوغل" لأصل للنتائج المبهرة التالية، حيث كان التفسير للمصحف الالكتروني لجامعة الملك سعود يقول التالي: قال إبراهيم والحسن (ختامُهُ مسك) أي عاقبته مسك، وعن أبي الدرداء (ختامه مسك) قال شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم ولو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد طيبها .
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد (ختامه مسك) قال طيبه مسك، وقوله (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) أي وفي مثل هذا الحال فليتفاخر المتفاخرون، وليتباه ويكاثر ويستبق إلى مثله المستبقون كقوله ( لمثل هذا فليعمل العاملون ) الصافات : 61
أما الشيخ السعدي فيقول في تفسيره الجميل: {فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} أي: يتسابقوا في المبادرة إليه بالأعمال الموصلة إليه، فهذا أولى ما بذلت فيه نفائس الأنفاس، وأحرى ما تزاحمت للوصول إليه فُحُول الرجال (ونقول والنساء بالطبع).
وفي الوسيط للشيخ الطنطاوي تفسير جميل ولطيف آخر إذ يقول: التنافس : التغالب فى الشئ النفيس، وهو الذى تحرص عليه النفوس ، بحيث يبتغيه ويطلبه كل إنسان لنفسه خاصة . يقال: نفس فلان على فلان بهذا الشئ - كفرح - إذا بخل به عليه . أى : ومن أجل الحصول على ذلك الرحيق المختوم ، والنعيم المقيم . . فليرغب الراغبون ، وليتسابق المتسابقون ، وليتنافس المتنافسون فى وجوه الخير. عن طريق المسارعة فى تقديم الأعمال التى ترضى الله – تعالى.
أما في تفسير الامام البغوي فيقول أن: المختوم الذي له ختام، أي آخر ، وختم كل شيء الفراغ منه . وقال قتادة : يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك .
أما الشيخ الطاهر بن عاشور فيقول أن {ختامه مسك} تُفسر بأن المعنى ختام شُربه ، أي آخر شربه مسك ، أي طعم المسك بمعنى نكهته، ويضيف وجملة : {ختامه مسك} نعت ل {رحيق}.
وفي سياق محاججته اللغوية اللطيفة يقول أن: تنافسوا صيغة أمر في ذلك، فليتنافس المتنافسون فيه ، ويكون الكلام مؤذناً بتوكيد فعل التنافس، مضيفا لنا من علمه الرائع أن التنافس : تفاعل من نَفِسَ عليه بكذا إذا شح به عليه ولم يره أهلاً له وهو من قبيل الاشتقاق من الشيء النّفيس (الثمين)، وهو الرفيع في نوعه المرغوب في تحصيله . وقد قيل : إن الأصل في هذه المادة هو النَفْس. فالتنافس حصول النفاسة بين متعدد .ولام الأمر في {فليتنافس} مستعملة في التحريض والحث.


التنافس بمعنى الحصرية أم التعددية
وبعد قليل من التبصر فالفكرة التي لمعت في ذهني وجعلتني أعود للتفاسير بتعددية شروحاتها التي تظهر سماحة ورحابة الدين الاسلامي فإن العلاقة بين النتيجة والسبب أضحت لدي واضحة او العلاقة بين العمل والأجر، أو العلاقة بلغتنا العربية الحديثة بين الغاية وتحقيق الهدف هي ما بين المسك والتنافس، إذ أن التنافس بمعنى الحيازة للشيء دون الآخر وقطعا دون الاضرار به، وانما بالتسابق معه تصبح فعل أمر للناس مادامت النتيجة المتوخاة قابلة لأن توزع على الجميع أي حصول النفاسة بين متعدد. وليست حكرا او حصرا على شخص اوحزب او تنظيم!
في المنافسة الرياضية قد لا يفوز الا فريق واحد او شخص واحد، وفي منافسات الشركات قد لا تفوز الا واحدة أو أكثر ولكن دون الاخريات، وهكذا، اما في المنافسة بالطاعات والأعمال الجليلة، فالجميع قد يكون فائزا ما دام التزم بالشروط الربانية.
وهنا الاختلاف، فتحقيق النتيجة المرجوة عند الله تعالى هي لكل الفائزين الذين نافسوا أنفسهم او غيرهم في درء المعاصي واتقائها، وتحقيق الطاعات.

ثلاثة تأملات
لنتأمل ثلاث مرات فيما سبق اشباعا لما لمع في ذهني من الآية الكريمة بالصوت الشجي للشيخ ماهر المعيقلي: الـتأمل الاول-حيث يقول المفسرون الكرام أن (الختام) في "ختامه" تعني العاقبة، وتعني الآخِر، أي بمصطلحنا الآن: النتيجة وتحقيق الهدف، فلا عمل مكتمل بلا هدف مُنجز، ولا عمل مكتمل بلا ختام له وآخر، ولا عمل بلا عاقبة ايجابية أوسلبية نشمها ونتذوقها.
الثاني-اما في (التنافس) فيقول المفسرون: يتسابقوا ويبادروا، ويقولون: يتباهوا ويتفاخروا، حيث في الأولى عمل وجهد وانجاز، وفي الثانية حصول النشوة والفخر والسعادة من تحقيق العمل، وكأن المنافسة لها من الأركان ثلاثة هي: الهدف والعمل والسعادة، حيث تفترض المنافسة تحقيق الهدف من خلال العمل وتستدعي الاحساس بالسعادة، والاحساس بالسعادة هنا بالطعم والنكهة والرائحة واللون حيث المسك.
الثالث من التأملات أو التفكرات –حيث جاءت لام الأمر بالشأن العظيم شاكرين إشارة ابن عاشور اللغوية اللطيفة، فاللام في كلمة "فليتنافس" فيها الدفع والحث والتحريض لتحقيق النتيجة بنفيس (ثمين أو جليل) العمل أو الواجب المحقق للهدف.
فماذا يمكن أن نقوله أيضا في علم الإدارة والتنظيم والسياسة والثقافة استفادة وتأملا من الآية الكريمة؟ أقول أن الانسان أو الجماعة أو الفريق ما كان الهدف لديه -أو لديها واضحا،وقيمة الهدف اوايجابيته تتحدد وفق مرجعية الانسان أو الفريق-وعمل له، لتحقيقه، بمنطق المجاهدة في ذاته وخارجها، ومع صحبه أو فريقه، وبمنطق المنافسه للفوز والفخر، دون إضرار بالآخر بل التعاون معه، كلما كان تحقيق الهدف محتوما ومختوما بالمسك حيث الاحساس بالسعادة الداخلية والخارجية.
إن التنافس أي السعي الحثيث والمجاهدة والعمل لتحقيق أو لبلوغ الشيء النفيس اوالنتيجة المحققة للهدف، وهو ما نقوله في العلم الحديث يدخل في نطاق الحفز والحث ليخرج الانسان أفضل ما لديه من امكانيات او طاقات ما هو من مهمة الشخص اتباعا لايمانه بالهدف وإرادة العمل لديه، وما هو من أوجب واجبات القائد نحو من يقودهم، ما أشبع مؤقتا النقطة التي لمعت في ذهني، ثم ادرت محرك السيارة، وتوجهت لأطبع ما بحثت عنه ومحصته وكتبته مرددا الحمد لله دوما، "وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا".

×
أخبار
انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط