كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

لافتة... خالد صالح

كتب صديقي الحميم د. أسامة الفرا، مقالة جميلة ومنصفة، عن المناضل والأخ العزيز خالد صالح المُكنى "عز الدين"، الدبلوماسي الفلسطيني في الجزائر، الذي ينهض الآن بعملية إعلامية دؤوبة لا تتثاءب، لدعم أسرى الحرية وإعلاء شأن قضيتهم. وفي الحقيقة، أحسست بالفخر بخالد صالح، الذي بات علماً مميزاً موصولاً بواحدة من أهم فضاءات الوجدان الفلسطيني. فالأسرى يمثلون واحدة من أنبل قيم نضالنا الوطني ورمزياته. وقد ثمّنت عالياً، تعاون الصحفيين الجزائريين معه واستيعابهم للمادة التحريرية المخصصة للأسرى في صحفهم، بمساحات معتبرة وبالنشر المستمر للملاحق، على النحو الذي لم تفعله الصحف الفلسطينية بالحجم نفسه وبالاستمرارية نفسها، وبالتركيز نفسه. ففي ملاحق خالد، يجري التركيز على قضايا وأسماء وصور وحكايات قديمة جديدة. وأخص هنا بالإشادة، الأخ عز الدين بوكردوس، رئيس تحرير صحيفة "الشعب" الجزائرية!
كيف بدأ خالد صالح رحلة عطائه في الجزائر وكيف تألق وأصبح يحظى باحترام كل من يتابعون قضية الأسرى، وكل أسرهم وأصدقائهم وأقاربهم؟
ليسمح لي أخي خالد، أن أروي الحكاية، لا لشيء، سوى تذكير السفارات والسفراء، بالنتائج الإيجابية والباهرة، عندما توسع هذه السفارات ويوسع السفراء حوصلتهم ويستوعبون أبناء شعبهم الشرفاء، بصرف النظر عن عناوينهم الفصائلية الأولى أو الأولى والأخيرة.
في العام 1993 قال لي الشهيد القائد د. فتحي الشقاقي، مؤسس وأمين عام حركة الجهاد الإسلامي (وقد جمعتنا صداقة جميلة وعميقة) إنه لا يستطيع أن يتبنى كوادر الجهاد مالياً، في الشتات الواسع، وأن يُجري لهم رواتب شهرية. وأبلغني، بلغته المحببة الشبيهة بالدعابة:" يا أبا شعبان، أنا عليّ تزويجهم، وأنت عليك توظيفهم، ولا قلق عندي كما تعرف، من أن يكونوا معك في فتح". وفي الحقيقة، سافرت من الجزائر الى تونس، وعرضت الأمر على الشهيد الرمز "أبو عمار" فأجابني بالموافقة وأعرب عن ثقته العالية بالشهيد د. فتحي.
حدث الكثير، في ذلك السياق. وكان خالد صالح (عز الدين) بطل إحدى الحكايات، وكنت أخذته مرات، في سيارتي، في رحلات مئات الكيلومترات، من العاصمة الى وهران. في المرة الأولى، ذهبت لأطلب له يد ابنة المرحوم د. أحمد السوافيري، وهو رجل رقيق، وأستاذ أدب في الجامعة، شديد البساطة والعفوية، والجلسة معه فيها إمتاع بلا حدود. وبمحض المصادفة، عرفت أن د. أحمد، هو شقيق المرحوم د. كامل السوافيري، الذي كنت على صلة دائمة به في القاهرة، وهو رائد من رواد النقد الأدبي الفلسطينيين، المقيمين في القاهرة، على الرغم من كونه أحد الجنود المجهولين في الأوساط الثقافية الفلسطينية، على صعيد التعريف بشعر المقاومة والوطن. وقد نشر كتاباً ضخماً في العام 1957 عن يشرح فيه الشعر الفلسطيني المقاوم. كنا نجتمع مع نخبة من الأدباء، في مقهى "الأندلس" الثقافي والسياحي، في حي "روكسي" الذي كان يستأجره الأستاذ أحمد مصطفى ياغي الفلسطيني القومي العربي. وكان المقهى، قديماً، محطة استراحة في منتصف حلبة لسباق الخيل، يرتادها الملك فؤاد وابنه فاروق، ثم اصبح ضمن ما سميت مدينة غرناطة السياحية، قبل أن تُقام على أرض الحلبة، بينما ظلت الاستراحة التي استأجرها مصطفى ياغي، وجعلها مقهى عاماً، وفي ركن منه مقهى ثقافي يضم يومياً كُتّاباً وشعراءً ومثقفين.
كانت علاقتي بالدكتور كامل، مدخلاً لعلاقة مع والد العروس د. أحمد، واختصار مسافات ومقاربات. وكان العريس، وفي هيئته الجسمانية بعض الامتلاء، وتتبدى عضلاته بقميص الأكمام القصيرة، ووجهه سريع الاحمرار؛ جالساً في صمت، في إهاب الشاب البطل، الخارج من الزنزانة، رغماً عن أنف السجان. فقد هرب خالد من السجن، مع رفاقه الأبطال الأربعة، ومعظمهم باتوا شهداء بعدئذٍ. كان خروجهم بكسر قضبان السجن والقفز من فوق أسواره، قد ألهب الوسط الشعبي، وصنعوا بنشاطهم إحدى أهم محركات وعناصر تفجير الانتفاضة الطويلة الأولى، التي افتتح مصباح عبد الله الصوري، ومحمد سعيد الجمل، بدمائهما، فصلها الأول. ومصباح ومحمد، رحمهما الله، شابان بديعان، يحفظان القرآن كاملاً، وهما اثنان من الهاربين الخمسة من السجن!
بعد أن نطق محسوبكم بالجملة المعهودة وهي أنني أطلب يد كريمتكم لأخي خالد، كان جواب د. أحمد، بمنطق الأب الذي من واجبه الاطمئنان على حياة ومستقبل ابنته، في صيغة سؤال عن طبيعة عمل خالد ومصدر دخله، وهو سؤال مشروع عن "الباءة" التي تحدث عنها النبي محمد عليه السلام!
كأنما استفز السؤال أخي خالد. فلم أكن قد انتهيت بعد، من ترويض ذلك الفرس الجامح. لم يترك لي خالد الإجابة. رد من فورِه: "أنا مجاهد في سبيل الله". هنا، وجد د. أحمد نفسه، في قلب ورطة أو اشتباك، بين ثقافته كأستاذ أدب، يُعلي من قيمة المعاني ويجعل من حبتها قُبَّة، ومسؤوليته الخاصة والحصرية كأب ينبغي أن يضمن راحة ابنته. في تلك اللحظة، تلعثمت بلاغة الرجل، ومعها بلاغتي ككاتب وديبلوماسي ومقاتل وأسير وجريح سابق. عقّب د. أحمد، بأنصاف جمل: "يعني بس... يعني برضه.. يعني الدنيا مش كلها جهاد". لكنني طمأنته، وقرأنا الفاتحة!
قبلها، كان خالد قد جاءني مع عزيز آخر، له قصة تضاهي في الإثارة قصته هو. فقد كانت الجزائر، في خضم مرحلة الإرهاب الإسلاموي، ولا تريد منتمين لحركات إسلامية، فلسطينيين وغير فلسطينيين، لأن فيها ما يكفيها. أرسلت السلطات، لكل منها، بلاغاً، بضرورة مغادرة التراب الوطني خلال أسبوع. والجزائريون محبون وأنقياء ولا يفعلون مثل سلطات أخرى تتعسف وتقبض على غير المرغوب فيهم وتسجنهم ثم تطردهم. كنت أستأنس بأريحية الجزائر وروحها، عندما قررت استضافة الأخوين في بيتي لريثما أتمكن من حل المشكلة جذرياً. وبيتي له حصانة كديبلوماسي نائب للسفير بدرجة سفير، ولي علاقات مع مسؤولي الدولة. وفي بيتي استطابت لي أحاديث المساء مع الأخوين وسواهما، وظللنا أشهر طويلة، نعيش في بيت واحد. ذهبت الى "الختيار" وعرضت عليه صيغة الحل ووافق دون تردد: أخذ الأخوين، على كشوف جيش التحرير الوطني الفلسطيني، خالد كضابط عامل، والآخر كضابط طبيب، لأنه طبيب نطاسي ممتاز، تخرج بعد رحلة دراسية عجيبة في ثلاث دول، لقفته الواحد للأخرى طرداً!
كانت رواتب العسكريين الفلسطينيين في الجزائر، ضئيلة بالنسبة للمتزوج. لذا كانت الخطوة التالية، هو نقل الأخوين للسفارة وسرعان ما أصبح الأخَوان، من العناصر الإيجابية والمتحمسة لخدمة الناس والجالية والمناسبات الوطنية والعلاقات الجزائرية الفلسطينية. ومضت مياه كثيرة في مجرى النهر، وظل خالد صالح، بالروح نفسها التي جعلته يقص قضبان نافذة الزنزانة، بجرأة متناهية، ويغادر سجنه. في العادة، كان السجن، يلفظنا نحن الأسري السابقين بعد انتهاء مدد محكومياتنا أو بالتبادل، لكن خالد كان واحداً من القلائل، الذين لفظوا السجن ولم يلفظهم!
في وقت مبكر، من علاقة خالد بي، وبسبب بعض نزقه وهيئته كممتلئ، كنت أداعبه وأقول له: "يا أنا". كان هو ورفيقه ومن يتواجدون في بيتي من الضيوف والأصدقاء والقادمين من ولايات بعيدة، هم القراء الأوائل لمقالتي بخط اليد بعد أو قبل إرسالها بالفاكس الى جريدة "القدس العربي:. ومرت الأيام، فيما خالد يؤكد على حُسن الظن به، ويصبح نديم الأسرى، كأن لقضيتهم قضبان، وفي يده منشار لا يكف عن القص، توخياً للحرية!

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط