كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

"لا سلام بلا مساءلة"..عندما يتحول التكريم إلى موقف

"لا سلام بلا مساءلة"..عندما يتحول التكريم إلى موقف

تاريخ النشر: 2026-02-19 | 12:08

في لحظة استثنائية جمعت بريق السجادة الحمراء بوجع الضمير الإنساني،وقفت المخرجة التونسية كوثر بن هنية في حفل "سينما من أجل السلام" ببرلين،لتعلن للعالم أن الفن ليس مجرد أداة ترفيهية،بل هو صرخة في وجه الظلم،وشاهد على جرائم قد تطويها النسيان إن لم تواكبها المساءلة.فوز فيلمها "صوت هند رجب" بالجائزة لم يكن مجرد تتويج سينمائي،بل تحول إلى منصة سياسية وأخلاقية بامتياز،خاصة مع حضور شخصيات سياسية وفنية مرموقة مثل هيلاري كلينتون وكيفن سبيسي.

-هند رجب..الصوت الذي يقرع جدار الصمت:

قبل الخوض في تفاصيل الموقف،لا بد من استحضار روح الفيلم نفسه."صوت هند رجب" ليس مجرد عمل سينمائي عادي،بل هو شهادة حية على جريمة قتل الطفلة الفلسطينية هند رجب وعائلتها على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي في غزة.الفيلم يحمل في طياته معاناة صوت طفلة تطلب النجدة تحت القصف،وتفاصيل مكالمتها الأخيرة مع الهلال الأحمر الفلسطيني،قبل أن تباد هي ومن حاول إنقاذها.إنه فيلم يجعل من السينما أداة توثيقية أمام تقاعس المجتمع الدولي.

-جوائز بلا ضمير :

المشهد في برلين كان معبرا: قاعة مليئة بالنجوم والسياسيين،وجوائز توزع باسم السلام،بينما تُقتل الطفلة هند فعليا وتُدفن تحت الأنقاض.هنا تجلت عبقرية الموقف عندما أعلنت بن هنية رفضها تسلم الجائزة،قائلة: "سأتركها في مكانها،ولن أعود لأخذها إلا عندما يقترن السلام بمساءلة قانونية وأخلاقية واضحة". 

هذا الرفض لم يكن موجهًا للجائزة بحد ذاتها،بل لكل المنظومة التي تمنح جوائز رمزية وتتغاضى عن جرائم حقيقية.

ما فعلته كوثر بن هنية هو تجسيد حي للمقولة التي رفعتها: "لا سلام بلا مساءلة".فالسلام الذي يُبنى على إسقاط حقوق الضحايا،أو التغاضي عن جرائم الحرب،هو مجرد وهم كبير.فعندما تُقتل طفلة برصاص قناص وهي في سيارة إسعاف،ثم تُمنح جائزة لفيلم يروي قصتها،يصبح التكريم بلا معنى إن لم يكن مقدمة لمحاكمة الجناة.إنها تدعو إلى سلام نابع من العدالة،لا سلام المهزومين والمقهورين.

-الفنان كشاهد تاريخي:

في زمن تغيرت فيه موازين القيم،وأصبحت فيه بعض المحافل الدولية تغطي على الجرائم بدلا من كشفها،يبرز دور الفنان الحقيقي كشاهد على عصره. 

كوثر بن هنية لم تكتفِ بإخراج فيلم يوثق الجريمة،بل استكملت دورها برفضها أن تكون جزءا من مسرحية السلام الزائف.لقد حولت لحظة التتويج إلى لحظة محاكمة أخلاقية للحاضرين، وللمنظمين،بل وللعالم بأسره الذي يكتفي بمشاهدة المأساة من شاشات التلفاز.

في النهاية،تبقى المخرجة التونسية الكبيرة كوثر بن هنية نموذجا للمثقف العضوي الذي لا ينفصل عن قضايا أمته،وللفنان الذي يدرك أن الكاميرا سلاح،وأن الجوائز قد تكون أحيانا أقنعة تخفي خلفها وجوه الدم. 

وما زاد المشهد تعقيدا أن الحفل نفسه كرّم في نفس الليلة ضابطا إسرائيليا متقاعدا،هو اللواء نوعام تيبون،عن دوره في فيلم وثائقي كندي يروي إنقاذ عائلته من هجوم 7 أكتوبر.هذا التزامن لم يكن محايدا،بل كشف عن البنية التي تتحدث عنها بن هنية: بنية تستطيع أن تحتفي بضحايا من جهة،وتكرّم من ينتمي إلى الجيش الذي يقتل الأطفال من جهة أخرى،وكأن الكفتين متساويتين في ميزان العدالة.

ما فعلته كوثر بن هنية يطرح سؤالاً أعمق حول دور الفنان في زمن الجرائم الكبرى.هل الفن مجرد مساحة جمالية محايدة،أم أنه يحمل مسؤولية أخلاقية تجاه ما يوثقه؟ هي نفسها أجابت عن هذا السؤال في مقابلة سابقة: "عندما تشاهد هذا الفيلم،فإن فعْل المشاهدة يجعلك شاهدا على جريمة ما.وبأن تصبح شاهدا،تشعر بالمسؤولية تجاه شيء ما.

رد الفعل الرئيسي الذي سمعته من جماهير حول العالم هو: ماذا يمكنني أن أفعل؟" .

هذا التحول من المشاهدة إلى الشعور بالمسؤولية، ثم إلى التساؤل عن الفعل الممكن،هو جوهر ما أنجزته بن هنية بفيلمها وموقفها معا.

 الفيلم يجعلك شاهدا،والموقف يجعلك شريكا في السؤال.

الإجابة عند بن هنية واضحة: عندما يكون السلام مساءلة،وعندما تكون العدالة حقيقة،وعندما يصبح صوت الطفلة التي قتلتها الرصاص أقوى من خطابات القادة ومنطق القوة.حينها فقط يمكن للفن أن يحتفل.أما الآن،فدوره الأسمى هو أن يشهد،وأن يرفض،وأن يذكر العالم بأن السلام الحقيقي يبدأ حيث تنتهي الإفلات من العقاب.

هذه هي معادلة كوثر بن هنية الصعبة: لا سلام بلا مساءلة،ولا فن بلا مسؤولية،ولا مستقبل للبشرية دون أن تحاسب من قتلوا أطفالها.

 وفي انتظار ذلك اليوم،ستظل الجائزة هناك، شاهدة على زمن لم نستطع فيه أن نحمي هند،ولا أن ننصف صوتها.

 

 

×
أخبار
مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط