كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

لا كرامة لمن لا سفيه له

أثبتت الوقائع والأيام، وما وقع فيها من أحداثٍ جسام، وفتنٍ سودٍ كقطع الليل المظلم، زلزلت الأرض، وأضرمت النار في البلاد، وشتت الشعب، ومزقت المجتمعات، وقضت على كل روحٍ للتعايش كانت قائمة أو ممكنة بين الناس، وهي أحداثٌ أليمةٌ وموجعةٌ، وفي أكثرها محزنة، عمت الوطن العربي كله، ولم تستثنِ بلداً، ولم تترك دولة، إلا وقلبت أحوالهم، وغيرت شؤونهم، وسممت حياتهم، وضيقت عيشهم، وجعلتهم فرقاً وأحزاباً، وجماعاتٍ وتنظيمات، وثواراً وفلولاً.

أحداثٌ مريرة جعلت الحليم حيراناً، أشابت الصغير وأفنت الكبير، وأخرجت العاقل عن طوره، والحكيم عن عقله، وقلبت الموازين، وغيرت المعايير، ووضعت مقاييس جديدة، لا علاقة لها بالعقل، ولا صلة لها بالمنطق، ولا قيمة عندها للحق والعدل، وقواعد الإنصاف والحكمة، بل تتناقض مع معاني السلام، وجوامع الخير، وكليات المحبة والتآخي والمودة والتسامح والعيش المشترك.

أثبتت الأحداث أن الجعجعة هي سيدة المقام، وأن الكلام أشد من الحسام، وأن البعبعة سلاح الأهوج، وأن الكذب وسيلة الفاسد، وأن التدجيل سبيل المبطلين، وأن من ملك الأبواق يفوز، ومن اشترى الضمائر يكسب، ومن استأجر صناع الكلام يتقدم، ويصبح صاحب حجة ومالك موقف، يملأ الفضاء ضجيجاً، والكون صراخاً، بقعقعةٍ لا يسمع الناس سواها، ولا يصغون لغيرها، رغم أنهم يعلمون أن المتحدث وسيده طبلٌ، لهم صوت، ولكن داخلهم أجوف، فلا عقل ولا ضمير.

في ظل هذه الخطوب الأليمة، غاب الصدق، وغار العدل، وفقدت المصداقية، وعلا صوت الدهماء، وأحضر السفهاء، وأُقصيَ العقلاء، وأبعد الحكماء، ولم يبق مكانٌ للطيبين البسطاء، ولا للمخلصين الأمناء، ولا للصادقين الأصلاء، عندما تسيد المبطلون، وتحكم المتنفذون، فاستدعوا الجوقات، ونادوا النائحات، وشدوا الأوتار، وحموا دفة الطبول، ثم أمسكوا بمكبرات الصوت، وأصبحوا ضيوف الندوات، وأرباب الجلسات، معلقين ومستشارين، ومقدمين ومحاورين، يتشدقون بالكذب، ويزينون الكلام بالافتراء، يؤيدون من شاؤوا، ويصبون جام غضبهم على من عادوا، وغيرهم من الخصوم والأنداد، يصفونهم بما يشاؤون، وكيف يريدون، يلصقون بهم التهم، ويلحقون بهم ما يشين، ويحملونهم ما لم يقولوا، ويحاسبونهم على ما لم يرتكبوا.

في حمأة الأحداث التي لم تهدأ، وفي ظل الظروف التي تعقدت، ارتفع سعر المتحدثين، وراج سوق باعة الكلام، وتميز المتشدقون، وسما نجم من ملك صوتاً عالياً، وقدرة على التعبير مميزة، ممن يعجب الناس قولهم، ويشهد الله على ما في قلبه من الزيف والفساد، ومن الكذب والضلال، وهو ألذ الخصام.

إنهم أناسٌ جدفوا مع التيار، وسبحوا حيث يريد الأشرار، وغيروا مواقفهم وفق الحال، وبدلوا كلامهم ليناسب الظرف، ويخدم أرباب المال، وأصحاب الجاه، وقادة العسكر، وضباط الأمن، وغيرهم ممن كان لهم شأن وضاع، ولكنهم يحلمون باستعادة ما فقدوا، وتعويض ما خسروا، وانتهاز الفرصة ليستدركوا بعضاً مما فاتهم، خاصة أن عندهم من الإمكانيات ما يغري، ومن القدرات ما يشتري، فبحثوا عن أصحاب الضمائر الميتة، والقلوب المتحجرة، والنفوس المريضة، ممن يملكون ألسنةً حداداً ذات شفرات، وأقلاماً مبريةً تكتب بكل الألوان، تتقلب حسب السوق، وتمشي مع من يدفع أكثر، ولا يهمها الجهة التي تلزم، أو السيد الذي يتعهد، أو الشخص المشمول بالرعاية، والمستفيد من الحملة.

لا يهم هؤلاء أن تتناقض مواقفهم، أو تتبدل كلماتهم، أو أن تتغير مواقعهم، فأن يكونوا مع ثم ضد أو العكس، فلا بأس عندهم، ولا يوجد ما يعيبهم، إذ هم ليسوا أكثر من آلة، تعمل وتشتغل ما كان فيها وقوداً، وتتعطل وتقف ما فرغ وقودها وانتهى، ووقودهم المال، وقطرانهم هدايا من السيارات ومختلف الأجهزة الإليكترونية والمجوهرات، وزيتهم يتأثر ارتفاعاً وانخفاضاً بتغير أرصدتهم، وارتفاع حصصهم، وأرقام حساباتهم التي يعرفها المشغلون، ويسأل عنها المحتاجون، ويحفظها المتعهدون.

أما التسعيرة فهي بورصة، تكون أحياناً عادية عندما يتداول أسهمها المستفيدون داخل البلد الواحد، ولكن قيمة أسهمهم ترتفع وتزداد، عندما يدخل البورصة مضاربون دوليون، يملكون قدراتٍ أكثر، ويطمحون في إحداث تغييراتٍ أخرى، ويتطلعون لأن يكون لهم دور وفعل في المراحل القادمة.

إنهم دجالون وكذابون ومنافقون، يفترون ويتهمون ويشوهون، ويختلقون القصص، ويفبركون الحكايات، ويتهمون الأحياء والأموات، ويفترضون الوقائع والأحداث، ويرسمون السيناريوهات، ويوزعون الأدوار، ويضعون التصورات، التي تخالف الواقع، وتتنافى مع الحقيقة، ثم يدينون الخصوم، ويعقدون لهم المحاكم، ويصدرون في حقهم الأحكام التي يرون، قبل أن ينظر القضاء في قضاياهم، أو يقبل الإتهامات الموجهة إليهم، ثم يطالبون الأمة أن تلتزم بحكمهم، وأن تقبل بتفسيرهم، وأن تردد خلفهم كالجوقة، ذات الإتهامات وكأنها حقائق، ولا يهمهم إن كانت هذه الإتهامات تضر شعباً، وتلحق الأذى بمصالح قطاعٍ كبيرٍ من الأمة.

وفي المقابل يعجز أصحاب الحق عن بيان حقهم، وتوضيح موقفهم، ورد التهمة عن أنفسهم، فهم لا يحسنون استخدام ذات الأدوات، وتلويث أنفسهم بنفس الطريقة، ولا يقبلون أن يكذبوا ويفتروا، وأن يزوروا ويدعوا، وأن يشوهوا ويظلموا، ولا أن يستعينوا بالخصوم، ولا أن يتعاونوا مع عصاباتٍ متخصصة، ومجموعاتٍ مدربة، فأخلاقهم لا تسمح، ودينهم لا يجيز، وقيم أمتهم لا تقبل، فضلاً عن أن هذه المعركة في الإتجاه الخاطئ، ومع غير العدو المفترض.

فهل يخطئ أصحاب الحقوق إذا سكتوا على الظلم، وتجرعوا الإهانة، وصبروا على أذى أهلهم وأبناء شعبهم، وتحملوا الإساءات، وصبروا على الإفتراءات، ولم يردوا عليهم بالمثل، حرصاً على وحدة الأمة، وسلامة صفها، وخوفاً من الاختلاف والانقسام، وارتفاع الأصوات المتطرفة، وظهور الدعوات المتشددة، أم لا بد لهم من سفيهٍ يأخذ بحقهم، ويرفع صوته في وجههم، ويعاملهم بنفس أدواتهم، فيرد الصاع بمثله، إذ لا يرد الرطل إلا الرطلين، ولا يفل الحديد إلا حديدٌ مثله، ولا يفحم السفيه إلا سفيهٌ يبزه.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط