كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

لا يا أستاذ هيكل .. الحرية ليست انتحارا !

فى هذا الحديث الذى أستكمل به ماقدمته فى الأسبوع الماضى عن الحوار المهم الذى أداره الأستاذ عبدالله السناوى فى «صالون التحرير» حول ما يشغلنا فى هذه الأيام من قضايا وشاركت فيه نخبة من الكتاب والصحفيين فى مقدمتهم الأستاذ محمد حسنين هيكل ـ فى حديث اليوم أتوقف عند بعض مادار حوله الحوار، وأبدأ بما ذكره الأستاذ هيكل جوابا على سؤال المستقبل كيف يفكر فيه وكيف يراه؟

لقد أجاب الأستاذ عن السؤال بقوله: إن علينا قبل الحديث عن المستقبل. أن نكون متأكدين من أننا على طريق المستقبل وهو يعتقد أننا بعيدون جدا عن هذا الطريق. وأن حالتنا فى هذه اللحظة هى حالة التائهين فى الصحراء. لأننا نواجه أزمات طاحنة فى الماء، والطاقة، والغذاء تمنعنا من أن نفكر ولابد من أن نخرج من هذه الأزمات لنتمكن من التفكير فى المستقبل.

وقد وقفت طويلا أمام هذا المنطق أحاول أن أفهمه فلم استطع. لأنى اعتقد على العكس مما يعتقد الاستاذ أن الحديث عن المستقبل يسبق الحديث عن الطريق إليه لأننا نعرف ما الذى نعانى منه الآن ويجب أن نتخلص منه فى المستقبل. ونعرف ما الذى ينقصنا الآن ويجب أن نستكمله فى المستقبل ونعرف ما الذى نحتاج إليه الآن ويجب أن يتوافر لنا فى المستقبل. فإذا كنا نعانى من الأمية فالطريق للخلاص من الأمية معروف وواضح. والوسائل والأدوات والكفاءات الفنية والميزانية والخطة التى ننفذها على النحو الذى تسمح به قدراتنا ليست أسرارا خافية، وباستطاعتنا أن ننتفع بخبرات الأمم التى واجهت الأمية وتغلبت عليها، وكذلك نقول عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ونقول ايضا عن الأزمات التى أشار اليها الاستاذ هيكل ورأى أنها تمنعنا من التفكير وهى على العكس تدفعنا للتفكير وتفرضه علينا فرضا. الأزمات التى نواجهها فى الماء والطاقة والغذاء ليست مشاكل طارئة أو بسيطة نستطيع أن نفرغ من حلها ثم نبحث عن طريق المستقبل، وإنما هى ضروريات لاتكون لنا حياة دونها، كيف نوفر لأنفسنا هذه الضروريات دون تفكير هادئ نشارك فيه جميعا كل بما يستطيع، ودون صبر جميل طويل، ودون استعداد لبذل الجهد والتضحية بما لابد من التضحية به؟

لكن الأستاذ هيكل يرى أننا لسنا مؤهلين لمواجهة هذه التحديات ولا للسير فى طريق الخروج منها لأن السيارة التى كانت تتجه بنا إلى المستقبل، ويقصد بها السياسة المصرية التى انتهجتها السلطة منذ اغتيال السادات إلى اليوم اصبحت خربة معطلة !

يقول ان الاستراتيجية المصرية قبل العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية، أى فى أيام عبدالناصر، كانت لها ثلاثة خطوط أو ثلاثة أركان: قاعدة اقتصادية متينة، وعمق عربي، ومكانة عالمية لكن هذه الخرائط تغيرت كلها فى أواخر عهد السادات ودخلت بنا السيارة فى طريق مجهول تلفت فيه وفقدت إطاراتها. وجاء مبارك ليتصور بخبرته كطيار ـ وأنا الآن أنقل كلام الأستاذ بنصه ـ أن باستطاعته أن يحولها إلى طائرة. لكنه لم ينجح طبعا. وجاء بعده المجلس العسكرى ليقف عاجزا أمام السيارة المعطلة ثم جاء مرسى ليحول السيارة إلى توك توك تحمله مع الأهل والعشيرة وأقفاص الدجاج! لكنه فشل ايضا وتلك هى حالنا فى المرحلة الراهنة!

والأستاذ هيكل يستخدم هنا لغة مجازية لاندرى كيف نتعامل معها. واللغة المجازية تستخدم غالبا فى الكتابة الأدبية التى تستثير خيالنا وتخاطب مشاعرنا وعواطفنا من خلال التشبيهات والاستعارات والكنايات التى تعبر عن المعنى بطريق غير مباشر، لأن المعنى الذى يقصده الشاعر أو القصاص أوسع أو أعمق من اللفظ المباشر فهى تلجأ للتصوير والتخييل وتضعنا فى حالة شعورية نعيش بها المعنى المقصود ونتمثله دون أن نقبض عليه. غير أننا نمر الآن بمرحلة نحتاج فيها لأقصى ما نستطيعه من توضيح مانقوله وتحديده لنتحاور ونتفاهم ونسلم بالحقائق الموضوعية التى لابد ان نسلم بها جميعا مهما اختلفت عقائدنا السياسية.

من المؤكد ان الخطوط الثلاثة التى أشار إليها الاستاذ هيكل كانت أركانا أساسية فى الاستراتيجية المصرية فى أيام عبدالناصر. التنمية الاقتصادية كما تتمثل فى التصنيع واستصلاح الأراضي، والعمق العربي، كما تمثل فى العمل على تحرير العالم العربى وتوحيده والمكانة الدولية التى تمثلت فى حركة عدم الانحياز والنضال ضد الاستعمار. هذا مؤكد. لكن المؤكد أيضا أن التلف الذى أصاب سيارتنا بدأ فى أيام عبدالناصر وفعل فعله المدمر فى عهده وتواصل فى عهود من خلفوه حتى أفسد كل شيء .

هزيمة 1967 حلت بنا فى أيام عبدالناصر. وتعثر التنمية الاقتصادية واللجوء إلى الاستدانة وسوء إدارة المصانع والشركات المؤممة بدأ فى أيام عبد الناصر. وتراجع المد القومى العربى نتيجة للهزيمة التى فتت فى عضد القوميين العرب وأنعشت النظم العربية التقليدية بدأ فى أيام عبدالناصر. فإذا كان الفساد قد استشرى بعده فى أيام مبارك ومرسى وأصبحت الدولة المصرية سيارة خربة فالنظام العسكرى البوليسى الذى أقامه عبدالناصر والسلطة المطلقة التى انفرد بها وانتزع من المصريين حقهم فى اختيار حكامهم ومراقبتهم ومحاسبتهم ومراجعتهم، ونقدهم وتصحيح أخطائهم. هذه السلطة المطلقة هى أصل الفساد وهى سبب الهزيمة وسقوط المشروع. هذه حقيقة يجب أن نعترف بها وننتظر كلمة الاستاذ هيكل فيها. وإذا كان الفساد قد بلغ غايته فى أيام مبارك فمبارك لم يكن هو الذى زرع الفساد وإنما هو الذى حصده.. لقد استأثر بالسلطة وانتفع من النظام الشمولي. لكنه دفع الثمن أيضا ولقد بدأ مبارك جنديا مخلصا لوطنه، لكن النظام حوله الى طاغية، وإذا كان المصريون قد اسقطوا مبارك فى ثورة يناير فهم لم يسقطوا النظام . والدليل على هذا وصول الإخوان للسلطة، لأن كل شيء كان يعمل لمصلحتهم فهم الورثة الشرعيون لنظام الطغيان الذى تعرض فى الثلاثين من يونيو لزلزال عنيف لانستطيع حتى الآن ان نقدر نتائجه ولاندرى أين صرنا بعده وأين نحن الآن من هذا النظام، هل خرجنا منه حقا؟ أم اننا نعيد الآن إنتاجه ونواصله؟

اذا كنا خرجنا من نظام الطغيان بجناحيه العسكرى والدينى فقد ضمنا أننا فى الطريق إلى المستقبل، وإلا فسوف نظل تائهين فى الصحراء حيث لاظل ولاماء ولاغذاء.

أريد أن أقول فى النهاية ان الحرية بالنسبة لنا مسألة حياة أو موت. وأنا أخالف الاستاذ هيكل فى خوفه من أن يؤدى بنا ظمؤنا الشديد للحرية إلى فوضى يحذرنا منها فيقول إنه «يرى بلدا ينتحر بدعوى الحرية». لا يا أستاذ هيكل. الحرية ليست انتحارا. انها هواء نقى متجدد. وهى الفطرة التى فطرنا الله عليها فان إخطأنا فيها الطريق فهى تصحح لنا طريقنا. ونحن بالحرية نبعث من جديد بعد أن متنا فى زمن الطغيان!

عن الاهرام

×
أخبار
السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط