كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

"إبادة عمرانية"..

لبنانيون يؤكدون أن إسرائيل محت بلداتهم في الجنوب عن الخارطة

لبنانيون يؤكدون أن إسرائيل محت بلداتهم في الجنوب عن الخارطة

تاريخ النشر: 2026-05-22 | 14:01

بيروت: منذ أسابيع، تنهمك هلا فرح بجمع صور ومقاطع فيديو لحفظ ذاكرة بلدتها الحدودية، بعدما دمّرتها القوات الإسرائيلية، على غرار عشرات القرى في جنوب لبنان التي يؤكد سكان ومسؤولون أنها مُحيت من الوجود.

وتظهر شهادات نازحين ومسؤولين وصور عبر الأقمار الاصطناعية، دمارا لحق بمنطقة واسعة في جنوب لبنان، حيث أحصت السلطات تضرّر ودمار أكثر من خمسين ألف وحدة سكنية منذ بدء الحرب في الثاني من آذار/ مارس. ووصف مسؤولون ذلك بـ"إبادة عمرانية" هدفها "اقتلاع" السكان.

وتقول فرح (33 عاما) التي نزحت وعائلتها من يارون، البلدة الواقعة على مسافة أقل من كيلومتر من الحدود الإسرائيلية، إلى بيروت، "تدمّر كلّ شيء، لم يبق لنا إلا الذكريات وبعض الصور التي نحاول والجيران جمعها لكي لا تخوننا الذاكرة، ولنتمكن من أن نخبر أولادنا كيف كانت يارون".

بتأثر شديد، تقول الأم لطفلتين: "كنت أتمنى أن تكبر ابنتاي في بيت العائلة... لكن الحرب أخذت منا كل شيء، طفولتنا وذكرياتنا ومنزلنا" الذي علمت قبل أسبوعين بدماره، عبر صورة من الأقمار الاصطناعية.

وطال الدمار الناتج عن غارات مكثفة ثم عن عمليات نسف وتجريف واسعة النطاق ازدادت وتيرتها منذ إعلان هدنة بين حزب الله وإسرائيل في 17 نيسان/ أبريل، آلاف المنازل والمرافق الخدمية والمدارس ودور العبادة وحتى الأراضي الزراعية. وقد اجتاح الجيش الإسرائيلي منطقة واسعة من الجنوب في الحرب الأخيرة.

ويتشارك نازحون من بلدات عدة في شراء صور عبر الأقمار الاصطناعية كلفة كل منها 140 دولارا، لتقفي أثر منازلهم، خصوصا في المنطقة الحدودية التي تمنع إسرائيل سكانها من العودة إليها.

على مواقع التواصل الاجتماعي، ينشر نازحون صور منازلهم قبل دمارها وبعده، بينهم ناشط سياسي يتحسّر على منزل جدّه ذي الطوابق الثلاثة في مدينة النبطية، بينما ينعي كاتب مخضرم مكتبته التي تركها خلفه في مدينة بنت جبيل، وينشر مستخدم آخر مقطع فيديو يظهر جامع المدينة الأثري، قبل أن يمسي ركاما.

"لا خنادق وأسلحة"

وتقول فرح وهي تعاين عشرات الصور ومقاطع الفيديو على هاتفها "تحاول إسرائيل أن تنزع كل مقومات الحياة الضرورية للعودة".

وتضيف بينما تغلبها دموعها "ما حصل خلال الهدنة، يؤكد أن هدف إسرائيل الإبادة العمرانية للجنوب كله، وضمنه يارون"، البلدة التي كان يقطنها مسيحيون ومسلمون.

وطالت عمليات الجرف، وفق فرح، "قاعة الكنيسة، وديرا للراهبات، ومدرسة مار جاورجيوس"، جازمة بانفعال "كلها بالتأكيد لا خنادق تحتها ولا تضمّ أسلحة"، في ردّ على بيانات الجيش الإسرائيلي الذي يقول إن هجماته في لبنان تطال أهدافا وبنى تحتية عسكرية تابعة لحزب الله.

في الحرب السابقة بين الطرفين بين عامي 2023 و2024، دمّر 580 منزلا من إجمالي نحو 800 في البلدة، وفق مسؤول محلي. وأتت الحرب الأخيرة على ما تبقى منها باستثناء بضعة منازل لم يتضح مصيرها بعد.

ويؤكد ذلك تحليل صور من الأقمار الاصطناعية، ويتبيّن أن معظم البلدة دمّر بحلول عام 2025، بما في ذلك كنيسة القديس جاورجيوس التي صمدت ثلاثة من جدرانها فقط.

وتظهر صور أخرى متوسطة الدقة مطلع الشهر الجاري راجعتها الوكالة، أن ما نجا سابقا تدمّر بالكامل.

على مسافة نحو ستة كيلومترات شمال يارون، تظهر مراجعة صور الأقمار الاصطناعية دمارا هائلا لحق بمدينة بنت جبيل.

في مطلع نيسان/ أبريل، لم تكن آثار دمار كبير ظاهرة للعيان. لكن بعد شهر واحد فقط، بدت المدينة القريبة من الحدود مدمّرة تقريبا، بما في ذلك ملعبها الشهير الذي ألقى منه الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصرالله، "خطاب التحرير" في 26 أيار/ مايو 2000، غداة انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان بعد احتلال لنحو عقدين.

"إبادة عمرانية"

في مقرّ المجلس الوطني للبحوث العلمية في بيروت، يعرض الأمين العام للمجلس، شادي عبد الله، على شاشة عملاقة صور المدينة، قبل وبعد دمارها.

ويقول إن "معظم الأبنية في بنت جبيل تهدمت"، موضحا أن "معظم عمليات التفجير والتلغيم" في المدينة والعديد من البلدات الأخرى "تمت خلال الهدنة".

ويضيف "هذا ما يعزّز الموقف بأن الإسرائيليين لا يقومون بأعمال عسكرية أو تمشيط، هم يدخلون ليدمّروا الأرض والبشر والحجر، ناهيك عن القذائف الفوسفورية والعنقودية التي استخدموها" والتي أتت على مساحات زراعية هائلة.

وقدّرت وزارة الزراعة، الشهر الجاري، تضرّر أكثر من 56 ألف هكتار من المساحات الزراعية، ونفوق أكثر من 1,8 مليون رأس من الدواجن والماشية جراء الهجمات الإسرائيلية.

ويؤكد المجلس أن إسرائيل ارتكبت "إبادة عمرانية"، وهو مصطلح يطلق على إستراتيجية تستخدمها الجيوش خلال النزاعات لمحو مناطق عن الخارطة.

ويقول عبد الله الذي يعمل فريقه ليل نهار على رصد الدمار والأضرار جراء الحرب، "يحاولون اقتلاع الناس وسلخهم من أرضهم (...) يحاولون أن يمحوا ذاكرة الناس في هذه المنطقة، وأن يمحوا تاريخها".

وبحسب مسح المجلس الوطني للبحوث العلمية، دمّرت الهجمات الإسرائيلية منذ العام 2023، وألحقت أضرارا بأكثر من 290 ألف وحدة سكنية، 61 ألف منها منذ بدء الحرب الأخيرة.

وأحصى المجلس دمار ستة آلاف وحدة سكنية كليا خلال الهدنة، مقابل تدمير جزئي طال ستة آلاف مبنى آخر، قد يكون مصيرها الهدم، وفق العبدالله.

وهي المرة الأولى التي يتعرّض فيها جنوب لبنان لدمار مماثل.

وأحصت السلطات استشهاد أكثر من ثلاثة آلاف شخص في القصف الإسرائيلي في كل لبنان.

وتقول الباحثة هناء جابر، المتحدرة من مدينة بنت جبيل "يشهد لبنان لأول مرة مثل هذا التدمير في تاريخه".

وترى أن ما يواجهه أكثر من مليون نازح، غالبيتهم الساحقة من الطائفة الشيعية، "هو اقتلاع من الجذور... له انعكاسات مريعة، لأنه اقتلاع مجاني من دون أي سبب فعلي".

"قيد الإنعاش"

ويقول المهندس عماد بزي (60 عاما) الذي دمّرت الحرب مقر شركته الهندسية في بنت جبيل، ونزح إلى بيروت، "هناك إبادة شاملة لكافة البنى التحتية في بنت جبيل من أبنية سكنية ومؤسسات مياه وكهرباء ومستشفى وحتى المدارس ومحطات الوقود".

ويقول المهندس وهو عضو في المجلس البلدي لبنت جبيل، إن الهدف تحويل المكان الى "مساحة غير قابلة للحياة"، إضافة إلى "إضعاف الذاكرة الجماعية والهوية المحلية".

ويرى أن "ما يحصل اليوم هو تغيير للجغرافيا بشكل فاضح. إنه تدمير ممنهج"، مشيرا إلى تقديرات بدمار أكثر من 75 في المئة من المدينة.

وتأمل هلا فرح التي تؤكد أنها وأبناء يارون عازمون على العودة متى توقفت الحرب، وإعادة بنائها من الصفر، بأن تصل المفاوضات الى نتيجة.

وتقول: "نتمنى أن تكون هذه الحرب هي الأخيرة"، مضيفة "نتمنى أن ينسحب الإسرائيليون من كل شبر من أرضنا، ويتركونا نعيش ما تبقى من عمرنا، لنتمكن من إعادة بناء ما تدمّر وصنع ذكريات جديدة لأولادنا تنسيهم صدى الغارات التي لا تزال تتردّد في آذانهم".

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط