كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

لبنان وتصحيح السعودية لبوصلة ماكرون

لبنان وتصحيح السعودية لبوصلة ماكرون

تاريخ النشر: 2021-12-11 | 07:48

علي شندب
علي شندب

من خارج السياقات العامة وتضاريسها الحادة في المنطقة أطلّ البيان السعودي الفرنسي المشترك، عقب زيارة الرئيس الفرنسي، ايمانويل ماكرون، الى السعودية، ولقاء القمة الذي جمعه مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في مدينة جدّه.

فالسياقات كما هو معلوم كانت مستقرّة لصالح توازن قوى تتسيّد فيه إيران النفوذ الإقليمي في المنطقة، بفعل تغوّلها عبر أذرعها في البلاد العربية من عاصمة الأمويين دمشق الى سدّ مأرب. وقد جحّظت قمة بغداد التي تغوّل فيها وزير خارجية ايران بروتوكولياً على قادة دول القمة، ليظهر من خلال وقوفه بينهم مكانة ايران المتقدمة عليهم، الى درجة حرص فيها ماكرون بوصفه وريث الانسحاب الاميركي من المنطقة على عقد لقائين مع عبداللهيان على هامش القمة.

سياقات انعكست لبنانياً من خلال المعادلة الهاتفية التي أرساها ماكرون مع نظيره الايراني ابراهيم رئيسي بقولهما معا "بإمكان ايران وفرنسا وحزب الله المساعدة على تشكيل حكومة لبنانية جديدة". معادلة جحّظ فيها كل من رئيسي وماكرون "حزب الله" بما يرقى الى مرتبة الدولة.

غاية رئيسي من ذلك ترسيخ نفوذ ايران في لبنان عبر ذراعها الطويلة حزب الله وتأمين اطلالة متوسطية لها. وغاية ماكرون عدا عن الحصول على عقود النفط والطاقة من جنوبي لبنان بعد العراق، تحقيق انجاز سياسي يسعفه في انتخاباته الرئاسية ولو كان الثمن التضحية ليس بالمبادرة الفرنسية التي اطلقها من على أنقاض مرفأ بيروت الشهيد، بل التضحية بامتيازات أبناء "الأم الحنون" في لبنان.

عند هذا الحدّ تقاطعت مصالح الطرفين وتلاقحت فأنجبت حكومة ميقاتي، التي سبق وأسميناها حكومة الماكروسية التي ينتشي رئيسها بشهادات خصومه وأصدقائه واعترافهم بقدرته الفائقة على تدوير الزوايا التي افتتن بها أيضا رئيس فرنسا الذي تردّد أنه عندما أطلق مبادرته لحكومة أخصائيين مستقلين، كان الرسم التشبيهي لرئيسها مطابقاً لمواصفات وزوايا ميقاتي الذي قطع الطريق عليه "المرشح الطبيعي" سعد الحريري.

من هذه الزاوية يمكننا النظر الى احتفاء ماكرون الاستعجالي في قصر الاليزيه بميقاتي قبل أن تعقد حكومته جلستها ما قبل الاولى، حيث استعجل ماكرون زفّ نجاحه لناخبيه واعتباره تشكيل حكومة ميقاتي إنجازاً شخصيا له. بهذا المعنى بدا ماكرون تلميذاً غير نجيب في تدوير الزوايا. كما ان استاذ تدوير الزوايا لم يتعلّم من درس سلفه سعد الحريري عندما تعاطى مع أقرانه من الكتل السياسية بوصفه المفوّض والوصي على تنفيذ المبادرة الفرنسية، لينتهي به الأمر خارج تشكيل الحكومة وخارج لبنان أيضاً، فيمقاتي ومنذ لحظة تكليفه سارع الى إشهار سلاح الاستقواء بـ "الضمانات الخارجية" أي الفرنسية، على الداخل اللبناني، وأمام السعودية بوصفها قبلته السياسية والدينية، لكنه يريد أن يعتمر فيها بتأشيرة فرنسية.

عند هذا الحد، بدت "الماكروسية" التعبير العملي على نسق توازن القوى الاقليمية الجديد. إنه النسق الذي كرّس حزب الله برتبة دولة. وهو النسق الذي أطلق رصاصة الرحمة على اتفاق الطائف. وهو النسق الذي بتفويض أو غض نظر اميركي حاولت فيه فرنسا التمظهر بدور الوصي على المنطقة في لحظة اعلان الولايات المتحدة الانسحاب منها بدءا من أفغانستان بهدف تفرّغها لمواجهة الصين وروسيا. وبهذا المعنى هو النسق الذي رسم لايران أدواراً متقدمة على أقرانها من دول المنطقة تعمل طهران على تثبيتها على طاولات فيينا وفق ما يشيعه وكلاء الحرس الثوري الإيراني في المنطقة.

ثم انطلق بركان الغضب السعودي والخليجي على لبنان سحباً للسفراء ومقاطعة للمنتجات كبداية لخطوات تصعيدية أخرى بدا معها كل ما بناه ماكرون مع ايران قد شطب بجرّة قلم واحدة.

ظاهر غضب السعودية والخليج المتضامن معها، تصريحات جورج قرداحي. أما جوهر هذا الغضب فهو عبث ماكرون بتوازنات المنطقة وتجاوزه لخطوطها الحمراء.

اذن المقاطعة السعودية والخليجية هي لماكرون وليس للبنان. بدليل أن قرداحي رفض أن يضع استقالته بتصرف رئيسي الجمهورية والحكومة ولا حتى البطريرك الماروني بشارة الراعي لدواعي التمسك بالسيادة والكرامة الوطنية، لكنه وضعها حصراً ويرجح بإيعاز من مرجعيته السياسية سليمان فرنجية بتصرف مانويل ماكرون (دونما أي اعتبار لمفردات السيادة والكرامة) ليصرفها ويتصرف بها مع محاوره السعودي الأمير محمد بن سلمان والتي صرفت اتصالاً ثلاثياً ضمّهما الى رئيس حكومة لبنان نجيب ميقاتي، وقد بدا الاتصال الثلاثي لزوم بعض فقرات البيان السعودي الفرنسي المشترك.

إنّه البيان الذي تضمّن ثوابت السياسة السعودية تجاه لبنان، منذ أن أعلنها بوضوح شديد السفير السعودي في بيروت وليد بخاري عقب آخر لقاء جمعه مع الرئيس اللبناني ميشال عون.

وهو البيان الذي أعاد التشديد على القرارات الدولية من القرار 1559 المختص بحل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، والقرار 1680 المتصل بترسيم وضبط الحدود اللبنانية السورية، والقرار 1701 المتصل بوقف اطلاق النار جنوبي لبنان وحصر السلاح بالجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني.

لكن النقطة الأبرز التي تضمّنها البيان المشترك هي التأكيد على اتفاق الطائف "المؤتمن على الوحدة الوطنية والسلم الأهلي"، وهو الاتفاق الذي عبث به ماكرون من حيث درى أم لم يدر وأهمله عندما غيّبه عن مهاتفته مع نظيره الايراني ابراهيم رئيسي.

أما النقطة ما بعد الأبرز، فهي النجاح الدبلوماسي الكبير الذي حققته السعودية من خلال دفعها لماكرون لمغادرة سرير المساكنة مع ايران، والتموضع التقليدي في مربعها في لحظة تدخل فيها مفاوضات فيينا النووية لحظات حاسمة، بدأ فيها بايدن يهدّد باستخدام خيارات أعدها جنرالات البنتاغون فضلاً عن خيارات أخرى يعلنها ساسة وجنرالات الحرب في اسرائيل.

كما إنه ليس تفصيلاً بسيطاً، أن تتحول الفقرات اللبنانية من البيان السعودي الفرنسي المشترك، الى لازمة أساسية في البيانات المشتركة التي صدرت عقب جولة ولي العهد السعودي على دول الخليج العربي تحضيراً لاجتماع مجلس التعاون الخليجي في الرياض، ما يعني أنه بات لدول الخليج العربي استراتيجية ثابتة ومعتمدة تجاه لبنان الذي لا مشكلة للسعودية ودول الخليج معه، انما المشكلة هي بين حزب الله والشعب اللبناني بحسب وزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان.

وبهذا المعنى ينبغي النظر الى غضب حزب الله من تلقف نجيب ميقاتي لخارطة الطريق التي تضمّنها البيان السعودي الفرنسي الذي بات أشبه بخارطة طريق ليس لاعادة تطبيع العلاقات بين لبنان والسعودية والخليج، بقدر ما هي خارطة طريق لتعامل المجتمع الدولي برمته مع لبنان وخصوصاً حزب الله الذي تزداد رقعة تصنيفه تنظيما إرهابياً حول العالم. وبدون ولوج خارطة الطريق التي تضمّنها البيان المشترك، سوف لن تصل المساعدات الكفيلة في نشل لبنان من جهنم وانقاذ اللبنانيين من لهيب أسوأ أزمة كارثية غير مسبوقة، ولا قبل لهم بها.

أغلب الظن أن الاستعصاء سيمدّد اقامته في ربوع لبنان، فالحكومة اللبنانية معطلة حتى إشعار آخر، بناء على تصميم حزب الله على قبع المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت طارق بيطار، وأن الانسداد السياسي سيتعمّق لأن تنفيذ الإصلاحات المطلوبة عربياً ودولياً دونها موانع قاهرة مرتبطة بنسق توازن القوة المحكومة من حزب الله الذي يشعر اليوم أن تضحيته بجورج قرداحي هي بداية ما يتطلبه "الانتداب السعودي الفرنسي" كما وصفه بعض إعلام الحزب، وما لم يحدث كسر لنسق توازن القوة أو التوازن معه بالحد الأدنى، فعبثاً يحاول المحاولون.

وسط هذه المشهدية القاتمة يتواصل انخفاض سعر الليرة اللبنانية، ويحلق الدولار ليلامس الستة وعشرين ألفاً، فيما منظومة الفساد والنيترانيوم والكابتغون منهمكة في سياساتها الخرقاء، في لحظة باتت فيها أمنيات اللبناني منقمسة بين تأشيرة هجرة، أو الموت دون مرض.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط