كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

لجنة إدارة غزة بين الاستقلال المعلن والوصاية المقنّعة

لجنة إدارة غزة بين الاستقلال المعلن والوصاية المقنّعة

تاريخ النشر: 2026-02-01 | 13:46

نص المقاليثير الإعلان عن تسليم إدارة الحكم في قطاع غزة إلى ما يُسمّى بـ«لجنة إدارة غزة» موجة واسعة من التساؤلات المشروعة حول طبيعة هذا التسليم وحدوده الحقيقية. فالقضية، في جوهرها، لا تتعلق بمشهد بروتوكولي أو ترتيبات إدارية عابرة، بقدر ما تمسّ جوهر الاستقلالية السياسية والإدارية للجنة، ومدى قدرتها على ممارسة صلاحياتها بعيدًا عن الوصاية أو التدخلات الفصائلية المسبقة. إذ إن أي إدارة انتقالية لا تُقاس بشرعية الإعلان عنها، بل بقدرتها الفعلية على اتخاذ القرار بحرية وخدمة المواطنين دون قيود خفية.

من هذه الزاوية، يبدو المشهد المصاحب لعملية “التسليم” مثقلًا برمزية سياسية مبالغ فيها، وكأنه محاولة لإضفاء طابع تاريخي على إجراء إداري يفترض أن يكون طبيعيًا ومباشرًا. فليس من المنطقي أن يتطلب نقل الصلاحيات إلى لجنة ذات طابع خدمي كل هذا الاستعراض السياسي، ولا أن يُستدعى فجأة جسم ظل غائبًا لسنوات، مثل ما يُعرف بلجنة القوى الوطنية والإسلامية، ليُقدَّم باعتباره إطارًا رقابيًا أو مرجعيًا لعمل اللجنة الجديدة. هذا الاستحضار المتأخر لا يمكن فهمه باعتباره حرصًا مفاجئًا على الشراكة الوطنية، بل يبدو أقرب إلى إعادة ترتيب موازين النفوذ، ومحاولة للإبقاء على خيوط التحكم في يد أطراف بعينها.

والأكثر إثارة للقلق أن هذه الخطوات تُسوَّق للرأي العام باعتبارها دليلًا على “تسليم كامل للحكم”، بينما تشير الوقائع إلى استمرار محاولات التأثير من خلف الستار: اعتراض على بعض الأسماء، تدخل في الصلاحيات، إصرار على إبقاء اللجنة أسيرة للهياكل الإدارية والأمنية السابقة، وربط قراراتها بسقوف سياسية غير معلنة. وفي مثل هذه الحالة، يتحول مفهوم “التسليم” إلى إجراء شكلي، أشبه بتبديل الواجهة فقط، فيما تبقى البنية العميقة للسلطة على حالها.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في تفاصيل التشكيل بقدر ما يكمن في المرجعية. فبدل أن تكون السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية – بوصفهما الإطارين القانونيين والسياسيين المعترف بهما وطنيًا ودوليًا – هما المرجعية الطبيعية لأي إدارة محلية، يجري الدفع باتجاه تكريس لجنة القوى الوطنية والإسلامية كمرجعية فوقية غير منصوص عليها. وهذا التحول، إن تم تثبيته، لا يعني سوى خلق مركز قرار موازٍ وغامض، يفتقر إلى المساءلة المؤسسية، ويمكن استخدامه لإصدار مواقف وقرارات باسم “الإجماع الوطني” دون تفويض حقيقي أو آليات تمثيل واضحة.

بهذا المعنى، نحن لا نكون أمام إدارة مستقلة، بل أمام صيغة وصاية مقنّعة؛ إدارة تعمل تحت سقف تفاهمات فصائلية ضيقة، لا تحت مظلة نظام سياسي موحّد. وهو ما يعيد إنتاج منطق المحاصصة وتقاسم النفوذ الذي أثبت فشله مرارًا، وأضعف قدرة المؤسسات على العمل المهني، وأدخل الشأن العام في دوامة التجاذبات الحزبية.

كما أن هذا النموذج يحمل مخاطر عملية على الأرض. فالإدارة التي تعمل تحت ضغوط متعددة المرجعيات تفقد قدرتها على التخطيط طويل الأمد، وتتردد في اتخاذ قرارات صعبة لكنها ضرورية، خشية الاصطدام بمصالح الأطراف المؤثرة. وفي سياق معقد كالذي يعيشه قطاع غزة – من دمار واسع، وأزمة إنسانية خانقة، وحاجة ملحّة لإعادة الإعمار وتنظيم الخدمات – فإن أي ارتباك في القرار أو تضارب في الصلاحيات ستكون كلفته مباشرة على حياة الناس اليومية، لا على التوازنات السياسية فقط.
كان الأجدر بهذه الفصائل، قبل أن تنصّب نفسها وصيّة أو مراقبًا على عمل لجنة إدارة غزة، أن تتحلّى بشجاعة المراجعة، وأن تعترف صراحةً بالخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته في السابع من أكتوبر وما تبعه من حسابات غير محسوبة دفعت غزة ثمنها دمًا وخرابًا. فالمسؤولية السياسية والأخلاقية تقتضي الاعتراف بالفشل قبل الادعاء بالرقابة، والمحاسبة الذاتية قبل فرض الوصاية على الآخرين.
لقد أمضت هذه القوى سنوات طويلة في إدارة مشهد من الانقسام والشلل، دون أن تنجح في توحيد الصف الوطني أو بناء رؤية جامعة لمواجهة التحديات المتفاقمة. بل على العكس، تحوّل الانقسام إلى واقع مُدار، ورسّخت المحاصصة مصالح ضيقة على حساب المصلحة العامة، فيما كان المجتمع يزداد هشاشة، والقطاع يقترب أكثر من حافة الانهيار. وجاءت رهاناتها الخاسرة لتفاقم المأساة، فكانت النتيجة دمارًا واسعًا، وآلاف الضحايا، وموجات نزوح وتهجير طالت معظم السكان.
في مثل هذا السياق، لا يبدو منطقيًا ولا أخلاقيًا أن تعود هذه الفصائل لتقدّم نفسها كمرجعية أو رقيب على لجنة يفترض أنها وُلدت أصلًا لمعالجة آثار الفشل السابق. فالأجدر بها أن تتراجع خطوة إلى الخلف، وأن تفسح المجال لإدارة مهنية مستقلة تعمل بعيدًا عن إرث الصراعات الفصائلية، بدل إعادة إنتاج نفوذها عبر عناوين جديدة.

فالمرحلة ليست بحاجة إلى مزيد من الأوصياء، بل إلى قدر من التواضع السياسي، ومصارحة وطنية، وإفساح المجال لوجوه وآليات قادرة على إدارة التعافي وإعادة البناء بروح الخدمة العامة، لا بروح السيطرة. أحيانًا، يكون الانسحاب المسؤول هو الفعل الوطني الأكثر شجاعة.

إن المرحلة الراهنة تتطلب إدارة مهنية واضحة الصلاحيات، تستند إلى الشرعية الوطنية والمؤسسية، وتتحرر من منطق الفصائلية. إدارة يكون معيار نجاحها هو تحسين الخدمات، وضمان العدالة في توزيع الموارد، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة العامة، لا إعادة تدوير الأجسام السياسية أو إنتاج مسميات جديدة تخفي البنية القديمة نفسها.
من هنا، فإن المسؤولية الوطنية تفرض التنبه المبكر لأي محاولة لتطويق اللجنة منذ لحظة ولادتها، أو تحويلها إلى واجهة شكلية لسلطات قائمة. فنجاح أي إدارة انتقالية لا يقاس بحجم المراسم المرافقة لها، ولا بعدد البيانات الصادرة باسمها، بل بمدى استقلالها الحقيقي، ووضوح مرجعيتها القانونية، وقدرتها على العمل بحرية لخدمة الناس.

فالاستقلال لا يُعلن في المؤتمرات، بل يُختبر في القرار. وإذا لم تُمنح لجنة إدارة غزة هذه المساحة الفعلية من الحرية، فإنها لن تكون سوى عنوان جديد لواقع قديم، ووصاية مقنّعة بثوب إداري، بينما يبقى المواطن الغزّي وحده من يدفع ثمن هذا الالتباس!

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط