كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

لعبة الأمم مرة أخرى

لعبة الأمم مرة أخرى

تاريخ النشر: 2017-07-05 | 16:06

السياسة في لعبة الأمم عالم معقد من المؤامرات والدسائس والتحالفات غير المستقرة ويكون الخفي وغير الظاهر أكثر أهمية وأكثر تأثيرا في صناعة الحدث مما هو معلن رسميا .فيها تسود رواية الكبار على رواية الصغار ،وتتحول الدول الصغيرة إلى مجرد بيادق في لعبة الكبار  يتم تغيير مواقعها ووظائفها وأنظمة الحكم فيها لتبقى في حدود اللعبة ،والنظام الذي يحاول الخروج عن قواعد اللعبة يتم اسقاطه إما من خلال اصطناع معارضات داخلية لتنقلب أو تثور عليه ،أو من خلال محاصرته بأحلاف إقليمية أو دولية .

في لعبة الأمم لا توجد دولة تعلن عن أهدافها الاستراتيجية الحقيقية ولا يوجد زعيم دولة أو حزب وخصوصا في الشرق الأوسط يصارح شعبه بالحقيقة .لذا فإن فهم ما يجري لا يتأتى من خلال المعلومة فقط بل من خلال الغوص في دهاليز السياسة والقنوات الخلفية والسرية ،وفي القدرة على التحليل والفهم ،وحتى على هذا المستوى لا يمكن لمحلل أن يدعي القدرة على استيعاب وفهم تفاصيل كل ما يجري .

في لعبة الأمم يتم استخراج كل ما في النفس البشرية من نوازع الشر وقوانين الطبيعة الأولى ،كما يتم استحضار روح ميكيافلي واستلهام أفكاره بحيث يصبح الدين والمبادئ والأخلاق والقانون مجرد أدوات لتحقيق المصالح ،ولأنها مصالح غير مضمونة ومهَددة بالخسارة ،فإن اللعبة تستمر إلى حين وقوع حرب ،فتتغير أدوات اللعبة ،وما بعد الحرب تبدأ لعبة الأمم من جديد بناء على مخرجات الحرب ،وهكذا دواليك .

لعبة الأمم في منطقتنا العربية لم تتوقف منذ سنوات الاستقلال الأولى إلى اليوم ولكن الأطراف والأدوات هي التي تغيرت ،فحلت واشنطن محل لندن وباريس ،وحلت روسيا الاتحادية محل الاتحاد السوفيتي ،وحلت الجماعات الإسلاموية محل الجماعات الثورية واليسارية ،وحل الخطر الأخضر محل الخطر الأحمر ،وحلت أحلاف ومشاريع أوباما - الشرق الأوسط الجديد ثم الكبير والفوضى الخلاقة- ومشروع ترامب بتشكيل حلف جديد لمحاربة الإرهاب والصفقة الكبرى ،محل حلف بغداد 1955 ومشروع أيزنهاور 1957 ،وحلت اصطفافات ومحاور الشيعة والسنة ،المسلم والمسيحي ،الإسلام المعتدل والإسلام المتطرف ،محل اصطفافات ومحاور  الأنظمة التقدمية والأنظمة الرجعية ،وحلت المشاريع الأمريكية والصهيونية والإيرانية و التركية محل المشروع القومي العربي والدولة الوطنية ،وحل قادة صغار كل همهم كيفية الحفاظ على سلطة ورثوها أو سيطروا عليها عنوة حتى بالتحالف مع واشنطن والغرب وإسرائيل ،محل قادة وزعماء كبار ،بعضهم ورث السلطة وآخرون شكلوا امتدادا دولاتيا لحركات التحرر في بلدانهم ومنهم كان قادة كارزميين امتد إشعاعهم ليتجاوز حدود بلدانهم ولم تخل مراحل حكمهم من مواجهات مع واشنطن والغرب وإسرائيل .

في كل مراحل لعبة الأمم استمرت القوى الخارجية اللاعب الأكبر والرئيس ،واستمرت الأطراف العربية موضوع للعبة ومجرد لاعبين صغار أو أدوات وليس مقررين ،ولم تسعفهم الأيديولوجيات الوطنية والقومية والاشتراكية ،ولا استحضارهم لماضيهم واستلهامهم تجارب (السلف الصالح) واتكاءهم على الإسلام لتعديل قواعد اللعبة لصالحهم ،حيث استمرت الأطراف الخارجية تعاظم من مصالحها أو تحافظ على ما تم إنجازه ،بينما تتعاظم خسائر العرب دائما ،والقليل الذي تم انجازه تم تبديده في فوضى الربيع العربي أو لعبة الأمم الجديدة .

لعبة الأمم في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية ساعدت الحركة الصهيونية على قيام دولة إسرائيل عام 1948 بداية على  78 % من أرض فلسطين ثم عام 1967 على كامل فلسطين بالإضافة إلى احتلالها لأراضي عربية أخرى ،ومع ذلك تمكن الفلسطينيون من إطلاق ثورتهم وفرض قضيتهم على العالم .ولعبة الأمم الحالية التي يمكن التأريخ لها منذ إسقاط نظام صدام واحتلال العراق عززت وجود دولة إسرائيل وجرت دول عربية للتطبيع مع إسرائيل ،ودمرت دول ومجتمعات كان من الممكن أن تشكل تهديدا لإسرائيل ،وأصبحت إسرائيل اليوم تعيش عصرها الذهبي ،أما الفلسطينيون فقد باتوا يناضلون من أجل البقاء والحفاظ على ما تم إنجازه سابقا وتجنب مزيد من الخسائر .

يبدو أن نظرية المفكر الجزائري مالك بن نبي (1905-1973) حول قابلية العرب للاستعمار والخضوع لم تكن مجرد شطحة فكرية بل نظرية سسيوثقافية علمية تعكس  حال العرب ،وما يجري من أحداث اليوم يؤكد مصداقيتها .فقد صدقت غالبية الأنظمة العربية والإسلامية ترامب وسلموا مقاليد أمورهم له في قمة الرياض ،كما صدقوا من قبله أوباما بعد خطابه في جامعة القاهرة في بداية ولايته .

أوباما جاء بخطاب جديد ووعود جديدة للمنطقة وروج نفسه كرجل سلام مختلف عن سابقه ،والنتيجة كانت (الفوضى الخلاقة) Creative Chaos) ) والتي سماها أوباما نفسه (الربيع العربي) ،وإطلاق يد إسرائيل لتعيث استيطانا وإرهابا وحربا ضد الفلسطينيين في الضفة وغزة ،وترامب جاء بخطاب ينتقد سلفه وينتقد سياسته في المنطقة العربية وحَمَلَه مسؤولية فوضى الربيع العربي ،ولكن لم تمر سوى أشهر قليلة على تنصيبه حتى عزز الوجود الأمريكي في المنطقة ،ونقل الفوضى والفتنة إلى دول مجلس التعاون الخليجي وإيران ،ويتلاعب بالملف الفلسطيني ،وأكره دول عربية على وصف حركة حماس بالإرهاب ،وفرض إسرائيل على العرب كحليف لمحاربة الإرهاب .

في لعبة الأمم اليوم لا تعرف مَن حليف مَن ؟ ومَن عدو مَن ؟ حتى اعتى علماء السياسة اليوم من الصعب عليهم فهم وتفسير كل تفاصيل ما يجري في عالمنا العربي منذ بداية ما يسمى بالربيع العربي . هل هو ربيع عربي بالفعل أم (الفوضى الخلاقة ) التي أرادتها واشنطن ؟ ما السبب الحقيقي للخلاف بين قطر وبقية دول الخليج ؟ هل واشنطن تساند قطر أو تساند محور السعودية ؟ ما هو الدور الإيراني والتركي فيما يجري في المنطقة ؟ وكيف تكون قطر مسئولة عن الإرهاب وفيها أكبر قاعدة امريكية في المنطقة ؟ وكيف تكون قطر كذلك وتركيا العضو في حلف الأطلسي ترسل وحدات عسكرية لها وتعزز قاعدتها العسكرية فيها ؟ الخ .

حسابات الربح والخسارة وإن كانت مؤكدة وواضحة بالنسبة لواشنطن وتل أبيب والأطراف الخارجية ،فإنها ملتبسة بالنسبة للعرب ،هي بلا شك خسارة للشعوب وللدولة الوطنية وللمشروع القومي العربي ،ولكنها غير ذلك للأنظمة وحساباتها ،فهذه مستعدة للتضحية بكل شيء حتى تحافظ على وجودها واستمرارها . في لعبة الأمم تنتصر الدول والمجتمعات التي تسخر كل إمكانياتها وتحارب من أجل مصالحها القومية ،وتخسر الدول والمجتمعات التي تسخر مقدرات الأمة وتحارب للدفاع عن النظام السياسي أو عن طائفة أو مذهب .

 في لعبة الأمم اليوم لم يعد الغرب وإسرائيل مسئولون عما يعانيه العرب من جهل وفقر وعدم استقرار ،أو مسئولون عن العنف و الإرهاب الذي يضرب المنطقة ،فمن أجل الحفاظ على العروش وكراسي الحكم برأت الأنظمة العربية واشنطن والغرب وإسرائيل من المسؤولية ،وأصبح الإرهاب في لعبة الأمم اليوم عربيا وإسلاميا عقائديا بلا منازع . أما قوى المعارضة الوطنية أو القومية أو الثورية الحقيقية فهي إما غائبة كليا عن المشهد السياسي أو تحاول لملمة نفسها وشق طريقها بصعوبة .

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط