كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

لعنة فنزويلا: بين الاعتقال الأميركي والسيطرة التاريخية

لعنة فنزويلا: بين الاعتقال الأميركي والسيطرة التاريخية

تاريخ النشر: 2026-01-03 | 11:12

في خطوة تصعيدية فاضحة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن القبض على نيكولاس مادورو وزوجته وترحيلهما جواً خارج فنزويلا. هذا الإعلان ليس مجرد تحرك سياسي، بل تصرف فاضح يخرق القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، ويؤكد أن الولايات المتحدة لا تتحرك من منطلق حماية الحقوق أو نشر الديمقراطية، بل وفق مصالحها النفطية والاستراتيجية، مستعيدة نموذج السيطرة التاريخية على فنزويلا.

ليست فنزويلا دولة فاشلة، بل دولة جرى إفشالها عمداً. ما يحدث فيها ليس نتيجة سوء حظ اقتصادي، ولا أخطاء اشتراكية معزولة، بل حصيلة حرب طويلة شُنّت باسم الديمقراطية، فيما كان النفط هو الهدف الحقيقي. الولايات المتحدة لم تدخل فنزويلا دفاعًا عن حقوق الإنسان، ولا لمكافحة المخدرات، بل سعيًا للسيطرة على أكبر احتياطي نفطي في العالم، مستخدمة العقوبات والتجويع والانهيار الاقتصادي كسلاح سياسي لإخضاع دولة قررت الخروج عن الطاعة.

بهذا المعنى، لا يمكن قراءة الأزمة الفنزويلية خارج سياقها التاريخي الطويل. فحكاية فنزويلا ليست قصة فشل طارئ، بل مسار ممتد من الإفقار المنظّم يبدأ منذ الحقبة الاستعمارية ولا ينتهي عند مادورو. منذ أن خضعت لما يمكن تسميته بـ"اللعنة الإسبانية". جرى التعامل مع فنزويلا كأرض للنهب لا كدولة قابلة للتطوّر. أرسل الإسبان نبلاء حكموا السكان المحليين، واستثمروا خصوبة الأرض في زراعة البن والكاكاو، مع فرض حظر صارم على التصنيع والتصدير المستقل، مجبرين المستعمرات على إرسال المواد الخام إلى إسبانيا، التي كانت تعيد بيعها كمنتجات نهائية. هكذا وُلد اقتصاد بلا إنتاج، وسكان جرى اقتلاعهم من علاقتهم بالأرض وتحويلهم إلى عمّال داخل منظومة ريعية.

في الوقت الذي كان فيه العالم يشهد الثورة الصناعية ويتجه نحو الابتكار والتكنولوجيا، بدت فنزويلا وكأنها مستفيدة من هذا التخلف. وعندما اكتُشف النفط بكميات هائلة في القرن العشرين، دخلت البلاد مرحلة جديدة من الوهم: بلد حديث شكلياً، لكنه قائم على نفط واحد فقط. طرقت الاستثمارات الأميركية الأبواب، واشترت الامتيازات، وتولّت إدارة آبار النفط وميكنتها. المصالح الأميركية في فنزويلا كانت وما تزال نفطية بحتة، وكل ما عدا ذلك ليس سوى خطاب سياسي للاستهلاك الإعلامي.

مع هوغو تشافيز، دخلت البلاد مرحلة مختلفة شكلياً، لكنها لم تخرج من جوهر الأزمة. رفع تشافيز شعارات العدالة الاجتماعية، ونجح في تحسين أوضاع قطاعات ريفية ومهمشة، لكنه حوّل الدولة إلى أداة أيديولوجية وأدار الاقتصاد بعقلية سياسية لا مؤسساتية، فانهارت الإدارة وتراجعت الإنتاجية.

ورث مادورو اقتصاداً شبه منهار، وتزايدت العقوبات الأميركية التي لم يكن هدفها حماية الشعب أو حقوقه، بل إعادة ترتيب النفوذ والسيطرة على قطاع الطاقة. انهارت العملة، وانتقلت معظم المعاملات إلى السوق السوداء، وهاجر الملايين من المواطنين، بما في ذلك الأكاديميون والمهنيون، بينما بقي من لم يملك وسيلة للهروب عرضة للفقر والجوع اليومي.

هنا يكتسب الإعلان عن اعتقال مادورو وزوجته معنى إضافياً: فهو امتداد مباشر للسياسات الأميركية الطويلة التي تعاملت مع فنزويلا كأرض مفتوحة للتدخل، حيث يتم استخدام القوة المباشرة لتغيير موازين السلطة وإعادة صياغة القانون الدولي بحسب المصالح الأحادية. إنه نموذج صارخ لـ "بلطجة الدول القوية"، حيث تُخرق السيادة الوطنية، وتُستبدل القوانين الدولية بمعايير القوة والنفوذ، لتصبح الدول الأصغر مجرد ساحات للصراع على الموارد والاستراتيجية.

هذا التدخل المباشر يعكس استمرار نمط طويل من فرض النفوذ على فنزويلا، ويؤكد أن أي حكومة تحاول الاعتماد على استقلال قرارها السياسي أو السيطرة على مواردها الطبيعية تواجه تهديداً علنياً وخطيراً من القوى الكبرى، بعيداً عن أي اعتبارات أخلاقية أو قانونية.

فنزويلا ليست دولة فقيرة، بل دولة مُفقَرة، ضحية اقتصاد ريعي طويل، وتدخل أميركي تخريبي، إضافة إلى معارضة مرتهنة بالخارج، وسوء إدارة مزمن، وفساد سياسي، وهجرة عقول، وارتهان للثروة الوطنية لمصالح داخلية وخارجية. كانت يمكن أن تكون واحدة من أغنى دول العالم، لكن الثروة بلا دولة منتِجة، وبلا مؤسسات، وبلا محاسبة تتحول من نعمة إلى لعنة.

×
أخبار
نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط