كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

لفهم ما يجرى فى حرب إيران: الحسم المستحيل (1)

لفهم ما يجرى فى حرب إيران: الحسم المستحيل (1)

تاريخ النشر: 2026-07-14 | 19:38

«في الحرب، كل شىء بسيط للغاية، لكن أبسط الأشياء هو الأصعب». هكذا لخص المنظّر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز في كتابه «عن الحرب» إحدى الحقائق الأكثر رسوخاً في الاستراتيجيات العسكرية. وربما لا يوجد ما يُجسّد هذه الفكرة اليوم أكثر من المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، فكل طرف يمتلك من أدوات القوة ما يسمح له بإيلام خصمه، لكنه يفتقد في الوقت نفسه القدرة على فرض نصر نهائى يغيّر قواعد اللعبة.

خلال العقود الأربعة الماضية، تعايشت واشنطن وطهران مع ما يمكن وصفه بـ«الصراع المدار». تتغير الأدوات، وتتبدّل ساحات الاشتباك، لكن الهدف يظل واحداً: الضغط على الخصم إلى أقصى حد، دون الانزلاق إلى حرب شاملة يدفع الجميع ثمنها. واليوم، ورغم التصعيد العسكري غير المسبوق، لا تبدو الصورة مختلفة كثيراً، بل إن ما يجرى يؤكد أن الطرفين يقتربان من حدود القوة أكثر مما يقتربان من الحسم.

هذا الإدراك ليس جديداً. فقد خلصت دراسات صادرة عن مؤسسات بحثية أمريكية إلى أن أي مواجهة مباشرة مع إيران ستتحول سريعاً إلى حرب استنزاف طويلة، لأن الجغرافيا الإيرانية، واتساع مسرح العمليات، وتعدّد أدوات الرد الإيرانية، تجعل من تحقيق نصر عسكري سريع أمراً بالغ الصعوبة. وفي المقابل، تدرك طهران أن قدرتها على الصمود لا تعني قدرتها على الانتصار، فالفارق الهائل في القوة العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية مع الولايات المتحدة لا يزال قائماً، مهما بلغت كفاءة أدوات الردع الإيرانية.

من هنا، يصبح السؤال الحقيقى ليس: من ينتصر؟ بل: كيف يتجنّب الطرفان الهزيمة؟
الإجابة تكمن في طبيعة الحرب نفسها. فالولايات المتحدة لا تخوض حرباً من أجل احتلال إيران، كما حدث في العراق عام 2003، ولا تبدو مستعدة سياسياً أو اقتصادياً أو شعبياً لتحمل تكلفة عملية برية واسعة. لقد تركت تجربتا العراق وأفغانستان أثراً عميقاً في العقل الاستراتيجى الأمريكي، حتى إن الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما قال ذات مرة إن «الحروب أسهل في بدئها من إنهائها». أما دونالد ترامب، الذي بنى جزءاً كبيراً من خطابه السياسي على رفض «الحروب التي لا تنتهي»، فيدرك أن أي تورّط برى واسع قد يتحول إلى عبء داخلى يُهدّد مستقبله السياسي أكثر مما يُحقّق مكاسب استراتيجية.

ولهذا، تبدو الضربات العسكرية الأمريكية محسوبة بعناية. فهي مؤلمة، لكنها لا تصل إلى مستوى استهداف البنية السكانية أو الدخول في مواجهة شاملة. هناك سقف غير مُعلن للعمليات، تحكمه قواعد اشتباك دقيقة، هدفها إضعاف الخصم لا دفعه إلى الانتحار أو إلى رد فعل يفرض حرباً مفتوحة.

في المقابل، لا تستطيع إيران أن تتصرّف باعتبارها دولة تبحث عن نصر عسكرى تقليدى. فمنذ عام 1979، بنت استراتيجيتها على فكرة «الردع غير المتماثل»، أى استخدام أدوات أقل تكلفة وأكثر مرونة من المواجهة المباشرة. ولهذا ظل نفوذها الإقليمى، وشبكات الحلفاء، والممرات البحرية، والقدرات الصاروخية، عناصر أساسية في معادلة الردع، لأنها تمنحها القدرة على رفع تكلفة أي قرار أمريكي دون الدخول في مواجهة كلاسيكية تعرف مسبقاً أنها ليست في صالحها.

لكن هذه الأدوات نفسها تكشف حدود القوة الإيرانية. فإغلاق مضيق هرمز، أو تهديد الملاحة في باب المندب، أو توسيع نطاق الاشتباك عبر الحلفاء، ليست خيارات مجانية، بل تحمل مخاطر سياسية واقتصادية قد ترتد على طهران قبل غيرها. ولذلك فإن التلويح باستخدام هذه الأوراق غالباً ما يكون أكثر فاعلية من استخدامها الكامل.

ولهذا السبب أيضاً، لا يمكن فهم التصعيد الأخير، باعتباره مقدّمة لحرب شاملة، كما يذهب بعض المعلقين، ولا باعتباره مجرد استعراض للقوة. إنه أقرب إلى ما يسميه الباحثون في العلاقات الدولية «الدبلوماسية القسرية»، أى استخدام القوة العسكرية لتحسين الموقع التفاوضى، وليس لاستبدال التفاوض. ولعل هذه هي المفارقة الكبرى. فكلما ارتفع صوت المدافع، اقتربت لحظة التفاوض.

شهدت العقود الماضية نماذج مشابهة، ففي أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، بلغ العالم حافة الحرب النووية، لكن النهاية جاءت على طاولة التفاهمات السرية. وخلال الحرب الكورية، استمرت المعارك بينما كانت المفاوضات تدور في الوقت نفسه. وحتى في الحرب الروسية - الأوكرانية، لم تتوقف قنوات الاتصال تماماً رغم اشتداد القتال. إن ما نشهده اليوم ليس خروجاً على التاريخ، بل امتداد لمنطقه.

وقد وصفت مجلة «فورين أفيرز» هذه الظاهرة بأنها «التفاوض من موقع القوة»، بينما يرى الباحث الأمريكي توماس شيلينج، أحد أبرز منظرى الردع، أن القوة لا تكمن دائماً في استخدامها، بل في القدرة على توظيف التهديد باستخدامها لتحقيق مكاسب سياسية. هذا بالضبط ما تفعله واشنطن، وما تحاول طهران فعله أيضاً.

لكن ثمة عامل آخر لا يقل أهمية، وهو الاقتصاد. فكل يوم يمر في ظل ارتفاع أسعار الطاقة يضيف ضغوطاً جديدة على الاقتصاد العالمي، ويضع الولايات المتحدة أمام معادلة معقّدة. فالإدارة الأمريكية تستطيع تحمل مواجهة عسكرية محدودة، لكنها لا تستطيع تحمل أزمة اقتصادية ممتدة تُترجم إلى تضخّم أعلى وأسعار وقود مرتفعة قبل استحقاقات سياسية وانتخابية حساسة. وفي المقابل، تدرك إيران أن تعطيل الملاحة لفترة طويلة سيجعلها أول المتضرّرين من تشديد الحصار والعقوبات، وربما من فقدان ما تبقى من هوامش الحركة الاقتصادية التي بنتها خلال سنوات العقوبات.

وهكذا، يجد الطرفان نفسيهما داخل معادلة مغلقة: لا أحد يستطيع الانتصار الكامل، ولا أحد يستطيع التراجع الكامل. هذه هي «منطقة الحسم المستحيل».
ومن هنا، فإن الخطأ الأكبر هو قراءة التصعيد العسكري باعتباره مقدمة حتمية لغزو برى، أو قراءة أي تهدئة باعتبارها نهاية للصراع. فالمواجهة الأمريكية الإيرانية لم تعد حدثاً عابراً، بل أصبحت نمطاً مستقراً في إدارة التنافس على النفوذ في الشرق الأوسط. تتغير أدواته، وتختلف ساحاته، لكن منطقه يبقى ثابتاً.

قد تتوقف الضربات، وقد تُستأنف المفاوضات، وقد تُوقع تفاهمات جديدة، لكن جوهر الأزمة سيظل قائماً ما دامت أسبابها قائمة: مشروع إيرانى يرى في النفوذ الإقليمي جزءاً من أمنه القومي، واستراتيجية أمريكية تعتبر منع هذا المشروع ركيزة لاستقرار النظام الإقليمي الذي تقوده.

لهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: متى تنتهى هذه الحرب؟ بل: هل نحن أمام حرب لها نهاية أصلاً، أم أمام صراع طويل تتغير فيه أدوات الاشتباك، بينما يبقى الحسم... مستحيلاً؟

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط