كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

للتحرر من الراهن الفلسطيني

للتحرر من الراهن الفلسطيني

تاريخ النشر: 2019-01-07 | 23:23

تشهد العلاقات السياسية الوطنية بين أطراف النظام السياسي الفلسطيني، مزيدا من التوتير والفوضى وإضافة أشكال غير خلاقة من التأزيم المتبادل، لتضاف إلى عوامل الانقسام السياسي والجغرافي، عناصر وعوامل جديدة بدأ يفرزها وينتجها نظام سياسي يتفكك، وسياسات استفرادية لا تقيم أي وزن لعلاقات الشراكة الوطنية، حتى بات التردي في قيعان التفسخ والانفصام والانفصال عن الواقع سيد مرحلة تقودها أحاديات فردية، سبق لها وأن طلّقت العمل الجماعي والمؤسسات، وأقامت على أنقاضها هيلمانات سلطوية تدار بفرمانات شخصانية، يراد لها أن تستمر حاكمة، ولو بدعم الاحتلال والانحياز للشراكات التنسيقية الأمنية والسياسية والاقتصادية معه.

لهذا ما عاد ممكنا الرجوع نحو ما كانت تضمره أطراف العمل الوطني الأساسية وغير الأساسية، بل هي توغل في مسارات أصبحت تشكل وتتشكل، كامتدادات للفوضى السياسية والأمنية التي تعم فضاءات دول المنطقة، الأمر الذي أفقد ويفقد الحركة الوطنية الفلسطينية ونظامها السياسي الهجين، حصانة البقاء عند حدوده الوطنية الجامعة كحركة تحرر وطني، أفقدتها السلطة كل ميزات ومميزات القيادة الحكيمة والرشيدة، وها هي تتحول إلى قيادة نرجسية في تطلعاتها وطموحاتها الفئوية والفصائلية غير الجامعة، بحيث إنها لم تعد تعبر عن طموحات الكل الوطني، إلى الحد الذي أوصل الوضع الوطني برمته إلى حضيض النكوص، حيث ما عاد ممكنا الترقيع فيه.

من تداعيات التردي الأوسلوي المتواصل، سياسة وأمنا، ما حدث يوم الجمعة الرابع عشر من ديسمبر/كانون الأول الماضي، حيث كان يوما للقمع الوحشي المزدوج بامتياز، وفعلا من أفعال التنسيق الأمني على حساب كل تنسيق وطني مشترك، لم تعد قيادات السلطة الفاعلة على الأرض تنحاز إليه أو تحتكم له لإيجاد مخارج للمعضلات والمآزق التي بات يتردى الوضع الوطني في قيعانها، حيث شهدت العديد من المدن الفلسطينية في الضفة الغربية، كما في قطاع غزة، فعاليات جماهيرية حاشدة، ردا على جرائم الاحتلال، منها ما تعرض لقمع أجهزة أمن السلطة، لا سيما في الخليل، حيث استفردت (حماس) بقرار الخروج إلى الشارع من دون تنسيق مع قوى الحركة الوطنية، ومنها ما تعرض لقمع أشرس بالنار من جانب قوات الاحتلال، حتى خلنا ساحات المدن الفلسطينية ميادين لقمع أبناء الشعب الفلسطيني، وبأوامر من عنصري التنسيق الأمني الإسرائيلي – الفلسطيني، دفاعا عن سلطة بلا سلطة، تخضع هي الأخرى للاحتلال وتنسق معه في كل شاردة وواردة، في وقت لم يكن يدور في خلدنا أن يتحول المقاتل أو المناضل الفلسطيني إلى قامع لأبناء شعبه بمثل شراسة وضراوة هراوات الاحتلال، دفاعا عن سلطة عميقة تراتبية، ومن أجل راتب مغمس بالدم، حتى تحول ضباط التنسيق الأمني إلى آلة تبرمجها سلطة عميقة، ظاهرة ومستترة، دفاعا عن كينونتها وفئويتها في مواجهة فئويات أخرى، في حين يثبت الجميع فقدانهم عامل الوعي والانتماء والانتساب إلى هوية وطنية وقضية أضحت مُضاعة، حتى بين من ينتسبون وينطقون باسمها.

تعقيبا على ذاك اليوم المشهود، قالت سارة بريتشيت المتحدثة باسم المرصد الأورومتوسطي: "إنها لمقاربة مؤلمة أن السلطة الفلسطينية التي تعاني من إجراءات الاحتلال تجاهها وتجاه الفلسطينيين بشكل عام، تقوم بانتهاج أساليب قمعية تجاه الفلسطينيين وتجعل خنقهم مضاعفاً".
هكذا فعلت وتفعل اتفاقيات أوسلو، في وضع خرج عن أطر الإجماع الوطني، وهي تتكشف عن اتفاقات إخضاعية غير تفاوضية، ولم يعد من قدسية لأي اتفاق يحفظ أقل القليل من كبرياء الانتماء، حتى استبيحت وتستباح المدن والبلدات والمخيمات، ولا تجد من يرد عنها أذى الاحتلال، أو أذى أجهزة أمن السلطة، وهي التي لا تظهر إلا في أوقات الضياع واحتدام المواجهات الشعبية والاحتجاجات والاضطرابات التي تضطر قطاعات معينة للنزول إلى الشارع، أو حتى تلك التي تنزل لتسجيل غضبها وتصعد من ردود أفعالها ردا على جرائم الاحتلال. ومثيلتها جرائم السلطة العميقة المهيمنة في الضفة الغربية، الناتجة من سلطة أوسلو، وهي سلطة أمنية بامتياز، وسلطة عميقة بأكثر من امتياز، لم يعد لها شأن أو صلة بالوطنية الفلسطينية وبأهدافها التحررية المفترضة.

باختصار.. هناك تقصير فاضح يشهده العامل الذاتي، وقصور في الوعي، وتجسير في التصالح واستشراء المصالح البينية والزبائنية بين الاحتلال وسلطتي أوسلو، وإن عبر وسطاء ووكلاء؛ في ظل غياب من يقوم بالدفع نحو استنهاض الحالة الشعبية وتأطيرها كحالة انتفاض ومقاومة شعبية وقيادة موحدة، تقود المهام الكفاحية على أسس وبرامج واضحة، تؤطرها حركة وطنية جبهوية بأفق تحرري وطني، يعيد توجيه نهج سلطة أوسلو نحو ذاك الأفق التحرري الذي تخلت عنه، ويعيد جذبها إليه، بدلا من الخضوع لها، ومحاولة إخضاع قوى الحركة الوطنية لنهج إحدى سماته الأبرز التفريط وإضاعة الفرص والاستفراد بالقرار الوطني، وتغييب أدوار القوى الوطنية، كونها الرافعة الأكيدة لكل مقاومة شعبية أو انتفاض جماهيري عارم.

إن سلطة أو قيادة/نخبة تغيّب ضرورة تطبيق قرارات مؤسساتها الوطنية، وتتجاهل كونها الضرورة الوطنية الملحة في منعطفات كفاحية لا ينبغي الهروب منها، وممالأة العدو واستمرار التنسيق الأمني معه؛ مثل هذه السلطة تسقط حقها في تمثيل شعبها وقيادته نحو ما يريد من تطلعات وأماني وأهداف تحررية، وإلا ما معنى عدم وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال، وعدم التخلي عن اتفاقات أوسلو في الوقت الذي أشبعها الاحتلال موتا بتخليه عن تنفيذ كل مبادئ تلك الاتفاقات. وما معنى عدم سحب الاعتراف المتبادل حتى الآن، بينما تصر حكومات الاحتلال المتعاقبة على أنها لا تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية، فلماذا لا يجري مبادلتها بالمثل؟ ولماذا لا تجرؤ السلطة على الإعلان عن نهاية المرحلة الانتقالية بما يرتبه ذلك من وقف العمل بكل الاتفاقات الموقعة، في حين لم يجر تنفيذ معظمها أصلا، واللجوء إلى ما كانت تهدد به السلطة على الدوام؛ من أنها سوف تعلن عن قيام دولة فلسطين استنادا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 19/67 لعام 2012. وقبل ذلك إعادة النظر في الاتفاق الاقتصادي بكل مكوناته، وما حمله من إجحاف وغبن بحق الطرف الفلسطيني.

على هذه الخلفية التي باتت تزداد وضوحا يوما بعد يوم، لم يعد هناك من رهان مجد، أكثر من رهان الشعب الفلسطيني على قواه الذاتية غير المكبلة، استنادا إلى الوعي والإرادة الحرة، وانطلاقا من الإيمان بوحدة الأهداف المشتركة وعناصرها الجبهوية وتنسيقها الوطني المشترك؛ وإلا فإن السلطة ليس بمقدورها الوصول مع الكولونيالية الإسرائيلية، إلى وضع أرادته هذه الأخيرة منذ البداية، معوجا لصالحها ولصالح أهدافها في نفي وجود هوية وطنية فلسطينية مستقلة، من حقها امتلاك دولة لها فوق أرض الوطن الفلسطيني. أما التكييفات الإخضاعية الأخرى فهي مما لا ينسجم والحق التاريخي الفلسطيني، في مواجهة تلك السرديات التوراتية والإنجيلية التي يراد لها أن تحتل واقعنا وعالمنا المعاصر. فهل يتعظ السلطويون مما آلت إليه سياساتهم وبرامجهم وقراراتهم غير الكفاحية، وما قادوا إليه شعبهم من نكبات ومآس وكوارث وطنية؟.

ليس الاتعاظ مجرد فعل أخلاقي أو عاطفي، ففي واقعنا الفلسطيني لا ينبغي للاتعاظ الذي نعنيه، أن يخرج عن إطار كونه الفاعل الرئيس في الصراع الوطني التحرري، بعد سلسلة الخيبات التي وسمت تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، وهي تواصل اليوم وسم خيباتها الأبرز، من دون اللجوء إلى خيارات الضرورة الكفاحية، وهي خيارات سياسية ودبلوماسية ومجموعة من سياسات الانتفاض والمقاومة الشعبية الدائمة والمستمرة، المؤطرة شعبيا وتنظيميا وجماهيريا، وليس استعمالها واستثمارها موسميا ولغايات سلطوية وفئوية فصائلية, كي لا يستمر التعلل بموضوعة الكفاح المسلح والعمليات العسكرية، فما ينبغي تطويره في مجرى الصراع من أساليب، تلك الوسائل المبتكرة الشعبية ذات العلاقة بمواجهة الاحتلال وحركة الاستيطان ومخططاته التهويدية، لا العودة إلى الوراء خطوة من أجل التقدم خطوات إلى الأمام، بكل ما يعنيه ذلك من ابتعاد عن أطر الصراع وتوثيق العلاقة التنسيقية الأمنية والاقتصادية مع الاحتلال.

مرة أخرى يمكن القول أن الوطنية الفلسطينية الموحدة، لا يمكنها الانتصار في معركة الوعي والتحرر الوطني، فيما بعض أطرافها القيادية تمالىء العدو، وتشاركه في حرب طمس الوعي التي تخوضها الكولونيالية الاستيطانية الإسرائيلية، من أجل تهيئة الأرض الفلسطينية كلها للتطبيع وللشراكة التنسيقية مع الاحتلال، وهنا نقع تحديدا على لب المسألة: لماذا لا يجري تنفيذ قرارات المؤسسات الوطنية، والمماطلة والتسويف في تطبيقها؛ لا سيما وهي تتحول إلى مجرد لفظ شعاري، لا يعني لأصحابه من "القيادات" أي قيمة معيارية، وقد تحول الوطني إلى فئوي، قليلا ما يهتم بمسألة الصراع، وإن اختار مبكرا مسألة الشراكة مع سيد الاحتلال ومستوطنيه، وعيا منه لمصالحه الخاصة، المغايرة للمصالح والتطلعات الوطنية الفلسطينية العامة.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط