كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

لماذا التفاهة؟

لماذا التفاهة؟

تاريخ النشر: 2016-06-10 | 07:43

التفاهة هي فقدان المعنى والمغزى.
المرء يكتسب المعنى بما يحققه على صعيد الإنجاز. المعنى هو أن تكون قادراً على الفعل. الإنجاز ترجمة لحياتك، هو ما يمنح المعنى. فاقد المعنى هو من لم يستطع أن يضع نفسه موضع التحقق. معنى كلمة هو كلمة أخرى. نفتش في القاموس عن معنى كلمة لا نعرفه، بأن نجد مقابلاً لها في كلمة أخرى نعرفها. المعنى هو أن نسير من المجهول إلى المعلوم؛ أن نعرف ما لم نكن نعرفه، أن نخلق إنجازاً لم يكن ليتحقق من دون عملنا. نحقق أنفسنا عندما نفعل وننجز عملاً أو أعمالاً نحول بواسطتها الكامن أو المجهول إلى موجود بالفعل؛ انتقال من حال الكمون إلى حالة الظهور.
يحقق المرء المغزى بأن يكون على انسجام مع نفسه، وأن تكون أفعاله نابعة من ضميره، فلا يتخلى عن القيم والمعايير الأخلاقية عندما يعلو منصبه، ولا تصغر نفسه عندما يصير خارج تراتبية المجتمع والوظيفة. المغزى هو الذات كما ترى نفسها، لا الشرف الذي يعتمد صاحبه على رؤية الآخرين له. هو الضمير الفردي في تجلياته؛ اعتداد بالنفس لا كبَر فيه. احترام للذات يتقرر على أساس الاعتبار للآخرين لا على أساس اعتبار الآخرين للذات. أن تكون في كل أفعالك شبيه نفسك؛ أن تواجه كل الضغوطات الخارجية والإغراءات كالمال أو المنصب أو غيرهما، كما قال الشاعر:
وحالات الزمان عليك شتى
وحالك واحد في كل حال
كل منا ذو وضع في مجتمعه. صاحب المغزى والمعنى لا يصغر إذا انزلقت منزلته إلى الأدنى، ولا يكبر مع علو شأنه.
التفاهة هي أن نرى الشجرة من دون أن نرى الغابة التي أمامنا. تشغلنا الشجرة. ينشغل عقلنا بالأمور الصغيرة. يصعب علينا التفكير في قضايا تتجاوز المباشر والراهن والحدث اليومي، والقيل والقال. رؤية الغابة تتطلب تفكيراً أكثر تعقيداً وتركيباً. التفاهة تعشق البسيط والسطحي. لا تعرف أن الخبر حدث، وأنه جزء من رواية، وأن الرواية نتيجة فهم لا يتيحه تكرار الحدث أو الأخبار عن أحداث دون الربط بينها. يختفي الحدث عندما يحدث؛ تبقى المعرفة به. من غير الممكن معرفة الحدث دون الأسباب والنتائج؛ دون اكتناه السياق.
التفاهة هي السطحية؛ سطح تنزلق الأحداث عليه من دون أن تترك أثراً. لا نتائج لها. تبديد للأسباب. نقيض للنباهة حيث يكون الاعتبار للأحداث مع إحاطة وربط في ما بينها بما يشكل رواية أو نظرية أو فلسفة. الرواية سرد للأحداث بشكل منطقي. النظرية سرد للأحداث مع تعليل الأسباب وفهم قوانينها. الفلسفة تجمع الأحداث في رؤية شاملة، غير جانبية. صاحب المعنى والمغزى على استعداد دائم للمواجهة بالرأي، تحقيقاً لذاته، اقتحاماً للمجهول، إنجازاً لما يمكن تحقيقه. صاحب التفاهة لا يرى في النقاش فائدة. الحوار عنده معدوم. الحوار في قضايا الغابة غير مجد. لا جدوى عنده إلا في ما هو راهن ينزلق باستمرار بين أيدينا.
العقل المستريح هو الحامل للتفاهة. لا أسئلة عنده. الإجابات تتعلق بأحداث صغرى. ليس في هذا القول تلميح إلى ضرورة إهمال التفاصيل. لكن للتفاصيل سياقات. في اكتشاف السياقات، أو في محاولة ذلك يخرج العقل المستريح من اطمئنانه.
في مجتمعنا هل المال مكان جميع القيم الأخرى. ليس مهماً ما تنجزه أنت في مجالات الفن والسياسة والأدب والاقتصاد. لكل من هذه الحقول، وغيرها، معاييره. إلغاء المعايير لكل الحقول وحصرها في معيار واحد هو انعدام العدالة، هو التحول إلى التفاهة. يصير المال مقابلاً لكل شيء، مقابل كل ضمير وكل رأي وكل إنجاز، وكل معنى وكل مغزى. يصير المال أساس كل القيم. يقمع الجميع من مثقفين وغيرهم. المثقف الذي يختار غير ذلك يصير وحيداً منبوذاً مثل «البعير المعبد» الذي خاطب نفسه به طرفة بن العبد.
لا يختلف مجتمعنا عن المجتمعات الأخرى؛ بل هي ظاهرة عالمية. حتى في البلدان الأكثر ديموقراطية، يفرض الأجندة أصحاب وسائل الإعلام ووسائل الاتصال الاجتماعي والميديا. ترى خبراً صغيراً تافهاً يشغل الدنيا. في ذلك تعمية وإسدال الحجاب على الأحداث الكبرى والسياقات. تقاس قدرة المرشحين للرئاسة في الولايات المتحدة بقدرتهم على جمع المال والتبرعات التي تتدفق عليهم. وكل ذلك لقاء مقابل.
«التحايل على الأغبياء» عنوان كتاب أصدره اثنان من حملة جائزة نوبل. هو وصف للنظام الرأسمالي. يبدو أن الغباء يُصنع. يصنعه المال. تضطر إلى الكثير من القدرة على التحمل، وتحتاج إلى كثير من المعنى والمغزى كي تحتفظ بالصلابة الذهنية، كي لا تنساق مع الأجندة المرسومة لك ولغيرك.
يبدو أن التفاهة من ضرورات النظام الرأسمالي.
عن السفير

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط