كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

لماذا تخشى إسرائيل الاتفاق أكثر مما تخشى إيران؟

لماذا تخشى إسرائيل الاتفاق أكثر مما تخشى إيران؟

تاريخ النشر: 2026-06-14 | 18:05

تكشف ردود الفعل الإسرائيلية على الاتفاق المتبلور بين واشنطن وطهران أن الخلاف لا يدور حول بنود تقنية أو تفاصيل نووية فحسب، بل حول مستقبل التوازنات الإقليمية وموقع إسرائيل فيها. فكلما اقتربت لحظة التفاهم، ارتفع منسوب القلق والتصعيد، وكأن المعركة الحقيقية تدور حول شكل الشرق الأوسط الذي قد يولد في اليوم التالي للاتفاق.

النقطة الأهم في كل ما يجري ليست الاتفاق بحد ذاته، بل حالة الذعر السياسي والإعلامي التي أحدثها مجرد الحديث عن اتفاق إطار بين واشنطن وطهران. فلو كان الأمر يتعلق ببنود تقنية أو خلافات يمكن احتواؤها، لما شهدنا هذا المستوى من التصعيد الخطابي داخل اليمين الإسرائيلي، ولا هذا السيل من التحذيرات التي تتحدث عن “خطر وجودي” و”خيانة أميركية” و”ضرورة الاعتماد على النفس”.

ما يظهر في إسرائيل خلال الساعات الأخيرة هو أن الاتفاق المحتمل يُقرأ في جزء كبير منه من خلال عدسة السياسة الداخلية والانتخابات المقبلة. فنتنياهو، الذي يستعد لمعركة انتخابية صعبة، لا يستطيع الظهور بمظهر من يقف متفرجاً بينما تُعاد صياغة الترتيبات الإقليمية بين الولايات المتحدة وإيران. ولذلك فإن أي تفاهم أميركي ـ إيراني يتحول تلقائياً إلى تهديد سياسي داخلي له، حتى لو تضمن قيوداً واسعة على البرنامج النووي الإيراني.

من هنا يمكن فهم نبرة الغضب غير المسبوقة في أوساط اليمين الإسرائيلي، وكذلك الأصوات التي بدأت للمرة الأولى تهاجم الرئيس الأميركي دونالد ترامب بصورة مباشرة أو غير مباشرة. لكن عندما تتعارض المصالح الإسرائيلية كما يراها اليمين مع المصالح الأميركية كما يراها ترامب، يصبح الهجوم عليه سلعة سياسية رائجة في معسكر اليمين.

في المقابل، تبدو المعارضة الإسرائيلية أكثر حذراً؛ فهي تهاجم نتنياهو بشدة لكنها تتجنب الصدام مع ترامب. غير أن هذا السلوك يُفسَّر لدى قطاعات من الشارع الإسرائيلي على أنه ضعف أو عجز عن مواجهة واشنطن، ما يمنح اليمين مساحة إضافية لتقديم نفسه بوصفه المدافع الوحيد عن الأمن القومي الإسرائيلي.

وفي هذا السياق، يصعب فصل الغارة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت عن المناخ السياسي المحيط بالمفاوضات. فالعملية جاءت في ذروة الحديث عن اتفاق وشيك، وفي وقت أعلن فيه ترامب بنفسه أنه طلب من نتنياهو التوقف عن مهاجمة حزب الله حتى لا تتضرر المفاوضات، بل وعبّر بصورة غير مألوفة عن استيائه من السلوك الإسرائيلي.

لهذا السبب، يبدو التفسير القائل إن ما جرى في الضاحية يتجاوز مجرد تثبيت قواعد الاشتباك أو الردع تفسيراً منطقياً. فإسرائيل تدرك أن إيران تواجه معضلة حقيقية: الرد على الضربة والمخاطرة بنسف التفاهمات الآخذة بالتبلور مع واشنطن، أو الامتناع عن الرد بما ينعكس سلباً على صورة الردع الإيرانية في المنطقة. ومن هنا لا يمكن استبعاد أن يكون أحد أهداف الضربة استدراج رد إيراني أو رد من أحد حلفائها من أجل تعقيد المسار التفاوضي وإعادة خلط الأوراق.

ويزيد من أهمية هذا التقدير ما كشفه الإعلام الإسرائيلي عن حالة من الارتباك داخل الإدارة الأميركية نفسها بعد الغارة على الضاحية. ففي حين انتقد ترامب الهجوم علناً وحمّل إسرائيل مسؤولية تعقيد المسار التفاوضي، أشاد وزير الحرب الأميركي بالرد الإسرائيلي واعتبره محدوداً ومنضبطاً، بينما كثفت وزارة الخارجية الأميركية ضغوطها على طهران لمنع أي رد قد ينسف التفاهمات المتبلورة. ويعكس هذا التباين محاولة أميركية للجمع بين ثلاثة أهداف متعارضة في آن واحد: حماية إسرائيل، ومنع التصعيد الإقليمي، والحفاظ على فرص التوصل إلى اتفاق مع إيران.

ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو الضربة الإسرائيلية أكثر إحراجاً لواشنطن منها لطهران، لأنها وضعت الإدارة الأميركية أمام مهمة مزدوجة: منع إيران من الرد، وفي الوقت نفسه منع إسرائيل من إفشال المسار السياسي الذي يسعى ترامب إلى إنجازه. وربما للمرة الأولى منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، لا يبدو الخلاف مع نتنياهو متعلقاً بوسائل التنفيذ، بل بالهدف نفسه. فالإدارة الأميركية تنظر إلى الاتفاق باعتباره إنجازاً يمنع إيران من التحول إلى قوة نووية، بينما يتعامل معه نتنياهو باعتباره تهديداً سياسياً واستراتيجياً يجب وقفه أو تعطيله. ولذلك لم يكن الغضب الأميركي من الضربة مرتبطاً بحجمها العسكري بقدر ما ارتبط بتوقيتها، لأنها جاءت في لحظة تحاول فيها واشنطن تثبيت تفاهم ترى فيه مصلحة أميركية وإسرائيلية معاً، فيما يسعى نتنياهو إلى منع ولادة هذا الواقع الجديد أو رفع كلفته إلى الحد الأقصى.

وفي الوقت نفسه، تكشف التصريحات والتحليلات الصادرة عن المقربين من نتنياهو أن جوهر الاعتراض الإسرائيلي لا يتعلق فقط بتفاصيل الاتفاق، بل بفلسفة الاتفاق نفسها. فالخطاب السائد في أوساط اليمين يقوم على فكرة أن إيران ليست خصماً عادياً يمكن التوصل معه إلى تسوية، بل مشروعاً استراتيجياً يهدف إلى تقويض إسرائيل. ومن هذا المنطلق، فإن أي اتفاق لا يؤدي إلى إخراج اليورانيوم المخصب من إيران بصورة كاملة يُنظر إليه باعتباره اتفاقاً ناقصاً وخطيراً. كما أن الرسالة المتكررة في هذا الخطاب لا تقتصر على التحذير من إيران، بل تمتد إلى واشنطن نفسها، ومفادها أن المسؤولية النهائية عن أمن إسرائيل تقع على إسرائيل وحدها، وأنها تحتفظ بحق التصرف منفردة إذا رأت أن الاتفاق لا يلبي متطلباتها الأمنية.

مع ذلك، فإن الصورة لا تزال ضبابية. فإيران لم تحسم موقفها النهائي بعد، والتسريبات الإيرانية حول بنود الاتفاق قد تكون جزءاً من محاولة لتحسين شروط التفاوض أو للضغط على إدارة ترامب. وفي المقابل، لا يبدو أن ترامب مستعد للتخلي بسهولة عن اتفاق يعتبره إنجازاً سياسياً كبيراً قد يُسجل باسمه في لحظة حساسة داخلياً وخارجياً.

وربما لهذا السبب تحديداً تبدو ردود الفعل الإسرائيلية على الاتفاق أكبر من حجم التفاصيل المعروفة عنه حتى الآن. فالمعركة بالنسبة إلى نتنياهو ومعسكره لا تتعلق فقط بمستقبل البرنامج النووي الإيراني، بل أيضاً بشكل الشرق الأوسط الذي قد ينشأ بعد الاتفاق، وبالمكانة التي ستحتلها إسرائيل فيه، وبقدرة نتنياهو على تسويق نفسه داخلياً باعتباره الزعيم القادر على منع ما يصفه اليمين بالأخطاء التاريخية. لذلك فإن النقاش الدائر في إسرائيل لا يقتصر على بنود الاتفاق، بل يمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بمن يملك حق رسم قواعد المرحلة المقبلة: واشنطن أم تل أبيب؟ وربما لهذا السبب يبدو أن جزءاً من الجدل الإسرائيلي الحالي يدور حول مكانة إسرائيل نفسها في النظام الإقليمي المقبل، لا حول الملف النووي الإيراني وحده.

لذلك، فإن الساعات والأيام المقبلة لن تحدد فقط مصير الاتفاق الأميركي ـ الإيراني، بل ستكشف أيضاً ما إذا كانت إسرائيل تسعى فعلاً إلى التكيف مع واقع إقليمي جديد، أم أنها تحاول عبر التصعيد العسكري والسياسي استدعاء أزمة تعيد خلط الأوراق وتؤجل لحظة التفاهم بين واشنطن وطهران. وحتى تتضح الإجابة، يبقى احتمال الرد الإيراني العامل الأكثر حساسية، لأنه وحده القادر على نقل المنطقة من مرحلة التفاوض إلى مرحلة المواجهة من جديد.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط