كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

لماذا تمنعون الفيلم؟

سبق للدراما الإيرانية أن أنتجت مسلسلاً عن النبي يوسف عليه السلام، وهو المسلسل الذي أثار جدلاً كبيراً وتم منع عرضه في عدد من الدول العربية، كما لا يمكن أن ننسى أن شركتين سعودية وقطرية أنتجتا وعرضتا مسلسلاً عن الصحابي الجليل والخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب، في عام 2012، وأن هذا المسلسل بالذات لاقى هجوماً واسعاً من منابر إيرانية، وذهب بعض تلك المنابر إلى منع عرضه.

يواجه فيلم "محمد رسول الله" للمخرج الإيراني مجيد مجيدي معارضة شرسة على مستويات عديدة في العالمين العربي والإسلامي، وهي معارضة لا تقف عند حدود "الموقف الشرعي" من تجسيد الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) والشخصيات ذات القداسة في عمل درامي فقط، ولكنها تمتد أيضاً لتتخذ منحى سياسياً على خلفية النزاع الإيراني- العربي، أو في قول آخر "الفارسي- العربي".
أبرز الاعتراضات على عرض الفيلم تستند إلى "تحريم" تجسيد صور الأنبياء والأشخاص ذوي القداسة بواسطة ممثلين يمكن أن يكون سلوكهم الشخصي منحرفاً أو محل جدل، أو يمكن أن يلعبوا أدواراً أخرى مستقبلاً تنطوي على عري أو إفساد أو إسفاف، بما يمس قداسة تلك الشخصيات وينال من صورتها.
ومن الزاوية السياسية، يرى البعض أن إعلان صُناع الفيلم عن إنتاج جزأين آخرين يعني ببساطة أنهم سيقومون بتناول الأحداث محل الجدل والخلاف في التاريخ الإسلامي، وعلى رأسها بالطبع مسألة الصراع على الخلافة، وأحقية الولاية، ومواقف الصحابة الكرام، وهي المواقف التي تشكل مصدر اختلاف رئيساً في الرؤى بين الجانبين السني والشيعي، وفي قول آخر العربي والفارسي.
لذلك، فقد سارعت المحافل السنية الأهم، سواء في مصر أو المملكة العربية السعودية، إلى إعلان الموقف الحاسم برفض الفيلم والدعوة إلى منع عرضه، بل وتحريمه، غير حافلة بالطبع بأن "الأصل في الأشياء الإباحة طالما لم يرد فيها نص بالتحريم"، وغير مكترثة أيضاً بأن النصوص القطعية الدلالة في الإسلام لم تعالج هذه المسألة، كما يؤكد علماء موثوقون.
والواقع أنه من الممكن تفهم موقف المجامع السنية الرئيسة التي عارضت عرض هذا الفيلم، من زاوية أنها تتحسب من وقوع أي إساءة لشخص الرسول الكريم أو أي من الصحابة وآل البيت الكرام.
ويمكن كذلك تفهم الاعتبار السياسي وراء اتخاذ مثل هذا القرار ذي الطابع الديني، من زاوية استباق الدول العربية المعنية بالأمر إمكانية صدور الأجزاء التالية من الفيلم، بما قد تحويه من إسقاطات تهدف إلى تعزيز الموقف الإيراني في التضاغط السياسي والاستراتيجي الراهن في المنطقة، أو تؤجج الفتن الطائفية التي تتفاعل في أكثر من بلد عربي في سياق التنافس والتصارع مع طهران.
لكن ما لا يمكن تفهمه هو اعتقاد بعض من قرروا منع الفيلم وتحريمه أن الظروف الاتصالية الراهنة تسمح بتفعيل مثل هذا القرار.
وما لا يمكن تفهمه أيضاً هو انخراط كثيرين من أفراد الجمهور العربي في عمليات تجريم وتحريم للفيلم عبر مواقع التواصل الاجتماعي والأنشطة التفاعلية الأخرى في الإعلام التقليدي والمجتمع، انطلاقاً من ذات التصور المبني على فكرة "حماية القداسة"، بل والقيام أيضاً بـ"تخوين" أو "تكفير" من يقول بصعوبة المقاطعة، أو عدم واقعية المنع.
مازلت أذكر ذلك الصديق الذي أكد لي أنه شاهد فيلم "الرسالة" الذي تم إنتاجه في عام 1976، أربع مرات حين كان ممنوعاً من العرض، وأنه منذ إتاحة عرضه لم يعد يشاهده.
ليت الأمر يقتصر على فيلم "الرسالة" فقط، لكنني أذكر أيضاً كيف قضى أبناء جيلي أوقاتاً طويلة وبذلوا جهوداً حثيثة لكي يحصلوا على كتاب "في الشعر الجاهلي"، أو رواية "أولاد حارتنا"، أو "آيات شيطانية"، أو كتب صادق جلال العظم، وفرج فودة، ومحمد أركون، والعفيف الأخضر، ونصر حامد أبوزيد، وسيد القمني، وخليل عبدالكريم، ومحمد شحرور وغيرهم.
لقد حدث هذا في وقت كانت وسائل الاتصال فيه ضعيفة ومحدودة، وقدرات الدولة على الحجب والمنع والتعتيم قياسية، على عكس ما نشهده حالياً من ثورة اتصالات وانفجار معلوماتي، يجعلان من إمكانية المنع مستحيلة.
لا يعرف كثيرون أن عدد المسيحيين تضاعف أربع مرات خلال المئة عام المنصرمة على المستوى العالمي، ليرتفع من 660 مليوناً إلى 2.2 مليار نسمة، بموازاة إنتاج نحو 395 فيلماً عن السيد المسيح في الفترة نفسها؛ وهي أفلام تراوحت بين "الدعوي التمجيدي" و"النقدي التجريحي"، وكلها استعانت بممثلين ليؤدوا دور السيد المسيح، وغيره من الشخصيات ذات القداسة لدى المتدينين المسيحيين.
لا يقتصر الأمر فقط على الأفلام التي تعرض حياة نبي المسيحية، لكنها تمتد أيضاً لتشمل أنبياء آخرين؛ مثل موسى، ونوح، وآدم، وغيرهم، عليهم جميعاً السلام.
ولا يمكن بالطبع أن ننسى في هذا الصدد أن الدراما الإيرانية سبق أن أنتجت مسلسلاً عن النبي يوسف عليه السلام، وهو المسلسل الذي أثار جدلاً كبيراً وتم منع عرضه في عدد من الدول العربية، كما لا يمكن أن ننسى أن شركتين سعودية وقطرية أنتجتا وعرضتا مسلسلاً عن الصحابي الجليل والخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب، في عام 2012، حيث جسد شخصه الكريم أحد الممثلين، وأن هذا المسلسل بالذات لاقى هجوماً واسعاً من منابر إيرانية، وذهب بعض تلك المنابر أيضاً إلى منع عرضه.
ثمة واقعة أخرى ذات دلالة يجب إيرادها في هذا السياق، وهي واقعة فيلم "براءة المسلمين" أو "محاربو الصحراء"، الذي أنتجه وأخرجه مخرج أميركي من أصل مصري، وتم عرضه عام 2012، وترتب على ذلك أحداث عنف وتظاهرات شملت دولاً عدة، وشهدت ذروتها في ليبيا حيث تم قتل أربعة دبلوماسيين أميركيين بينهم السفير.
لقد كان الفيلم مسيئاً بحق الرسول الكريم، لكنه كان ضعيفاً فنياً وإنتاجياً بدرجة كبيرة، ولم يتم الالتفات إليه أو التوسع في مشاهدته إلا بعد موجة العنف والتظاهرات والاحتجاجات التي صاحبت عرضه.
إن منع عرض فيلم "محمد رسول الله" قرار اختلط فيه التأويل الشرعي بالموقف السياسي، وهو قرار لم يُدرس جيداً.
لا يمكن منع عرض أي مصنف فني عبر قرار يصدر عن أي سلطة في ظل النظام الاتصالي الراهن، الذي أذاب القيود وأطاح الحدود.
يخبرنا التاريخ أن كل مصنف فكري أو أدبي أو فني ممنوع مرغوب، وأن التكالب على مطالعته واقتنائه يزيد كلما زادت حدة المنع.
* كاتب مصري
عن الجريدة الكويتية

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط