كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

لماذا لم تُسَقط طهران؟

لماذا لم تُسَقط طهران؟

تاريخ النشر: 2026-04-05 | 11:47

لو كانت الحروب تُحسم بالتفوق العسكري وحده، لكانت طهران قد سقطت منذ زمن. فالولايات المتحدة التي استطاعت إسقاط أنظمة في بغداد وكابول خلال أسابيع، وتمتلك قدرة شبه مطلقة على ضرب عمق الأراضي الإيرانية من الجو والفضاء السيبراني، ليست عاجزة تقنيًا عن إلحاق ضرر هائل بالدولة الإيرانية.

هذه المفارقة تعيد طرح السؤال الأكثر إلحاحًا في المشهد الإقليمي: إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على إلحاق هذا القدر من الضرر بالبنية العسكرية الإيرانية، فلماذا لا تذهب أبعد من ذلك إلى إسقاط النظام نفسه؟ ولماذا تبدو حذرة على نحو لافت، رغم أكثر من أربعة عقود من العداء التخادمي المعلن بين الطرفين، الذي تخللته في بعض المحطات أشكال من التعاون التكتيكي، كما حدث في صفقة إيران–كونترا أو خلال الحربين على بغداد وكابول؟ ومع ذلك ما تزال واشنطن تتجنب تحويل هذا التفوق العسكري إلى مشروع حرب شاملة تهدف إلى إسقاط النظام في طهران.

لفهم هذه المفارقة لا يكفي النظر إلى ميزان القوة العسكرية وحده، بل إلى طبيعة الحروب التي تختار القوى العظمى خوضها، والحدود التي تفرضها الجغرافيا والسياسة والمصالح على استخدام تلك القوة.

للإجابة عن هذا السؤال لا بد من التمييز بين نوعين مختلفين من الحروب: حرب التدمير من الجو، وحرب السيطرة على الأرض. الأولى تستطيع القوى العظمى تنفيذها بسرعة اعتمادًا على تفوقها التكنولوجي، أما الثانية فهي مشروع سياسي وعسكري طويل يتطلب السيطرة على دولة كاملة وإدارة مجتمع كبير ومعقد لفترة غير محددة.

من الناحية العسكرية البحتة، لا يوجد شك كبير في قدرة الولايات المتحدة على إلحاق أضرار واسعة بالبنية النووية والعسكرية الإيرانية. فالقدرات الجوية الأميركية، وشبكات الاستطلاع الفضائي، والتفوق في الحرب السيبرانية، تجعل من الممكن استهداف منشآت استراتيجية بدقة عالية. غير أنّ القدرة على الضرب من الجو لا تعني بالضرورة القدرة على إدارة دولة كبيرة ومعقدة بحجم إيران بعد انهيار نظامها، التي تزيد مساحتها عن 1.6 مليون كيلومتر مربع ويقترب عدد سكانها من تسعين مليون نسمة، وتحيط بها تضاريس معقدة من جبال وصحارى. مثل هذه الجغرافيا لا تمنع الغزو تمامًا، لكنها تجعل أي تقدم بري بطيئًا ومكلفًا، وتفتح الباب أمام حرب استنزاف طويلة.

وقد أظهرت تجربتا العراق وأفغانستان أنّ إسقاط الأنظمة قد يحدث بسرعة، لكن السيطرة على المجتمع بعد سقوط الدولة قد تتحول إلى صراع طويل ومكلف. فالجيوش تستطيع دخول العواصم بسهولة نسبية، لكنها تجد صعوبة كبيرة في إدارة مجتمع كبير ومعقد لفترة طويلة دون كلفة بشرية واقتصادية هائلة.
ومع ذلك، فإنّ عناصر القوة الإيرانية المتمثلة بالصواريخ البالستية والجوّالة والمُسيّرات، وقدرتها على تعطيل الممر المائي في هرمز، لا تلغي حقيقة أنّ النظام يواجه ضغوطًا داخلية متزايدة. فالعقوبات الاقتصادية الطويلة أدت إلى تضخم مرتفع وتراجع في قيمة العملة، كما شهدت البلاد موجات احتجاج متكررة خلال السنوات الأخيرة؛ إضافة إلى أنّ استمرار التوترات الإقليمية، والعدوان الإيراني السافر على دول مجلس التعاون الخليجي لا يزيد النظام الإيراني إلا عزلة، سواء في إطاره الإقليمي أو في المحيط الدولي.

في هذا السياق تبدو الاستراتيجية الأميركية أقرب إلى إضعاف القدرات الاستراتيجية الإيرانية دون الذهاب إلى إسقاط الدولة بالكامل. فالضربات الجوية يمكن أنْ تعطل البرنامج النووي وتستنزف البنية العسكرية، لكنها تترك الباب مفتوحًا أمام إدارة الصراع بدلًا من حسمه بحرب شاملة.

ومع ذلك، فإنّ تصوير السياسة الأميركية على أنها نتاج حسابات عقلانية باردة فقط قد يكون تبسيطًا مفرطًا. فالسياسة الخارجية في واشنطن لا تُصاغ في فراغ استراتيجي خالص، بل تتأثر أيضًا بعوامل داخلية مثل الانتخابات وضغوط الكونغرس وتأثير جماعات الضغط ودور الإعلام والرأي العام.

ضمن هذا الإطار تبرز أهمية المواقع الاستراتيجية في الخليج، وفي مقدمتها جزيرة خارك "خرج" التي تعد المركز الرئيسي لتصدير النفط الإيراني. فتهديد هذه الجزيرة لا يطال مجرد منشأة اقتصادية، بل يضرب الشريان الأساسي للاقتصاد الإيراني.
لكن هذا النوع من الضغط يحمل بدوره مخاطر تصعيد إقليمي واسع، لأنّ إيران قد تَرُد عبر استهداف الملاحة في الخليج أو عبر شبكات حلفائها في المنطقة. ولهذا السبب تبقى الضربات الجوية، مهما كانت واسعة، جزءًا من لعبة توازن دقيقة بين الردع والتصعيد.
وفي السياق ذاته تحاول الولايات المتحدة تضخيم مسألة مضيق هرمز وكأنها عاجزة عن التعامل معها بمفردها، فتدفع نحو تشكيل قوة دولية لحماية الملاحة، في خطوة تعكس أيضًا رغبة في إظهار اصطفاف دولي واسع تحت الهيمنة الأميركية.

في جوهرها تقوم السياسة الأميركية في الشرق الأوسط على مزيج من المصالح الاستراتيجية: ضمان تدفق الطاقة، حماية أمن إسرائيل ودمجها كعنصر طبيعي في الإقليم، الحد من تمدد القوى المنافسة مثل الصين وروسيا، والحفاظ على التفوق التكنولوجي والعسكري. ضمن هذه الحسابات قد لا يكون إسقاط النظام الإيراني عبر غزو شامل الخيار الأكثر عقلانية، لأنّ الفراغ الذي قد ينشأ في دولة بهذا الحجم قد يكون أكثر خطورة من بقاء النظام نفسه.

على الرغم من الضبابية السياسية التي تعتمدها إدارة ترامب في التعامل مع العمليات العسكرية، يبقى السؤال الحقيقي اليوم لا يتعلق بقدرة الولايات المتحدة على ضرب إيران، بل بكيف يمكن أنْ تنتهي هذه الجولة من التصعيد. فهناك سيناريوهات متعددة، تتراوح بين حملة جوية محدودة تعقبها تهدئة غير معلنة، وبين حرب استنزاف طويلة، أو حتى مواجهة إقليمية أوسع تشمل الخليج ومضيق هرمز عنوانها الطاقة، تتقاطع مع حرب أميركية غير معلنة على الصين، أكبر مستورد للطاقة في العالم. فكل اضطراب في هرمز ينعكس مباشرة على كلفة الإنتاج وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها اقتصادها وهنا تبرز مفارقة: إيران تصدر نفطها طوال الحرب لصالح الصين وآسيا من هرمز ، لهذا قد يكون الهدف الأميركي عسكريًا إغلاقه بالكامل إذا تعذر فتحه.
لكن الاحتمال الأقرب في المدى المنظور يبقى استمرار سياسة الاحتواء والضغط، والسيطرة البرية الجزئية على المرافق النووية والبالستية، مع السيطرة على جُزر الساحل سيّما جزيرة خارك "خرج" النفطية التي تبعد 30 كيلومترًا عن سواحلها، كصورة نصر يمكن أنْ تُنهي الحرب دون اتفاق. فكل الأطراف تدرك أنّ الحرب الشاملة قد تفتح أبوابًا يصعب إغلاقها، سواء على مستوى استقرار الخليج أو على مستوى الاقتصاد العالمي.

في نهاية المطاف تكشف الأزمة الإيرانية طبيعة القوة العظمى وحدودها في آنٍ واحد. فالقوة العسكرية الهائلة لا تعني بالضرورة القدرة على إعادة تشكيل الدول والمجتمعات. تمتلك الولايات المتحدة الوسائل الكفيلة بإلحاق ضرر بالغ بإيران، لكنها تدرك أنّ إسقاط نظام سياسي في دولة بحجم إيران قد يفتح فراغًا استراتيجيًا يصعب احتواؤه. ولهذا قد يكون بقاء النظام تحت ضغط دائم أقل خطورة، في الحسابات الاستراتيجية الأميركية، من انهياره المفاجئ.

×
أخبار
«واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط