كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

لماذا نجح الصهاينة وفشل العرب؟

لماذا نجح الصهاينة وفشل العرب؟

تاريخ النشر: 2017-11-05 | 10:29

لا أعلم لماذا كان البعض ينتظر من بريطانيا أن تعتذر عن خطيئتها التاريخية في وعد بلفور المشؤوم الذي حصل قبل مئة عام في 2 نوفمبر 1917، وهي التي ترى الفلسطينيين والعرب الآن منشغلين في صراعاتٍ داخلية ولا يستخدمون أي وسائل ضغطٍ على بريطانيا أو غيرها للاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، أو لإدانة ما قامت به دول استعمارية قبل قرنٍ من الزمن!

ولعلّ ما يفيدنا كعرب في مراجعة ما حدث منذ قرنٍ من الزمن هو هذا التشابك الذي حصل في مطلع القرن الماضي بين نتائج الحرب الأولى وخضوع المنطقة العربية للاستعمار الأوروبي، وبين ظهور الحركة الصهيونية بعد تأسيسها في مؤتمرٍ بسويسرا عام 1897.

الأرض العربية تشهد الآن جملة تحوّلاتٍ سياسية شبيهة بما حدث منذ مئة عام تقريباً بعد ما أفرزته الحرب العالمية الأولى من نتائج، في ظلّ ما كان يُعرف تاريخياً بمصطلحات بدأت مع تعبير «المسألة الشرقية» وانتهت بتعبير «وراثة الرجل التركي المريض».

فقد حصلت في تلك الفترة مراهناتٌ عربية على دعم الأوروبيين لحقّ العرب المشروع في الاستقلال وفي التوحّد بدولة عربية واحدة. وسُمّيت تلك المرحلة بـ «الثورة العربية الكبرى». لكن هذه المراهنة العربية على «الوعود البريطانية» لم تنفّذ طبعاً. بل ما حصل هو تنفيذ بريطاني لوعدٍ أعطاه آرثر بلفور باسم الحكومة البريطانية (نوفمبر 1917) للحركة الصهيونية بمساعدتها على إنشاء «وطن قومي يهودي» في فلسطين. فما بدأ كثورةٍ عربية مشروعة في أهدافها انتهى إلى ممارساتٍ وظّفتها القوى الأوروبية لصالحها، كما استفادت الحركة الصهيونية منها فنشأت «دولة إسرائيل» ولم تنشأ الدولة العربية الواحدة!

«المنظّمة الصهيونية العالمية» احتفلت هذا العام بمرور 120 سنة على وجودها وعلى دورها المستمر بنجاح وتفوّق. واللافت للانتباه، أنّ تاريخ نشأة المنظمة وظرف تأسيسها، كان متشابهاً مع حال وظروف الكفاءات العربية والإسلامية آنذاك، التي كانت مضطرّة إلى العيش خارج أوطانها، وتطمح وتحلم بنهضة عربية وإسلامية جديدة (الشيخ محمد عبده في فرنسا، جبران والرابطة القلمية في أميركا الشمالية... الخ).

لكن الفرق بين الحالتين أنّ صاحب دعوة الحقّ لم تنفعه فقط أحقّية دعوته (أصحاب الدعوة للنهضة العربية)، بينما الطرف الآخر (رغم بطلان دعوته وعدم أحقّيته في اغتصاب وطن شعبٍ آخر) كان أكثر تنظيماً وأفضل تخطيطاً لمراحل التغيير المطلوب على الأرض، إضافةً طبعاً إلى توفّر ظروف دعم ومساندة ضخمة من قوى عالمية كبيرة.

ماذا يعنينا - نحن العرب - من كلّ ذلك الآن؟

في الواقع، نحن المعنيّون الأُول، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، بكل ما تخطّط له وتفعله المنظمة الصهيونية العالمية، حتّى لو سيطر علينا السأم والملل من تكرار هذا الكلام.

إنّ حسم الثوابت الفكرية بين الكفاءات العربية أينما كانت، وحسم الهوية العربية بمضمونها الحضاري في هذه الثوابت الفكرية، هو المدخل الرئيس لبناء نهضة عربية نحتاج إليها الآن أكثر من أي وقت مضى!

فالفتن الداخلية العربية، لا يمكن عزلها عن الصراع العربي/‏‏الصهيوني. إذ لم يكن ممكناً قبل قرنٍ من الزمن تنفيذ «وعد بلفور» بإنشاء دولة إسرائيل من دون تقطيع الجسم العربي والأرض العربية، حيث تزامن الوعد البريطاني/‏‏الصهيوني مع الاتفاق البريطاني/‏‏الفرنسي المعروف باسم «سايكس - بيكو» والذي أوجد كياناتٍ عربية متصارعة على الحدود، وضامنة للمصالح الغربية، ومسهّلة للنكبة الكبرى في فلسطين. فلا فصل إطلاقاً بين معارك التحرّر الوطني من المستعمر الغربي التي جرت في البلاد العربية وبين الصراع العربي/‏‏الصهيوني. ولا فصل أيضاً بين أيِّ سعي لاتّحاد أو تكامل عربي، وبين تأثيرات ذلك على الصراع العربي/‏‏الصهيوني.

ما يحدث اليوم على الأرض العربية هو تتويجٌ للحروب التي خاضتها الحركة الصهيونية على مدار المئة سنة الماضية، فالاعتراف الدولي بإسرائيل، ثمّ الاعتراف المصري /‏‏الأردني /‏‏ الفلسطيني بها، بعد معاهدات «كامب ديفيد» و«أوسلو» و«وادي عربة»، ثمّ «تطبيع» بعض الحكومات العربية لعلاقاتها مع إسرائيل، كلّها كانت غير كافية لتثبيت «شرعية» الوجود الإسرائيلي في فلسطين، وللتهويد المنشود للقدس ومعظم الضفة الغربية. فهذه «الشرعية» تتطلّب قيام دويلاتٍ أخرى في محيط «إسرائيل» على أسس دينية أيضاً، كما هي الآن مقولة «إسرائيل دولة لليهود».

فما قاله «نتنياهو» بأنّ (المشكلة مع الفلسطينيين هي ليست حول الأرض بل حول الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية) يوضّح الغاية الإسرائيلية المنشودة في هذه المرحلة من المتغيّرات السياسية في مشرق الأمَّة العربية ومغربها. فكلّما ازدادت الصراعات الطائفية والمذهبية والإثنية، اقترب الحلم الصهيوني الكبير من التحقّق في أن تكون إسرائيل هي الدولة الدينية الأقوى في منطقةٍ قائمة على دويلاتٍ طائفية. فالمراهنة الإسرائيلية هي على ولادة هذه «الدويلات» التي بوجودها لن تكون هناك دولة فلسطينية مستقلّة، ولا تقسيم للقدس، ولا عودة ملايين اللاجئين، بل توطينٌ لهم في «الدويلات» المستحدثة وتوظيف سلاحهم في حروب «داحس والغبراء» الجديدة!

إنّ نشوء الدويلات الدينية الجديدة سيدفعها إلى الصراع مع بعضها البعض، وإلى الاستنجاد بالخارج لنصرة دويلة على أخرى، وإلى إقامة تحالفات مع إسرائيل نفسها.

وحينما تنشأ هذه الدويلات، فإنّها ستحتاج إلى زيادة ديموغرافية في عدد التابعين لهذه الطائفة أو ذاك المذهب، ممّا سيسّهل حتماً مشروع توطين الفلسطينيين في لبنان وسورية والعراق وبعض دول الخليج العربي. وفي ذلك «حلٌّ» لقضية «اللاجئين»، تُراهن أيضاً إسرائيل عليه.

إسرائيل بمختلف حكوماتها راهنت على تجزئة المجزّأ عربياً، وشجّعت كل الحركات الانفصالية في المنطقة كالتي قامت في جنوب السودان وفي شمال العراق، وأقامت «دولة لبنان الحر» على الشريط الحدودي لها مع لبنان في ربيع العام 1979 كمدخل لمشاريع التقسيم الطائفي الذي أعدّت له منذ حقبة الخمسينات من القرن الماضي.

المنطقة العربية تعيش مرحلة سقوط «النظام العربي الرسمي المريض» في ظلّ تضاعف الاهتمام الدولي بموقع المنطقة وثرواتها، وبوجود تأثير كبير لـ «دولة إسرائيل» على أحداثها وعلى القوى الدولية العظمى في هذه الحقبة الزمنية. هي مرحلةٌ لا يمكن الدفاع فيها عن واقع حال «النظام العربي الرسمي المريض» أو القبول باستمرار هذا الحال، لكن التغيير المنشود ليس مسألة أهداف وشعارات فقط، بل هو أيضاً فكر وبرامج وقيادات وأساليب سليمة وتمييز دقيق في المراحل والأجندات والأولويات والصداقات، وهي كلّها عناصر لم تتوفّر عربياً بعد!

رغم ذلك، فإنّ الدول الكبرى التي سيطرت في القرن الماضي أو تهيمن الآن على المنطقة العربية، غاب عنها درس تاريخ البشرية عموماً، وليس فقط محصّلة مئة عام في تاريخ المنطقة، بأنّ الشعوب يمكن تضليلها أو قهرها أو احتلالها لفترةٍ من الوقت، لكن هذه الشعوب لا يمكن أن تقبل بديلاً عن حرّيتها، وبأنّ الأوطان العربية لو تجزّأت سياسياً فهي موحّدة في ثقافتها وفي تاريخها وفي همومها وفي آمالها. فهكذا كان تاريخ المنطقة العربية طيلة القرن الماضي: كرٌّ وفرّ مع المستعمر أو المحتل لكن لا خضوع له. كما كان القرن الماضي حافلاً بالحركات والانتفاضات الشعبية المؤكّدة على وحدة الأمَّة أرضاً وشعباً، وإن ازدادت المسافات بين الحكومات والكيانات بعداً.

* مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن

عن الرأي الكويتية

×
أخبار
نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط