كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

لماذا يبرّر المثقفون جرائم إيران؟عبد الله النفيسي أنموذجا

لماذا يبرّر المثقفون جرائم إيران؟عبد الله النفيسي  أنموذجا

تاريخ النشر: 2026-05-01 | 08:56

ليس كل انحياز يُغتفر، خاصة حين يصدر عن مثقف يُفترض فيه أن يرى ما لا يراه الآخرون. فالمشكلة لا تبدأ عندما يخطئ المثقف، بل عندما يُصرّ على تحويل خطئه إلى موقف، وموقفه إلى خطاب يُسوَّق بوصفه وعيًا واستبصارًا.                    

في هذا الإطار، يبدو خطاب عبد الله النفيسي المتعاطف مع إيران أقرب إلى التبرير منه إلى التحليل. فبدل أن يُخضع هذا المشروع الإقليمي لنقد صارم، يُعاد تقديمه بلغة توحي بالحكمة، وكأن ما يحدث مجرد توازنات سياسية، لا وقائع دامية ومركّبة.    

تكشف خلفية عبد الله النفيسي نفسها طبيعة الرجل: كان قوميًا في بداياته، ثم مرّ بالأفكار الإخوانية، تلاها مرحلة السلفية، واليوم أصبح داعمًا للملالي، مسانداً لإيران بشكل مواربي. هذه التحولات تكشف عن نهج متغيّر يضع الولاء الفكري والسياسي فوق الثوابت الأخلاقية، ويُسهل تبرير أي نفوذ خارجي طالما يخدم قناعاته الجديدة.

لكن أسلوبه في تقديم الخطاب يستحق الملاحظة. فهو يستخدم طريقة ذكية تجعل كلامه يبدو كأنه كشف لأول مرة عن حقائق لا يعرفها أحد، بينما ما يقوله في الواقع أمور بديهية ومعروفة. هذا التلاعب بالانطباع يمنح كلامه قوة وهمية، ويجعل الجمهور يعتقد أنه يسمع "إفصاحًا صريحًا لم يُسمع من قبل"، بينما في الحقيقة هو إعادة تأطير للأشياء المعروفة بطريقة تجعلها تبدو استثنائية.                           

خذ ما فعله الملالي من مناكر في العراق، سوريا، اليمن ولبنان…هي ليست مجرد ساحات تحليل نظري، بل أمثلة حيّة على امتدادات نفوذ معقّدة، تحمل كلفة سياسية وإنسانية واضحة. ومع ذلك، يُعاد اختزالها في خطاب يُغفل النتائج ويركّز على النوايا أو التبريرات الاستراتيجية.                                                            

لكن الصورة تصبح أكثر حدّة حين ننتقل إلى الخليج. فالهجمات على دول الخليج العربي، واستهداف منشآت حيوية ، ليست أحداثًا قابلة للتخفيف اللغوي بل وقائع صريحة تمسّ الأمن والسيادة.                                                                   

ومع ذلك، لا يُواجه هذا النوع من الأحداث بإدانة صريحة، بل يُعاد توصيفه — كما أشار في مداخلاته على قناة الجزيرة — على أنه "أخطاء" أو "سوء تقدير". ويتكامل هذا المنطق حين تُعرض إيران كقوة "عصية على الولايات المتحدة، في خطاب يحمل ضمنيًا نوعًا من الإعجاب بقدرتها على التحدي، أكثر من كونه دعوة لمساءلة هذه القوة و أهدافها.                                                                

لكن ما يكشف ازدواجية هذا الخطاب بشكل أخطر، هو تجاهله التام لمعاناة الشعب الإيراني نفسه. فالمثقف الذي يبرّر النفوذ الإيراني في الخارج، لا يبدو مهتمًا بقمع الملالي للشعب الإيراني، ولا بالاعتقالات التعسفية، ولا بالإعدامات اليومية التي تُنفّذ بلا رحمة، ولا بانتهاكات حقوق النساء والفتيات الإيرانيات. لم يظهر أي تعاطف حقيقي مع هؤلاء، وكأن معاناة ملايين المواطنين الإيرانيين لا قيمة لها مقارنة بالإعجاب بالقوة السياسية  لنظام الملالي و تضخيم قوته و التبشير المبطن بانتصاره.                                                                               

كما أن الخطاب يتضمن كثيرًا من الادعاءات المغلوطة. فمثلًا يكرر عبد الله النفيسي فكرة مفادها أن سقوط النظام الإيراني سيؤدي إلى هيمنة إسرائيل على المنطقة، وكأن الملالي هم الحامون الحقيقيون للخليج. هذه الرؤية تبسّط الواقع بشكل مذهل وتتجاهل أن إيران نفسها هي التي دمرت لبنان عبر حزب الله، واليمن عبر الحوثيين، والعراق عبر ميليشياتها، وفرضت على الشعب السوري ديكتاتورًا همجيًا. وكل هذا بينما يتفاخر النظام الإيراني بأنه يحتل أربع عواصم عربية. النتيجة أن الخطاب يقدّم المعتدي كحامي، ويتجاهل المتضرر الحقيقي.                                             

وهنا يكمن الانزلاق الأخطر: حين يُفتن المثقف بالقوة، فيُخفّف من أخطائها في الداخل والخارج، ويعيد تفسير أفعالها، بل ويمنحها، بشكل غير مباشر، شرعية رمزية. فالقوة، في هذا الخطاب، لا تُفكَّك، ولا تُساءل… بل تُلمَّع.                    

ما معنى أن تُقصف منشآت حيوية، وتُهدَّد ممرات دولية، بينما يُبرّر القمع الداخلي للشعب الإيراني ويُسوّق المعتدي كحامي للمنطقة؟                   
أليس في هذا تحويل النقاش من سؤال العدالة والمسؤولية إلى سؤال الإعجاب بالقوة؟

إن الفرق بين "الخطأ" و"الاعتداء"، وبين "القوة" و"القمع" ليس لغويًا فقط، فهو أخلاقي وسياسي بالدرجة الاولى. والمثقف الحقيقي لا يُخفّف وقع الحقيقة، ولا يُعيد تسمية الأشياء لتصبح أقل إزعاجًا، ولا يُقايض الأخلاق بالتحليل البارد. بل يقف في المسافة الأصعب: حيث لا انحياز إلا  للوطن والحقيقة.                                  

ما يلفت الانتباه أيضًا، أن حالة عبد الله النفيسي ليست منفردة. فهناك عدد ليس بالقليل من المثقفين العرب الذين يشاركونه نفس الفكرة: تعاطف متنوع مع جماعة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي، وانحيازات واضحة للقوى التي يراها ممانعة أو مقاومة، بغضّ النظر عن كلفة هذه السياسات على شعوب المنطقة. هذا يظهر أن ما نراه ليس موقفًا شخصيًا غريبًا، بل جزء من ظاهرة أوسع داخل النخبة الفكرية العربية، حيث يتداخل الإعجاب بالقوة مع تراجع الالتزام بالمعايير الأخلاقية والمساءلة. ألم يساند أغلبهم  حماس الإرهابية وشجعوها حتى خربت غزة و أهلها؟  واليوم هم مبتهجون بعدوان الملالي على بلدان الخليج  التي كثيرا ما أحسنت إليهم  و إلى بلدانهم؟                                                                                               

كما أن أسلوب السيد عبد الله النفيسي  يوضح ميله الواضح إلى إرضاء الدهماء أكثر مما يركز على البحث عن الحقيقة. فهو غالبًا يختار الصياغة والخطاب الذي يثير الانتباه ويكسب التصفيق، بدل أن يواجه القضايا بحياد ومصداقية. هذا الميل لإرضاء الجمهور يعزز صورة المثقف المُلهم، لكنه في الحقيقة يخفي تراجعًا أخلاقيًا واضحًا في تعامله مع الوقائع.                                                                          

إن نقد خطاب عبد الله النفيسي ليس خلافًا شخصيًا، بل مواجهة لنموذج فكري يُلبس القوة ثوب الحكمة، ويحوّل الوقائع إلى وجهات نظر، ويتجاهل الضحايا الأكثر ضعفًا: المواطنين الإيرانيين أنفسهم، والشعوب التي تتأثر بهذه السياسات في المنطقة.                                                                                                    

ما يمكن أن يشفع للنفيسي ربما هو فقدانه للذاكرة، إذ بدا في مداخلته الأخيرة على قناة الجزيرة يخلط بين الشخصيات التي فارقت الحياة وتلك التي لا تزال على قيدها، كأن الزمن التبس عليه فجأة، أو أن أسماء الموتى تحولت في ذهنه إلى مجرد حروف بلا وزن، تُستعاد وتُنسى بلا ترتيب، كما لو أن التاريخ نفسه صار لعبة متقلبة في ذاكرته.                                                                       

في زمنٍ تتراكم فيه الأزمات، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا:           
هل ما نحتاجه هو مثقف يشرح لنا العالم… أم مثقف يبرّر اختلاله، يتفنن في إيهامنا بكشف الحقائق، ويتجاهل معاناة الشعوب؟                                                       

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين!

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط