كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

لماذا يتعاطف معنا العالم ويختلف بعضنا مع بعض؟ قراءة في المفارقة الفلسطينية

لماذا يتعاطف معنا العالم ويختلف بعضنا مع بعض؟ قراءة في المفارقة الفلسطينية

تاريخ النشر: 2026-08-01 | 10:07

د بسام حسن سعيد
د بسام حسن سعيد
يمكن القول إن الفلسطيني يعيش مفارقة إنسانية نادرة في وضوحها ومؤلمة في عمقها؛ فحيثما ذهب خارج حدوده الجغرافية والسياسية وجد ترحيبًا وتعاطفًا واحترامًا، وشعر أن قضيته مفهومة وأن معاناته تحظى باعتراف أخلاقي وإنساني واسع. لكنه، في المساحة الداخلية الضيقة وبين أبناء شعبه، يختبر أحيانًا توترًا في العلاقات، ونقدًا قاسيًا، وغيرةً، وتخوينًا، وتراجعًا في الثقة، وشعورًا بأن الروح الجمعية مثقلة بالأعباء. هذا التناقض لا يمكن قراءته بوصفه سلوكًا فرديًا معزولًا، ولا خللًا أخلاقيًا في مجتمع بعينه، بل هو انعكاس معقّد لتجربة تاريخية ضاغطة تداخل فيها النفسي والاجتماعي والسياسي حتى صار الفصل بينها صعبًا. الصورة التي يراها العالم عن الفلسطيني هي صورة إنسانية صافية نسبيًا. هناك شعب يعيش تحت ظلم ممتد من احتلال لا يرحم، وعائلات فقدت بيوتها، وأرض تُسلب، ولجوء، وأمهات وأطفال، ومفاتيح بيوت قديمة، وذاكرة تقاوم النسيان. هذه عناصر تتجاوز السياسة إلى المجال الإنساني العام، المجال الذي تتشكل فيه استجابات التعاطف الفطرية لدى البشر. لذلك يُنظر إلى الفلسطيني في الوعي العالمي بوصفه رمزًا للصمود والتمسك بالكرامة والحق. والرموز، بطبيعتها، تُرى في صورتها المكثفة والنقية والأخلاقية، حيث تختفي التفاصيل اليومية المُرهِقة ويبرز المعنى العام للعدل في مواجهة الظلم. لكن الفلسطيني في الداخل لا يعيش بوصفه رمزًا، بل بوصفه إنسانًا يواجه يوميًا ضغوطًا مستمرة. فهو لا يتعامل مع قضيته كشعار، بل كحياة معاشة مليئة بالفقد المتكرر، وعدم الأمان، وضبابية المستقبل، وتجدد الصدمة عبر الأجيال. في علم النفس، تُعرف هذه الحالة بالصدمة الجماعية، حين يعيش مجتمع بأكمله حالة تهديد طويل الأمد دون أفق واضح للانفراج. تحت هذا النوع من الضغط تتبدل استجابات البشر؛ فتزداد الحساسية، ويقل هامش الصبر، وتتراجع الثقة، ويكثر النقد والتشكيك، ويصبح التوتر حالة شبه دائمة. وفي مثل هذه الظروف لا تتجه كل الطاقة النفسية نحو مصدر الظلم الخارجي، بل يرتد جزء منها إلى الداخل في صورة نقد حاد، أو غضب سريع، أو قسوة في الأحكام. ليس لأن القيم تغيرت، بل لأن النفس المُجهَدة لا تعمل دائمًا بأفضل توازنها. إلى جانب البعد النفسي، يتشكل بُعد اجتماعي لا يقل تأثيرًا. فالمجتمعات التي تعيش في ظروف مستقرة تمتلك قدرًا من الوفرة الرمزية والمادية؛ فرص عمل، وإمكانية حركة أكثر سهولة، وأفقًا مستقبليًا يمكن تخيله. أما في بيئة مقيدة سياسيًا واقتصاديًا، حيث الفرص محدودة، والحركة صعبة، والأمان الوظيفي هش، فينشأ وعي جمعي مشبع بفكرة الندرة. عندها يعمل العقل، غالبًا دون وعي، بمنطق البقاء؛ فإذا ضاقت المساحة أصبح نجاح الآخر قابلًا لأن يُرى كتهديد لا كفرح مشترك. تنشأ الغيرة هنا لا من غياب المحبة، بل من الخوف العميق من الفقد، ومن شعور مزمن بأن الخير قليل ولا يتسع للجميع. والندرة لا تُنتج فقط تنافسًا، بل تُنتج توترًا أخلاقيًا داخليًا، حيث يضعف الميل للاحتفاء بالآخرين ويقوى الميل للمقارنة والانتقاد، وخاصة في قضايا المناصب والتوظيف. أما البعد السياسي، فيضيف طبقة أخرى من التعقيد. فالصراع الطويل لا يستهلك الأرض والموارد فحسب، بل يستهلك الثقة والقدرة على الاحتمال أيضًا. ومع امتداد الأزمة يزداد الإرهاق الجمعي، ويحتد الخطاب، ويتحول الاختلاف السياسي أو الفكري إلى مساحة شك وتخوين بدل أن يكون تنوعًا طبيعيًا. وفي ظروف الضغط الممتد تصبح الهوية نفسها ساحة توتر، ويشعر الأفراد بأنهم مطالبون دومًا بإثبات مواقفهم وانتماءاتهم. هذا المناخ لا يخلق الانقسام من فراغ، لكنه يوسّعه ويطيل عمره حتى يبدو وكأنه سمة ثابتة لا ظرفًا طارئًا. ولا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في رفع منسوب هذا التناقض إلى درجة دفعت كثيرين إلى فقدان الثقة بكل جهد مبذول أو مبادرة مطروحة. هكذا تتشكل المفارقة: الخارج يرى الفلسطيني من زاوية العدالة الرمزية، بينما يعيش الفلسطيني نفسه من زاوية البقاء اليومي. العالم يتعامل مع قصة، أما الفلسطيني فيتعامل مع تفاصيل حياة مثقلة بالقلق والمسؤولية والخسارة. الرمز يُلهم لأنه مجرد من الأعباء اليومية، أما الإنسان المتعب فيغضب وينتقد ويخطئ. وما يبدو في الداخل قسوة أو غيرة أو تنافرًا يمكن فهمه بوصفه أعراض جرح طويل، لا انحرافًا عن القيم الأصلية. والدليل على ذلك أن لحظات الخطر الكبرى تكشف الوجه الآخر العميق: التضامن، والإيثار، والاستعداد للتضحية، والقدرة على التماسك. فعندما تشتد الأزمات تنحسر الحسابات الضيقة، وتظهر البنية الأخلاقية الكامنة التي لم تختفِ، بل كانت مغطاة بطبقات من الإرهاق والخوف، رغم الوهن الذي أصابها وأثقلها. وهذا يعني أن الأصل في الروابط هو القوة، وأن التوتر طارئ تفرضه ظروف غير طبيعية. إن فهم هذه المفارقة لا يهدف إلى تبرير القسوة بين الناس، بل إلى تفسيرها في سياقها الأوسع. فحين يُفهم السلوك بوصفه استجابة لصدمة وضغط وندرة وصراع طويل، يصبح الطريق مفتوحًا نحو مزيد من التعاطف الداخلي، لا بوصفه فضيلة مثالية فحسب، بل بوصفه حاجة نفسية واجتماعية ووطنية. فالشعب الذي حاز تعاطف العالم لأنه رمز للكرامة يحتاج أيضًا إلى أن يمنح نفسه القدر ذاته من التعاطف، وأن يعيد بناء الثقة بذاته وبأبنائه، لأنه في النهاية ليس رمزًا يعيش في الكتب، بل بشر يحاولون النجاة والتمسك بإنسانيتهم في ظروف تفوق طاقة البشر العاديين.
×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط