كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

لم يكن ذلك مشوارًا… كان انهيارًا يمشي على قدمين

لم يكن ذلك مشوارًا… كان انهيارًا يمشي على قدمين

تاريخ النشر: 2026-04-13 | 11:16

بعد انقطاعٍ طال، لا لأنّ القلوب ابتعدت، بل لأنّ الحياة نفسها صارت بلا نبض، خرجتُ معها.

مشوارٌ قيل لنا إنّه ساعة، لكنه تمدّد كعمرٍ كامل، كأن الزمن نفسه قرر أن يُثقل علينا خطاه، وأن يجعل كل دقيقة امتحانًا جديدًا للصبر الذي لم نعد نملكه.

لم يكن خروجًا يُشبه الخروج، لم يكن نزهة، ولا حتى قضاء حاجة عابرة، كان مسيرًا داخل قهرٍ مفتوح، داخل أسئلةٍ تنهش الروح:

ما ذنبنا؟
ما ذنبها؟
ما ذنب كل هؤلاء الأبرياء في مدينتي؟
لماذا نُهان بهذه السهولة؟ ولماذا يُستباح وجعنا كأنّه أمرٌ عادي؟

خرجتُ أنا وأختي لنقضي حاجةً لأمي،
فهل يُعقل أن تتحوّل الحاجة البسيطة إلى رحلة عذاب؟

أن نسير على أقدامنا مسافةً تختصر انهيارنا؟
أن نمشي لا لنصل فقط، بل لنثبت أننا ما زلنا قادرين على الوقوف رغم كل شيء؟

لم نجد مواصلات،
ولم نجد حتى بائع ماء،
وإن وُجد، أراد “شيكلًا” واحدًا… شيكلًا لا نملكه بصورته “المقبولة”.

نقودنا مهترئة، موقّعة، ممزقة، وهم يرمونها ببرود: “لا تصلح”.
وكأنّنا نحن أيضًا لا نصلح.

ومن أين نأتي بما “يصلح”، وكل ما في حياتنا بغزة تالف؟

هل نمدّ أيدينا لمصباح علاء الدين؟
نريده… ليس لنطلب ثروة، بل لنطلب حياة صالحة لآدميتنا.

آدميتنا… التي صارت تُقاس بقدرة امرأة حامل على المشي أميالًا، نعم أميالًا…

فكل كيلومترٍ مكسورٍ بالركام والهدم يتحوّل إلى ميلٍ من الألم في جسدها.

جسدٌ يحتاج الراحة،
يحتاج الماء النظيف،
يحتاج غذاءً، هواءً، نظافةً، يحتاج حياة… ونحن لا نملك منها شيئًا.

كان مشوارنا اختصارًا لكل المأساة، لحربٍ لم تنتهِ، ولمفرزاتٍ أقسى من الحرب نفسها.

كنت أبكي، لكن دون دموع، كأنّ الدموع نفسها هربت من هذا الواقع.

كل خطوةٍ كنت أخطوها كانت تُثقلني، كعجوزٍ أنهكها الزمن، وقدمي تغوص في الرمل الكثيف الممزوج بالحجارة، وكأنّ الأرض نفسها ترفض أن تحتملنا.

وأسمع لهاثها… لهاث أختي، يخترقني أكثر من أي صوت.

أسئلة تتكاثر، بصوتٍ مكسور:

هل يرى الله ظلمنا؟
لماذا يُسمح بكل هذا؟
ما ذنبنا؟
ما ذنب جنينك؟
ما ذنبكِ وأنتِ تتألمين مع كل خطوة؟
كيف سننام الليلة؟

فترد، بصوتٍ يحاول أن يبقى واقفًا: “أكيد في حكمة… يمكن ننجو بصبرنا.”

صرختُ بها: نحن لسنا صابرتين… نحن مجبرتان.

لا نملك ترف الصبر،
نملك فقط هذا الواقع… ونُجبر على عيشه.

قالت بهدوء مُنهك:
“سواء قبلنا أم رفضنا… سنعيشه.”

اقترحتُ أن نجلس،
فردّت: “لو جلسنا سنتعب أكثر، جسدنا تعوّد على المشقة، ولو ارتاح قليلًا سينهار.”

وفجأة… صوتٌ يشقّ الطريق: “لا أستطيع… تعبت.”

ظننته شيخًا هرمًا،
لكن حين التفتُّ، كان شابًا، قويّ البنية، يمسك ظهره، يتلوّى، وصديقه يدفعه بالكلمات: “امشِ… الطريق طويل.”

تنهدتُ، وهمستُ دون أن أزيد ثقلًا على أختي:
مشوار الذل طويل…
مشوار القهر طويل…
مشوار اللاحياة طويل…
حتى البحث عن بصيص أمل… طويل.

ثم صرخت… صرخة خرجت مني: أين الأمل؟
أريد ضوءًا…
ضوءًا واحدًا فقط،
يقذفني خارج هذا الموت البطيء.

قاطعتني أختي: “سمعتِ تلك المرأة في السوق؟
كانت غاضبة من "العبايات" … تقول: من أين يأتون لنا بهذه الأقمشة الرديئة؟
لا تُشبهنا، لا تليق بنا، تجعلنا نكره أجسادنا،
حتى ما نحتاجه، إن وجدناه يوجعنا.”

ضحكتُ… ضحكة مشبعة بالاشمئزاز،
وقلت لها وأنا أنظر إليها بشفقةٍ وخوف: حياتنا كلها صارت كعباءةٍ ممزقة، رُقّعت ألف مرة برقعٍ أوهى من القماش نفسه، كل رقعةٍ فيها فتحة، وكل فتحة تطلّ على سردابٍ مظلم،
سواده كثيف، وأرضه مليئة بشوكٍ يغرس في أرواحنا قبل أقدامنا.

نمشي… ونمشي…
ولا نعرف كيف يمرّ اليوم بنا، ولا كيف نُدفع إلى يومٍ آخر، ثم يُقال عنا: سوداويون… بلا أمل… بلا إيمان.

ولا أحد يعلم… أننا ننزف… ونكمل، على أملٍ وحيد: أن يُحدث الله أمرًا.

نصرخ: نحن آدميون.
نستحق حياةً آدمية.

وأخيرًا… وصلنا.

قالتها أختي وهي تلهث،
كأنها أعلنت نهاية حربٍ صغيرة.

جلستُ على أول كرسي أمام خيمتنا، سقطت عليه كعجوزٍ ضلّ طريق الماء في صحراء،
لم أتحرك، ولم أستطع حتى أن أبتسم.

لكنني مزحت… مزحة كانت صرخة: “أحتاج حمالة موتى… فقط لأختصر هذا الموت البطيء.”

نحن لا نعيش…
نحن نموت ببطء.

وحياتنا… ميتة أصلًا،
ينقصها فقط أن نحمل على الأكتاف، ليكتمل المشهد.

ولن أقول: إلى متى،
لأنّ “متى” نفسها… ماتت.

×
أخبار
انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط