كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

لولا دا سيلفا: حين تصنع العدالة الاجتماعية قوة اقتصادية عالمية

لولا دا سيلفا: حين تصنع العدالة الاجتماعية قوة اقتصادية عالمية

تاريخ النشر: 2026-01-08 | 09:35

د. سمير أبو مدللة
د. سمير أبو مدللة

تُعدّ تجربة الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا واحدة من أكثر التجارب ثراءً ودلالة في تاريخ دول الجنوب، ليس فقط من حيث نتائجها الاقتصادية، بل من حيث جذورها الاجتماعية والنقابية، التي انعكست بوضوح على فلسفة الحكم والسياسات العامة. فصعود لولا لم يكن مسارًا نخبويًا تقليديًا، بل ثمرة سيرة كفاح شخصي وجماعي بدأت من أقصى الهامش الاجتماعي، وانتهت إلى قيادة واحدة من أكبر اقتصادات العالم.

وُلد لولا عام 1945 في ولاية بيرنامبوكو الفقيرة شمال شرقي البرازيل، في أسرة معدمة عانت الجوع والحرمان. اضطر منذ طفولته إلى العمل للمساهمة في إعالة أسرته، قبل أن تنتقل العائلة إلى مدينة ساو باولو الصناعية بحثًا عن حياة أقل قسوة. هناك عمل في المصانع، وتعرّض لحادث عمل فقد على إثره أحد أصابعه، في واقعة تحوّلت إلى رمز لمعاناة الطبقة العاملة البرازيلية في ظل غياب الحماية الاجتماعية وحقوق العمال.

في قلب هذه البيئة العمالية، تشكّل وعي لولا السياسي. عمل عاملَ معادن، ثم انخرط في النشاط النقابي، ليتحوّل سريعًا إلى أحد أبرز قادة الحركة العمالية. انتُخب رئيسًا لنقابة عمال المعادن في ساو برناردو دو كامبو، وقاد خلال سبعينيات القرن الماضي إضرابات واسعة ضد النظام العسكري، مطالبًا بتحسين الأجور وظروف العمل. شكّل هذا النضال تحديًا مباشرًا للديكتاتورية، وأسهم في إعادة إحياء الحياة السياسية والديمقراطية في البلاد، الأمر الذي أدى إلى اعتقاله وسجنه عام 1980 في محاولة لإخماد صوته النقابي.

من رحم هذا المسار الكفاحي، شارك لولا في تأسيس حزب العمال البرازيلي، وهو حزب يساري ذو جذور اجتماعية ونقابية واضحة، حمل مشروعًا سياسيًا يقوم على العدالة الاجتماعية وحقوق العمال وتعزيز الديمقراطية. ورغم خسارته عدة انتخابات رئاسية في أعوام 1989 و1994 و1998، ظل حضوره الشعبي في اتساع، إلى أن فاز بالرئاسة عام 2002، في لحظة تاريخية مثّلت انتقال قيادة الدولة من النخب التقليدية إلى ممثل صريح للطبقة العاملة والفئات المهمشة.

عند تولّيه الحكم عام 2003، ورث لولا اقتصادًا يعاني من مديونية مرتفعة، وتضخم، وتفاوت اجتماعي حاد. غير أن خلفيته النقابية لم تدفعه إلى سياسات ارتجالية أو صدامية، بل انتهج مقاربة براغماتية جمعت بين الانضباط المالي والدور الاجتماعي للدولة. حافظ على استقرار الاقتصاد الكلي، وسيطر على التضخم، واحترم التزامات الدولة المالية، ما أعاد الثقة بالاقتصاد البرازيلي ووفّر قاعدة صلبة لإطلاق مشروعه الاجتماعي.

في ولايته الأولى، برز برنامج “بولسا فاميليا” كعنوان رئيسي لسياساته، إذ أعاد توزيع الدخل عبر تحويلات نقدية مشروطة بالتعليم والرعاية الصحية، وأسهم في إخراج عشرات الملايين من البرازيليين من دائرة الفقر، وتعزيز الطلب الداخلي، وتحويل الفئات المهمشة إلى عنصر فاعل في عملية النمو. أما ولايته الثانية، فقد شهدت تسارعًا اقتصاديًا لافتًا، مستفيدًا من الطفرة العالمية في أسعار السلع، جرى توظيفها في توسيع البنية التحتية والطاقة والصناعة، مع الحفاظ على توازنات الاقتصاد الكلي.

وعندما اندلعت الأزمة المالية العالمية عام 2008، أظهرت البرازيل قدرة عالية على الصمود بفضل احتياطياتها النقدية وسياساتها التحفيزية، فكانت من أوائل الاقتصادات التي تعافت مقارنة بالعديد من دول الشمال العالمي. ونتيجة لذلك، تحوّلت البرازيل من دولة مدينة لصندوق النقد الدولي إلى قوة اقتصادية صاعدة، وأصبحت أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية، وفاعلًا أساسيًا في مجموعة “البريكس”، ومن الاقتصادات المؤثرة عالميًا.

محطة الخسارة والعودة: الدرس الأهم في التجربة اللولية

تُعدّ مرحلة ما بعد خروج لولا من الحكم واحدة من أكثر محطات تجربته دلالة. فقد واجه هجومًا سياسيًا وقضائيًا عنيفًا، وتعرّض للإقصاء والسجن، وخسر معسكره الانتخابي السلطة في ظل صعود قوى يمينية محافظة. في تلك المرحلة، بدا لكثيرين أن المشروع اللولي قد انتهى، وأن صعود قائد نقابي إلى قمة السلطة كان استثناءً عابرًا في تاريخ أمريكا اللاتينية.

إلا أن لولا قدّم درسًا استثنائيًا في الصبر السياسي والعمل التراكمي؛ فلم ينسحب من الحياة العامة، ولم يتحوّل إلى مجرد رمز احتجاجي، بل واصل تنظيم صفوفه، والدفاع عن إرثه الاجتماعي، وإعادة بناء تحالفاته الشعبية. ومع تراجع الأداء الاقتصادي والاجتماعي للحكومات التي خلفته، عاد خطابه القائم على العدالة الاجتماعية والنمو الشامل ليجد صدى واسعًا لدى البرازيليين.

وفي عام 2022، عاد لولا دا سيلفا إلى الرئاسة عبر صناديق الاقتراع، ليبدأ ولايته الثالثة عام 2023، في سابقة نادرة في أمريكا اللاتينية، حيث قلّما يتمكّن زعيم يساري من العودة إلى الحكم بعد الهزيمة والإقصاء والسجن. وتمثّل هذه العودة درسًا عميقًا مفاده أن الشرعية الاجتماعية، عندما تكون حقيقية ومتجذّرة، قادرة على تجاوز تقلبات السياسة وموازين القوة المؤقتة.

اليوم، تحتل البرازيل موقعًا متقدمًا على الخريطة الاقتصادية الدولية؛ إذ يُقدَّر ناتجها المحلي الإجمالي الاسمي بنحو 2.1–2.2 تريليون دولار، ما يضعها ضمن أكبر عشرة اقتصادات في العالم، وتمثل قرابة 2% من الناتج العالمي. كما تتقدم إلى مراتب أعلى عند قياس الناتج وفق تعادل القوة الشرائية، ما يعكس الوزن الحقيقي لاقتصادها وسوقها المحلية الواسعة التي تتجاوز 210 ملايين نسمة.

أما متوسط دخل الفرد، فيبلغ نحو 10 آلاف دولار سنويًا، وهو ما يصنّف البرازيل كاقتصاد متوسط الدخل يتمتع بقدرات إنتاجية كبيرة، لكنه لا يزال يواجه تحديات تتعلق بتفاوت الدخول. وقد شكّل هذا الواقع دافعًا لاستمرار تركيز سياسات لولا على العدالة الاجتماعية والحماية الاجتماعية، باعتبارهما شرطين أساسيين لتحويل النمو الاقتصادي إلى تحسّن فعلي في مستوى معيشة المواطنين.

وتتعزز مكانة البرازيل الاقتصادية بكونها عضوًا فاعلًا في مجموعة العشرين (G20)، وركيزة أساسية في تكتل “البريكس”، حيث تلعب دورًا محوريًا في تمثيل مصالح دول الجنوب، والدعوة إلى نظام اقتصادي عالمي أكثر توازنًا. كما تستند قوتها الاقتصادية إلى مزيج من الصادرات الزراعية والطاقة والمواد الخام، إلى جانب قاعدة صناعية معتبرة وسوق داخلية ضخمة.

إن تجربة لولا دا سيلفا تؤكد أن العدالة الاجتماعية ليست عبئًا على الاقتصاد، بل مصدرًا من مصادر قوته واستدامته، وأن الهزيمة السياسية ليست نهاية الطريق إذا ما اقترنت بإرادة شعبية ورؤية واضحة. وهي تجربة تحمل دلالات عميقة لدول الجنوب، ومنها فلسطين، في بحثها عن مسارات تنموية تجمع بين الكرامة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي، وتبرهن أن الطريق من المصنع إلى القصر الرئاسي يمكن أن يكون مسارًا لبناء دولة أكثر عدلًا وقوة

محاضر في جامعة الأزهر – غزة
عضو الأمانة العامة لاتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط