كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

"لو وضعوا المدرسة على طريق البحر"!

"لو وضعوا المدرسة على طريق البحر"!

تاريخ النشر: 2017-09-09 | 09:52

ترى لو وضعوها هناك، كيف كانت ستكون حياة الأطفال!

وحياتنا نحن؟ لقد كنا في يوم من الأيام أطفالا وفتيانا وفتيات..

ترى ما الذي التقطته إليزابيث مويستراب في قصة الفتيان العربية الفلسطينية "مذكرات تلميذ ابتدائية" للشاعر خالد جمعة التي بين يدينا؟

وما الذي أغرى دار "جنسن ودالغارد الدنمركية هذا الصيف لإصدارها تحت عنوان المقال؟

وما الذي دفع بالقائمين على كاتالوج مهرجان الوايت رايفينز(تضمن الكتالوغ وصفاً وتقييماً لـ 200 قصة من 55 دولة مشاركة، مكتوبة بـ 36 لغة) حين تم إطلاقه من قبل ضمن معرض فرانكفورت للكتاب، والذي عقدت على هامشه سلسلة من الورشات والنقاشات والفعاليات حول أدب الأطفال واليافعين في ألمانيا وبولونيا؟

لعلنا نضع هذه القصة وما نكتبه عنها أمام التربويين والمعلمين، لعلهم يجدون فيها ما وجد الناشران العربي والدنمركي، كتعبير بديل ومساند، للأساليب التربوية والفنية التقليدية والحديثة التي تتعامل مع عالم الطفل، اضافة لأساليب المجتمع والأهل.

ترى ماذا وجدنا في تلك المذكرات الطفولية!

هي تساؤلات وأحلام طفولية قد لا تبعد كثيرا عن تساؤلات الكبار وأحلامهم.

كأن الكاتب طفل عبّر عن أحداث منتقاة من حياته، وليس أي تعبير يصف الواقع، بل يتجاوز ذلك إلى نقده، بل والتهكم عليه، بسخرية إنسانية بريئة محببة.

الأحداث اليومية، بالنسبة لعالم الطفل أحداث مهمة تركت أثرا في حياته وحياة أقرانه. أما ما يربط بين تلك اليوميات، فهي سياق حياة طفل في البيت والمدرسة والشارع، محيطه الخاص والعام، وهو سياق نفسي اجتماعي وسياسي أيضا، وجد الطفل نفسه في ظل كل تلك المؤثرات والتقييدات، فصار الإبداع لديه هو كيف يهرب منها، وكيف يستطيع العيش معها، محاولا اقتناص سعادة لا توفرها لا المدرسة ولا البيت.

ولعلنا هنا نركز على السياق النفسي والفكري، أي كيف عبر الكاتب عن شعور الطفل وتفكيره، وهو التحدي الذي يواجه كتاب ادب الطفل، وهو ما يبحث  عنه من يرسم له.

أما سرّ الابداع في المذكرات، فهو يعود للقدرة المدهشة للكاتب في استدعاء عالم طفولته بمصداقية عالية، فلم يبعد عالمه عن عالم الطفل اليوم. سياق المذكرات يدل على زمن المذكرات، ولكن هذا لا يمنع من أن تعبر المذكرات عن الحاضر والمستقبل.

تبدأ المذكرات بالتخطيط لقضاء الإجازة الأسبوعية في الحارة، فيصف طقوس اللعب واستخدام المواد البيئية في اللعب، وجرأة الأطفال، وتحديهم في جعل الشارع فضاء لهم، في ظل عدم تخصيص أي فضاء لهم أصلا.

وينتقل الكاتب إلى طقوس المدرسة، خصوصا في علاقات الطلبة والمعلمين، واستخدام المعلمين للأساليب التقليدية في التعامل ومنها العنف، ويكشف الكاتب-الطفل التحولات التي حدثت مع المعلم نادر بعد أن اضطر لحلق شاربيه "لأن زوجته دفعت باب الحمام وهو واقف يحلق ذقنه"، حيث تغير فصار لينا، فربط الأطفال بين الشكل والمضمون، شكل الشارب الكبير بما يوحي من قوة وأسلوب التعامل القاسي معهم.

ولا يبتعد عن طقوس المدرسة في وصف الرحلات المملة، وحب الطلبة للبحر، والإيحاء بفكرة البحث عن أسلوب جاذب للتعليم بدل تنفيرهم. ويعرض لتساؤلات الطفل عن سبب تعلم الرياضيات.

وينتقل إلى البيت، وعلاقة الاب بابنه، واهتمام الاب بتعليم الطفل عادة الشراء من السوق بسبب سفره، وتحميل الأم له مسؤولية عدم اختيار الفواكه الصالحة.

ثم تبدأ أحلام الطفل في ارتداء الملابس التي اشتراها الوالد، ويروح يمني نفسه بالزهو بها أمام الطلبة، وتبخر تلك الأحلام مع إعلان الأب نيته بالمتاجرة بها.

ينتقل لمغامرة اللعب بالمطر ورشق المارة، والخوف الذي عاشه وأقرانه حينما ركض أحدهم خلفهم، وكيف ظلوا يهربون بالرغم من توقفه بعد خطوات، حيث يوحي هنا إلى مسألة الخوف.

في المذكرة التالية يطرح الكاتب-الطفل لمسألى الحرية، في سياق شراء الصحن اللاقط للفضائيات.

مغامرة قطف حبات التوت، في ظل انتهاز فرصة خروج المدرسة في مظاهرة، حيث اضطر الطفلان للنوم في المدرسة بعد إغلاقها، وقلق الأسرتين والخوف على حياتهما، ثم مرض الراوي، وإجراء عملية الزائدة، وتساؤله عن اهتمام الأسرة به: "هل علينا أن نمرض كي نأكل الطعام اللذيذ ونشعر بحنان أمهاتنا وآبائنا؟"

الخلفية السياسية هنا تظهر مع منع الاحتلال للتجول، وكيف عانى الطفل من السجن في البيت.

ويربط الراوي بين البيت والمدرسة، بين فقر الأسرة والتعبير، وتساؤل معلم اللغة العربية عن عدم اختيار المقلوبة للكتابة عنها كتراث، وكيف تهكم ببراءة على تشكيك أمه بفلسطينية المقلوبة.

ثم إلى طقوس الامتحانات باتجاه نقدها لأثرها السيئ على الأطفال، ونقد النظرة الاجتماعية للتعليم، وفرحته التي لم تكتمل بالإجازة الصيفية حين يحضر الوالد مدرسا خصوصيا له أثناء الاجازة لتقويته.

ولعل لوحة الغلاف (طفل يقود دحدالا داخل اطار دائرة العجل، بمطرزات تراثية)، تشير برمزية إلى رحلة الحياة للإنسان الفلسطيني طفلا وكبيرا، حيث تتكرر دوائر الأسئلة والحيرة تجاه الطفل والتعليم والتعامل والحقوق.

تقودنا لوحة الغلاف للفنان التشكيلي عبد الله قواريق إلى قراءة خاصة للوحات المذكرات، والتي لا تقل إبداعا عن النص.

يظهر استخدام الأطفال للعلب الفارغة باللعب، فالشارب المخيف ومآل العنف، من خلال سحب الصراصير للشنب، فلوحة العصير، وباص الرحلة، فتخيل (تمني) المدرسة على شاطئ البحر، والهدايا التي هبطت على البيت كمظلات قبل اكتشاف مصيرها التجاري، فالمطر، وخطوات الخوف، والسلسلة التي تغلق التلفزيون، واعتلاء حبات التوت حبا به وشغفا طفوليا بطعمه، واستلهام لوحة جبل المحامل لسليمان منصور، فالمقلوبة..

وقد أبدع الرسام هنا في رسم إما المشهد، وإما أثره كآثار خطوات الخوف، إضافة إلى التصرف في الرسم كما في المقلوبة ورسم الساعات الثلاث التي على الطفل-الرواي تحملها كل يوم في التعليم، وشكل دود التفاحة حيث ظهر كعينين.

تكاد تكون فعلا مذكرات تلميذ، أخذت شكل اليوميات الأدبية، تشدّ الكبار قبل الصغار، تأخذ الكبار إلى تلك الذكريات العزيزة، أما الأطفال فإنها تعمّق لديهم ما سيحملونه في الوعي واللاوعي: أن يكونوا أنفسهم، فيعبرون عنها.

تلقينا لهذه المذكرات-اليوميات، كأدب طفل، يدفعنا للتفكير العميق ليس في الكتابة للأطفال فقط، بل كيف نتعامل معهم في البيت والمدرسة.

وهنا لعلنا نفكر بتساؤلات بداية المقال، لعلنا حين نفكّر فعلا بعمق، فإننا سنجد طريقنا الى الاطفال عبر جسر الكلمات والرسوم والألحان..والأفكار أيضا!

لعلّ اختيار الدنمركية المترجمة ودار النشر لعنوان آخر للقصة، يأتي في سياق الفهم العميق لعالم الطفل، وهذا ما ورد في المذكرات-القصة، عن الطفل والبحر..وغيرها من الجزيئيات التي قام عليها العمل الأدبي.

·        صدرت "مذكرات تلميذ ابتدائية" بالعربية عن مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي 2016، ثم صدرت بالدنمركية عن دار نشر  " Jensen Dallgardكوبنهاجن، بالتعاون مع مؤسسة تامر بتمويل وإشراف البيت الدنماركي في فلسطين.

·        عبد الله قواريق: فنان تشكيلي ورسام كتب اطفال فلسطيني ولد في الكويت، رسم العديد من قصص الأطفال التي صدرت عن مؤسسة تامر ودور نشر أخرى، منها: ملك الحكايات، والغولة، العنيزية، الحصيني، مختار أبو دنين كبار، وغيرها.

[email protected]

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط